يعتبر وليد إخلاصي الطبيعة كانت ولا تزال هي المعلم الأول للانسان، وهي التي علمته كيف يقبل بمبدأ التعدد والتنوع والاختلاف والتوافق وقادته الى معنى السطح والعمق والحجم والامتداد، والبيئة هي الطبيعة في حالة تجلي عواملها وعناصرها، وأحوالها المختلفة في مكان ما وزمان ما، وبفعل الأثر الانساني تأخذ البيئة الواسعة المعنى اسماً محدداً: «اجتماعية، صناعية، ثقافية.. إلخ) والثقافة فعل انساني بحت، وهي الحالة التي يتجلى فيها تفاعل الانسان مع البيئة. وعلى ذلك فهل يمكن لنا ان نجد للشعر نظرية في الطبيعة، وهل لفن الرواية أصول فيها؟ هذا ما يمكن ان نعثر عليه لو أحسنا فهم الطبيعة، لأنها الرحم الذي ولدت فيه ثقافة الانسان الواسعة والمتعددة على مر العصور والأزمان، ففي الشعر مثلاً يمكن ان نسأل السؤال التالي: ألا يتعادل صفاء حبة من الماس مع صفاء قطعة من الشعر العظيم؟ ألا يشبه تعدد وجوه الماسة الواحدة المعاني والصور المتعددة للوحدة الشعرية سواء أكانت مقطعاً أم قصيدة كاملة؟ ثم ألا يعبر هياج العاصفة وسكونها أو غضب البحر وهدوؤه عن حقيقة الشعر في تفسير سيكولوجية الشاعر في استيعاب شعره؟ وقد لا نستبعد أثر الايقاع الكوني الذي يتجلى في حركة البحر، مده وجزره على الايقاع الداخلي للشعر. الرواية أو القصة الفنية هي استجماع لمواد وعناصر مختلفة من أحداث ومواقف وحالات فردية وجماعية، ستأخذ بعد تخمرها في المختبر الفني للكاتب شكلاً آخر، كما يحدث للبترول تماماً، فهل الرواية هي بترول الفعل الأدبي الابداعي، ان مجرد النظر إلى مملكة النحل تقدم رؤية في مسيرة العمل في الرواية أو في فعل القص أو نظام البناء فيه، وتكوين خلية النحل البالغ الدقة في الانتظام يشبه تكوين الرواية. الرواية كالنسر والخلد في آن وقد علمت الطبيعة الروائي ان يكون نسراً في سموه وبعد نظره ودخوله في التفاصيل الدقيقة، وان يكون خلداً يحمي نفسه وأفكاره وعلمته ان نهراً جارياً لا تشبه لحظة فيه لحظة أخرى منه متنوع كالطبيعة نفسها في تكونها، متوحد كما هي في كينونتها، وقد تكون الرواية جزءًا من الطبيعة، لكنها في طموحها أبداً تريد ان تكون الطبيعة نفسها. يؤطر اخلاصي الكتابة الابداعية بالمربع، أضلاعه الأربعة، هي «الحب، الموت، الحرية، المستقبل» وهذا الشكل البسيط يفيد في فهم الكتابة الابداعية، فالحب حالة جمالية والموت بتعقيداته يشكل جانباً من علم الجمال وهو الرحم الذي ولدت فيه الفلسفة، وجمال الحرية في واقعيتها والحلم بها مشروع واقع يسعى الكاتب والانسان لتحقيقه بكل جهد وفن، دون توقف أو تنازل أو استسلام، أما ان تصل الكتابة إلى المستقبل، فكأنما تستكمل صورة جماليتها، بل تشارك بناء الجمال الذي لا يمكن إلا ان يكون وثيق الصلة أبداً بالمستقبل. ثقافة التجريب في القص العربي القص فعل انساني قديم لا يعرف له تاريخ، والاشكال أكثر حضوراً حتى يومنا هذا من القص العربي القديم، تتجلى في القص الديني، وفي القصص الموضوعة لغرض أيديولوجي وفي شبه المترجمة أو المعربة وفي السير الشعبية والحكايات الخرافية، ويأتي غنى القص العربي القديم من التنوع الثقافي للجغرافيا العربية التي تعاقبت عليها حضارات مختلفة، وهكذا اختلط الديني بالأسطوري، وما إلى ذلك من مخالطات ثقافية وتلك الكيمياء التاريخية قد تكون الأساس لمغامرة القص التجريبية المعاصرة. في التاريخ العربي تم اجهاض حركة التجريب الذي كان مقدراً للعقلانية ان تقود إليه مما أدى إلى تباطؤ في حركة التقدم (المعتزلة أنموذجاً)، وفي البحث عن أصول التجريب في الفكر العربي، يمكن تحديد أسس الثقافة التجريبية بالاجتهاد، ودور الاجتهاد في عملية الخلق معلوماً، وقد أدى التجريب في المختبر إلى نتائج مذهلة في التقدم العلمي للبشرية، كذلك