باسكال دولانوا أحد مؤلفي هذا الكتاب هو مدير اذاعة فرنسا الاخبارية «فرانس انفو» التي تحظى بالمرتبة الأولى من حيث عدد المستمعين لها، كما تدل الاحصائيات الرسمية المختصة، وهو أحد الصحفيين الفرنسيين المعروفين، أما جان فيارد فهو محلل سياسي فرنسي معروف سبق له وقدم العديد من الكتب حول الحياة السياسية الفرنسية المعاصرة واهتم بشكل خاص بتحليل ظاهرة صعود اليمين المتطرف ممثلاً بحزب «الجبهة الوطنية» الذي يتزعمه جان ماري لوبن، من أهم كتب «فيارد» نذكر «الأمة المهتزة» و «مصادر النزعة الشعبوية القومية المتعصبة» ..إلخ، وهو مدير للأبحاث في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. «جمهورية 5 مايو» التي يتعرض لها مؤلفا هذا الكتاب ليست سوى تلك التي بدأ فيها الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك فترته الرئاسية الثانية اعتباراً من هذا التاريخ بعد ان فاز يومها بالانتخابات وبنسبة من الأصوات تزيد على80% من الناخبين. هذه النسبة العالية لم يحصل عليها أي رئيس في ظل الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام1958 وكان أول رئيس لها، ثم ترأس بعده كل من جورج بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان وفرانسوا ميتران والرئيس الحالي جاك شيراك. نقطة الانطلاق الاساسية في تحليلات هذا الكتاب تتمثل في القول بأن الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة قبل عدة أسابيع فقط كانت بمثابة هزة أرضية حقيقية على الصعيد السياسي، مثل هذا الرأي ردده الكثيرون حوالي الساعة الثامنة من مساء الأحد 21 ابريل 2002، أي عند ظهور التقديرات الأولى لنتائج الدورة الانتخابية الرئاسية. الانتخابات الرئاسية في فرنسا تجري على دورتين يفصل بينهما أسبوعان ويتنافس في الدورة الثانية المرشحان اللذان يحصلان على أعلى نسبة من أصوات المقترعين. وخلال الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية يوم 5 مايو الماضي كان الرئيس الحالي جاك شيراك ومنافسه جان ماري لوبن زعيم اليمين الفرنسي المتطرف ممثلاً بحزب «الجبهة الوطنية». ان هوية هذا المرشح اليميني المتطرف هي التي أحدثت في الواقع الهزة الأرضية السياسية إذ كان جميع المراقبين والمحللين ووسائل الاعلام اعتقدوا بأن المرشحين في هذه الدورة الثانية هما الرئيس شيراك ورئيس حكومته آنذاك ليونيل جوسبان، أي زعيم معسكر اليمين التقليدي وزعيم معسكر اليسار التقليدي حسبما جرت العادة غالباً. ومع اعلان توقعات الهيئات المختصة مساء يوم الأحد 5 مايو عن «الاختراق» الانتخابي الذي حققه اليمين المتطرف واحتلال ممثله جان ماري لوبن للمرتبة الثانية، أي ما يعني اقصاء مرشح اليسار ليونيل جوسبان، ومباشرة بعد اعلان هذه التوقعات نزلت اعداد كبيرة من الفرنسيين إلى الشوارع للاحتجاج على وصول «لوبن» إلى الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية بما يمثله من «فكر متطرف» ومن «فاشية» ولم تتردد مختلف قوى اليسار بما فيها الاشتراكيون والشيوعيون وبعض قوى اليسار الفرنسي المتطرف في الدعوة لانتخاب جاك شيراك في الدورة الثانية للانتخابات يوم 5 مايو 2002 ومن هنا يأتي عنوان هذا الكتاب «جمهورية 5 مايو» والذي يقدم مؤلفاه بالاعتماد على كم كبير من المقابلات والتحليلات نوعاً من التحقيق «على الساخن» لما يعنيه مجمل الأحداث التي شهدتها فرنسا خلال الأسابيع القليلة المنصرمة، هكذا تتم العودة إلى الأحداث عبر البدء بتقديم «كرونولوجيا» اعتباراً من مساء 21 ابريل 2002 وحتى يوم 16 مايو 2002 الذي تسلم فيه الرئيس جاك شيراك رسمياً مهام منصبه لفترة رئاسية ثانية مدتها 5 سنوات بدلاً من 7 سنوات كما كان الأمر منذ عقود طويلة ومروراً بأحداث انتخابات 5 مايو 2002 التي أعطى فيها الفرنسيون ثقتهم