مؤلف كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة» هو «أبو نصر محمد الفارابي» الذي لقب بالمعلم الثاني لمكانته العلمية الكبيرة في الفلسفة، ووفرة انتاجه فيها ومتابعته لدراسات «ارسطو» وشرحه لنظرياته، حتى اعتبر اكبر الفلاسفة من بعده. ولما كان «ارسطو» قد اشتهر بلقب «المعلم الاول» لذلك اطلق على خليفته في عالم الفلسفة المعلم الثاني. اشتهر بالفارابي نسبته الى مسقط رأسه «فاراب» وهي منطقة كبيرة وراء نهري سيحون وجيحون وفد ولد سنة 259هـ الموافقة 873 ميلادية، وتوفي سنة 339هـ الموافقة 951 ميلادية. يظهر من سيرة حياته انه بعد بلوغه، عكف في مسقط رأسه على دراسة طائفة من مواد العلوم والآداب والفلسفة واللغات، ثم خرج من بلده وهو يومئذ يناهز الخمسين قاصداً العراق حيث اتم دراساته، فدرس في حران الفلسفة والمنطق والطب ودرس في بغداد العلوم اللسانية العربية، اضافة الى الفلسفة والموسيقا والرياضيات. وكان الفارابي مولعا بالاسفار في طلب العلم ونشره والاحاطة بشئونه فانتقل من العراق الى الشام، حيث اتصل بسيف الدولة بن حمدان الذي اكرمه وعاش الفارابي في كنفه منقطعاً الى التعليم والتأليف، وكان في اثناء اقامته بالشام، يتنقل بين مدنها، وقد آثر الفارابي حياة الزهد والتقشف فلم يتزوج ولم يقتن مالاً، وكان يؤثر العزلة والوحدة ليخلو الى التأمل والتفكير. يعتبر الفارابي المؤسس الحقيقي للدارسات الفلسفية في العالم العربي، والمنشيء الاول لما نسميه الآن «الفلسفة الاسلامية» فقد اشاد بنيانها ووضع الاساس لجميع فروعها، وهو اعرف فلاسفة الاسلام بتاريخ الفلسفة ونظرياتها، كما كان له معرفة واسعة بالطب، اضافة الى انه نابغة عصره في الموسيقا، وهو المخترع لآلة القانون. يعتبر كتاب «آراء اهل المدينة الفاضلة» محاولة قصد الفارابي منها تكوين مجتمع فاضل من نوع المجتمعات التي فكر فيها من قبله طائفة من فلاسفة اليونان «كجمهورية افلاطون». وقد أراد الفارابي ان ينشيء مدينته وفقاً للمباديء الرئيسية التي تقوم عليها فلسفته وآراؤه في السعادة والاخلاق والكون وخالقه، وما وراء الطبيعة. ولذلك قسم كتابه الى قسمين: قسم بدأ به ولخص فيه المباديء الفلسفية التي يؤمن بها، والتي سيراعيها في انشاء مدينته وقسم ختم به كتابه وشرح فيه شئون هذه المدينة وما ينبغي ان تكون عليه في مختلف فروع حياتها، وقد شغل القسم الاول ثلاثة اخماس الكتاب. ولغة «الفارابي» في هذا الكتاب كلغته في جميع كتبه، لغة معقدة صعبة وقد يكون لعمق الافكار سبب في ذلك. يشتمل القسم الفلسفي من كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة» على خمس وعشرين فقرة وقد بحثت تسع فقرات في بداية الكتاب، منها: الموجود الاول وهو الله تعالى، وبيان طائفة من صفاته، وآراؤه هنا تتفق مع مباديء الاسلام وتنم عن ايمان الفارابي وسلامة عقيدته. ولكن آراءه عن الموجودات ومراتبها وحالاتها وصلتها بالموجود الاول، وصلتها ببعضها البعض، متأثرة الى حد كبير بالافلاطونية الحديثة. اما القسم الثاني من محتويات القسم الفلسفي، فيناقش فيه الموجودات المادية ويرتبها ايضا من الاعلى الى الادنى ترتيبا تنازلياً في ست مراتب. اما محتويات القسم الاجتماعي من الكتاب، فقد وضع فيه ما يصح تسميته تصميماً لمدينته الفاضلة، وقد جاء تصميمه هذا شبيهاً في معظم نواحيه لتصميم افلاطون لجمهوريته، مع بعض فروق يسيرة، تأثر فيها فيلسوفنا بمباديء الدين الاسلامي على الاخص. وقد بدأ قسمه بالكلام على احتياج الانسان الى الاجتماع والتعاون، فقرر ان الانسان اجتماعي بطبعه، ومضطر الى هذا الاجتماع لسد حاجة، وهذه المجتمعات ترجع في نظره الى: مجتمعات كاملة، وهي ما يتحقق فيها التعاون الاجتماعي بوجه كامل، لتحقيق سعادة الافراد، ومجتمعات ناقصة، وهي ما لا يتحقق فيها هذا التعاون الكامل ولا تستطيع ان تكفي نفسها بنفسها والمجتمعات الكاملة ثلاث مراتب: ارقاها مرتبة: اجتماع العالم كله في دولة واحدة، وتحت سيطرة حكومة مستقلة، واقل منها كمالا، اجتماع امة في جزء من المعمورة وتحت سيطرة حكومة مستقلة، واقلها: اجتماع اهل المدينة في جزء من الامة تحت سلطة رئيس ـ وكذلك المجتمعات الناقصة. ان المدينة الفاضلة في نظر الفارابي وهي ما تتحقق فيها سعادة الافراد على أكمل وجه، ولا يكون ذلك إلا اذا تعاون افرادها على الأمور التي تنال بها السعادة، واختص كل منهم بالعمل الذي يحسنه وبالوظيفة المهيأ لها بطبعه. إعداد ـ محمد سطام الفهد