ربما يتعين على الفنانين الشباب الراغبين في التعلم من قصة حياة دانييل بورين القيام ببعض التسوق. فذات يوم في سبتمبر عام 1965 كان بورين يتجول متطفلاً، في انحاء سوق الأقمشة بباريس بحثاً عن ملاءات ملونة ونسيج خيش خشن ليستخدمها كمواد للرسم، بدلاً من ذلك عثر مصادفة على لفافة من قماش القنب المصمم لستائر النوافذ، لتولد بذلك نقطة علام بارزة في تاريخ الفن. ففي هذا القماش المقلم بخطوط عرضها 8.7 سنتيمترات اكتشف بورين الفكرة الرئيسية التي ستكرر في أعماله لتكون بمثابة امضائه الفني المميز في العقود الثلاثة التالية، ويقول بورين اليوم: «لولا تلك اللفافة القماشية، لكنت استخدمت امضاء فنيا مختلفاً الآن في بعض الأحيان تكون ايماءاتنا غير واعية، لكنها لا يمكن ان تكون عرضية أو اتفاقية». وسواء أكان اكتشاف بورين عرضياً أم غير ذلك، فقد قدم له احدى أقوى الهويات المميزة في الفن المعاصر، يمكن تمييزها بنفس سهولة تمييز شعار «مكدونالدز» أو «نايك» وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية استعمل بورين خطوطه العريضة في تشكيلة مدهشة متنوعة من السطوح بما في ذلك الملصقات الدعائية وجدران الصالات الفنية والاحجار المرصوفة على طول شوارع وسط نيويورك وصدارات عمال المتاحف، وأشهر من ذلك كله تلك الأعمدة القصيرة السوداء والبيضاء في حديقة القصر الملكي بباريس. لقد جعلت منه هذه الخطوط أشهر فنان فرنسي معاصر، وهو تقدير أعلن عنه رسمياً قبل أيام في مركز بومبيدو من خلال معرض ضخم ومتنوعه لأعمال بورين والذي سيتم حتى 23 من سبتمبر المقبل. لكن الامضاء ذاته جلب بعض نظرات الازدراء، حيث قلل الناقد آرثر دانتون من شأن أعمال بورين واصفا اياها بأنها مجرد «خطوط تافهة خالية من التشويق» في حين ذهب الفنان الأميركي دونالد جود إلى أبعد من ذلك حين وصف الرجل نفسه بأنه «معلّق ورق جدران باريسي». وفي متحف بومبيدو للفن المعاصر فإن الجدران التي تحمل لوحات لفنانين مشاهير من أمثال بيكابيا وكوبكا وفان دويسبرج وبولوك وماتيس أصبحت مغطاة بخطوط بورين السوداء والبيضاء. وتبنى بورين هذا التكتيك لأول مرة في معرض أقامه في كاسيل بألمانيا عام 1972. وكان في حينها، كما هو الآن، يريد تحدي الطريقة التي تقوم بها المتاحف بتصنيف وتقديم الأعمال الفنية، وعندما تكون تقليمات بورين خليفة لدوامات بولوك المعروضة في المتحف، فإنها تقرع ناقوساً قوياً يذكر الرائي بوجود الجدار وبالتالي بوجود المتحف بحد ذاته. كما انها تشير إلى فكرة ان للرسم وظيفة تزيينية مثل ورق الجدران وليس بالضرورة ان يكون ببساطة فناً صرفاً، وخطوط بورين المميزة ليست مجرد فكرة أنيقة بارعة، بل انها تستخدم كأداة بصرية بحسب تعبيره. لاجتذاب انتباه الرائي خاصيات الحيز المكاني الذي يحيط به. وبعد العثور مصادفة على «أداته البصرية قبل قرابة الأربعين عاماً، سرعان ما هجر بورين الرسم متحولاً إلى الميدان الذي أصبح هاجسه منذ ذلك الحين: الفضاء ثلاثي الأبعاد. وفي عمله الذي يحمل اسم «الموقف» والذي يعرض في بهو مدرج قبو متحف بومبيدو، يفجر بورين تقسيمات المبنى من خلال طلاء المكان بحيث يبدو كأنه موقف سيارات في طابق أدنى أما في عمل «ألوان: منحوتات» فهو يتجه نحو اضفاء مزيد من الضبابية على حدود الاجسام، ناقلاً المتحف إلى محيطه الخارجي وسط المدينة. فمن المصطبة التي أعدها بورين في الطابق السادس في مركز بومبيدو يستخدم الزوار مناظير مقربة لرصد الأحجار المقلمة التي وضعها بورين على أسطح 15 موقعاً من معالم باريس البارزة. والقطعة المركزية في المعرض بأكمله تحمل اسم «المتحف غير الموجود» وهي عبارة عن متاهة مذهلة من الغرف بناها بورين في الطابق السادس على نحو يكسر الطابع الاكاديمي المهيمن على مركز بومبيدو. ويقول بورين في وصف هذا العمل المثير المبني على مساحة ألفين و300 قدم مربع: انها متاهة في الحجر المربعة على شكل رقعة الشطرنج وكل مربع ابيض يحتوي على قطعة مختلفة، بعضها يحمل طابع اعمالي السابقة وبعضها جديد تماماً وتوصي العديد من تلك القطع بالتركيبات ثلاثية الابعاد التي ركز عليها بورين في السنوات القليلة الماضية. وبينما يتجول الزائر داخل المتاهة النابضة بالالوان تخلق المرايا خطوطاً لامتناهية من المناظر والابواب المفتوحة على دروب ضيقة متغيرة المشاهد. انه استعراض بارع للحرفة البصرية التي تنطوي على قدر كبير من التسلية العفوية للرائي، وخلال حياته الفنية وصفت اعمال بورين من قبل بعض النقاد بأنها مغرقة في انغماسها في المفاهيم، في حين سخر منها البعض الآخر لكونها مغرقة في السمة التزيينية. ويظهر هذا المعرض بوضوح ان بورين البالغ من العمر 64 عاماً يسعى لانتهاج درب متوسط بين الحدين من خلال تقديم مفاهيمي وسهل على العين في الوقت ذاته. ويقول بورين: لا ارى كيف يمكن تمييز البعد المفاهيمي عن البعد البصري عندما يكون العمل الفني مفرطاً بالتركيز على الافكار تتم ادانته على الفور. علي محمد