التجريب في المختبر النفسي للمبدع، وقد أدى إلى علامات مهمة في حركة تطور الفنون والآداب، مما أدى إلى تقدمها ومن ثم إلى تجديدها المستمر، فكأن التجريب هو أساس لا يمكن ان يأتي بجديد، إذا لم تكن الثقافة التجريبية هي التي تحكم الكاتب والحداثة لا يمكن لها ان تعبّر عن نفسها إلا بمنهج التجريب. ان اشكالية الحداثة لا تعني الابداع الأدبي وحسب، بل تنسحب على نشاطات الانسان المختلفة لتحدد موقعه وموقع المجتمع كله من خارطة الوجود، وهكذا يكون (القص العربي) واحداً من المؤثرات التي تدل على حركة المجتمع العربي نكوصا أو تقدماً، ومن هنا تكتسب الرواية، أنموذجا، أهميتها، ليس في تدوين حركة التاريخ والمجتمع، بل في التعبير عن حيوية الحداثة الضرورية للتأكيد على وجوده ومدى مساهمته في صياغة الثقافة الكونية. في التجربة الروائية يحدد اخلاصي ثلاثة أشكال متباينة لها، تتجلى جميعها في (المراجعة والخبرة والمستقبل) أما مصادر هذه التجربة فيمكن تحديدها في: حضور الفكر الحكائي بقوة في المحيط المعاش، والبحث عن طريقة خاصة للتعبير عن المواقف في الحياة، ثم الرغبة الملحة في اعادة الحياة من جديد إلى حدث ما أو قيمة انسانية ملحة والتجربة الروائية الكونية الواسعة وسطوة العلاقات العالمية الثقافية. الحداثة، بعيداً عن التنظير هي الانتماء إلى العصر والانفتاح على ثقافته، ولا يمكن لها الا ان تكون عصرية معاصرة وعلماني، ينهج أصحابها طريق العلم وأسلوبه في فهم الحياة والتعامل معها، أو في خلق حياة في الفن موازية للحلم البشري في تطلعه نحو المستقبل. والثقافة تتحصن دوماً بالجديد لوقف انهيارها، وهي كالكائنات العضوية معرضة للتحلل إذا لم تجدد خلاياها، وقدر الحداثة هو التجريب، وكأنه تدريب مستمر لمجابهة خطر السكون وقبول ماهو سائد في مجتمعاتنا، لابد من دخول أتون الحداثة، ليس بالتجديد وبالأفكار فحسب، بل يوجد الكاتب نفسه وسلوكه وأحلامه في مجتمع جديد حقاً أيضاً. الرهان ليس على احتمال الاحتراق بل على ان يعود إلى الرماد وميضه بالحياة. في الحداثة السورية يتناول الكاتب عدة نماذج منها، بعضها يتعلق بالانتاج الاقتصادي وآخر بالتعليم والأسرة، ومنها ما يتعلق بالبيئة إلى الثقافة الابداعية التي تكمن في استنباط القوانين الخاصة بها، ولا يمكن للحداثة الأصلية ان تتحقق إلا بالتعبير الحر والديمقراطي عن استجابة المجتمع لواقع العصر، وهذا لا يمكن الحديث عنه إلا بمشروع ثقافي متكامل يهدف إلى تحقيق الوجود، لا في التاريخ وحسب بل في المستقبل أيضاً. في الجانب التطبيقي لآراء وليد إخلاصي يعتبر جورج سالم قدّاساً منفرداً لرواية واحدة وتشترك جميع أعماله بصفة الاتقان الجاد للكلمة المكتوبة والاحترام البروتوكولي لما يمكن ان يمسى بصناعة الكتابة، وكان حريصاً على أسلوبيته في الكتابة وحريصاً على ان تكون فكرته القصصية وصورتها الفنية ووصولها إلى القارئ محسوبة بمقدار، ومن هنا تأتي فرادته في ان معظم أعماله القصصية تصلح لتعليم فن القصة القصيرة في تكوينها وبنائها وسيرورتها على طريق واضحة ومحددة. كما يعتبر زكريا تامر صاحب مغامرة واثقة لأنه يكتب بالسكين على جلد المجتمع الحي، وقد استطاع منذ اللحظة الأولى ان يعرف ما يريد. ويعتبر كتاب «طه حسين» العقلانية، الديمقراطية والحداثة وهو الكتاب الذي حرره عدد من الكتاب في محاولة لتجديد ذكرى طه حسين، انه كتاب ذو قيمة علمية وتاريخية، يدخل ذاكرة الثقافة بيسر ويعطي حيوية للصراع الدائم في النظرة إلى التاريخ وإلى المستقبل ويحيل الصراع الثقافي الوطني بنقاط أربع هي: العمل، الاتقان، الابداع، التوصيل، لتحقيق الحلم الثقافي وهدف هذا المشروع هو الأسلوب الذي يؤمن بالتفتح والدهشة لما هو متوقع أو غير متوقع. فيصل خرتش