للرئيس جاك شيراك مرة ثانية. الظاهرة الأولى التي يتم التأكيد عليها بصدد الدورة الانتخابية الرئاسية الأولى تتمثل في النسبة الكبيرة لأولئك الذين امتنعوا عن الادلاء بأصواتهم، وقد أعاد المحللون والمعلقون هذا الأمر إلى عدة أسباب رئيسية ليس أكثرها عمقاً القول بأن «الطقس الجميل» في يوم الاقتراع دفع العديد من الفرنسيين إلى «تفضيل الذهاب للنزهة» وليس إلى «صناديق الاقتراع» أما الأسباب الأخرى فتتمثل في «ارهاق» الناخبين بعدد كبير من العمليات الانتخابية خلال الأشهر الأخيرة وفقدان الحملة الانتخابية لأي مضمون حقيقي أو أية رهانات انتخابية حيث كان قد بدا بأن «المعركة النهائية» ستكون بين جاك شيراك وليونيل جوسبان، وفي المحصلة ظهر بأن «الممتنعين عن الاقتراع» يشكلون نسبة 28% من مجمل الجسد الانتخابي الفرنسي أي انهم يمثلون «أكبر حزب في فرنسا». ومن خصوصيات الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة و« جمهورية 5 مايو» التي يتم التأكيد عليها واقع أنها المرة الأولى منذ عام 1969 التي لم يشارك فيها ممثل لليسار في الدورة الانتخابية الثانية، كما ان تلك الأيام (21 ابريل ـ5 مايو) قد شهدت أحد أكثر اللحظات اثارة للدهشة وللقلق» في تاريخها الحديث، ضمن هذا السياق حدد «باسكال دولانوا» أحد أهداف الكتاب بقوله: «كي لا ننسى أبداً هذا الربيع الفرنسي الذي ولّد جمهورية 5 مايو 2002». يضم هذا الكتاب آراء مختلفة لصحفيين ومحللين فرنسيين وأجانب ومن بين هؤلاء الأجانب أميركي وياباني وايطالي، الأميركي هو «بروس كريملي» الصحفي في «التايم ماغازين» التي كانت قد اختارت عنواناً رئيسياً صدّرت به عددها لعشية الانتخابات الرئاسية الفرنسية كتبت فيه: «لماذا فرنسا مختلفة عن غيرها» هذا العنوان يعيده الصحفي الأميركي لما أسماه بالتطلع إلى «الحرية أو إلى امكانية الخروج من القوالب التقليدية» وحيث ان آليات الحكومة والادارة ذات النزعة المركزية المتطرفة تعيق برأيه روح المبادرة أو على الأقل «لا تشجع» على تنفيذ ما يرغبون، لكنه يؤكد بالوقت نفسه بأن فرنسا لم تسقط في يد اليمينيين المتطرفين الفاشيين وإنما كان العديد من الناخبين قد اقترعوا في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية لصالح لوبن «كي تتحرك الأمور» وبأنهم «لو كانوا يعرفون» بأن المسألة ستصل إلى حد اقصاء جوسبان فما كان منهم ان يفعلوا أو بأصواتهم أو ان يستنكفوا عن الاقتراع، ثم ان «فرنسا تبقى مختلفة عن غيرها بما هو أفضل وما هو أسوأ»، أي هناك استعداد للتطرف «بالتعريف». ويرى الصحفي الايطالي «البرتو توسكانو» بأن ما أظهرته نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية في دورتها الأولى كان بمثابة انذار حقيقي بالخطر ويرى بأن أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية وتدمير برجي مركز التجارة الدولي في نيويورك كان لها أثرها في الانتخابات الرئاسية الفرنسية وذلك من حيث انها خلقت احساساً بعدم الامن، وكان اليمين المتطرف الفرنسي قد جعل من مسألة الأمن العصب الرئيسي لحملته الانتخابية، وفي الخطاب نفسه «الأمني» يكرره الصحفي الياباني «توشيرا كيمورا» عندما قال: لا شك بأن فرنسا تعاني من حالة نقص الأمن، سرقات، اعتداءات، إلخ. وحيث ان مكتبنا في باريس قد تعرض للسرقة مرتين، لكن لا شك ايضاً بأن فرنسا تمتلك أيضاً جوانب جميلة فالاقتصاد مزدهر والعولمة صبت في مصلحتها بشكل خاص». وفي المحصلة يؤكد مؤلفا هذا الكتاب والشخصيات العديدة التي قابلوها أو بعثت لهما بآرائها حول الدلالات العميقة للانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة بأن «جمهورية 5 مايو 2002» تؤسس لمرحلة جديدة مطلوب فيها الاجابة عن عدد من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالمستقبل