في هذا الكتاب عن الصراع العربي الاسرائيلي، أعاد الفريق عبدالمنعم واصل «قائد الجيش الثالث في حرب 1973» ترتيب واستكمال، وصياغة مذكراته وذكرياته وأفكاره التي تراكمت عبر السنين الطويلة من الخدمة العسكرية، لكي يقدم سجلا اقرب الى الرؤية الشاملة عن هذا الصراع بصفة عامة، وعن العمليات العسكرية بصفة خاصة. والفريق واصل تخرج من الكلية الحربية في سبتمبر 1940 أي بعد عام واحد من التحاقه بها بسبب ظروف نشوب الحرب العالمية الثانية، بعدها تم انتدابه الى آلاي الخيالة ثم الى مركز تدريب الفرسان حيث تولى جناح الخيالة وكان ذلك بسبب تفوقه في هذا المجال لمدة ثماني سنوات، بعدها اختار ان يحول من الخيالة الى الدبابات، وفي عام 1950 تقدم الى بعثة الى انجلترا للتخصص في صيانة وسواقة الدبابة سنتوريان ونجح فيها بتفوق، بعدها تولى قيادة جناح الصيانة والسواقة بمدرسة الدبابات، ثم انتقل الى جناح التكتيك بالمدرسة، وفي عام 1952 حصل على بعثة قيادة كتيبة دبابات في الولايات المتحدة الأميركية بعدها تم تعيينه قائدا لجناح التكتيك بمدرسة المدرعات. وفي 23 مارس 1956 تولى قيادة الألاي التاسع سنتوريان في منطقة «أبوعجيلة» ومع بداية العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر 1956 كلف بمهمة الدفاع عن القاهرة. وفي عام 1958 أرسل في بعثة قادة ألوية واركان حرب لمدة عامين في الاتحاد السوفييتي وعاد بتقدير امتياز وعندها تم تعيينه في يوليو 1961 قائدا للواء 11 مدرع ثقيل وكان ذلك حتى يناير 1965. وفي 14 يناير 1965 تولى قيادة اللواء 14 مدرع مستقل وظل قائده في حرب يونيو 1967، حيث تمكن من انزال خسائر كبيرة بالقوات الاسرائيلية ـ رغم كل الظروف السيئة. وفي 5 أغسطس 1967 عين قائدا للفرقة الرابعة المدرعة لمدة عامين، ثم حصل على دورة كلية الحرب العليا بأكاديمية ناصر العسكرية وبعد انتهاء الدورة عين في 12 سبتمبر 1969 رئيسا لأركان الجيش الثالث الميداني. وفي 18 نوفمبر 1970 تولى قيادة الجيش الثالث الميداني، والذي شارك معه في حرب أكتوبر 1973 والتي انتهت بتحرير سيناء بعد أكثر من 6 سنوات من الاحتلال الاسرائيلي، وبعد ما يقرب من 34 سنة خدمة بالقوات المسلحة انهى الخدمة في ابريل 1974. في الباب الأول من الكتاب المحتوي على فصلين ـ نشأة الصراع ـ ومسرح الحروب العربية الاسرائيلية يتناول الفريق واصل جذور الصراع من الوعد الالهي في التوراة ـ حسب قناعة اليهود ـ وشعب الله المختار وأثرة ذلك في تشكيل الصهيونية التي بدأت نشأتها كصياغة سياسية لمشكلة اليهود تحاول ان تقدم الحل للمشكلة اليهودية، ومع كون هرتزل الأكثر شهرة في التاريخ المعروف بالمؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897. الا ان البداية الحقيقية كانت في عام 1882 على يد لبيون بنسكو رئيس حركة احباء صهيون وصاحب كتاب التحرر الذاتي الذي دعا فيه الى انشاء قومية يهودية ونادى بالسعي الى ايجاد وطن خاص باليهود، فكانت بداية موجة الهجرة الأولى الى فلسطين التي بدأت بإنشاء المستعمرات الزراعية، وبنهاية هذه المرحلة وفي عام 1917 كان قد تم انشاء 44 مستعمرة زراعية في فلسطين يقطنها 12 ألف يهودي، في ظل عدم وجود حكومة محددة بعد انتهاء سيطرة الدولة العثمانية على المنطقة بهزيمتها في الحرب العالمية الأولى. وبوصول حاييم وايزمان في عام 1904 الى رئاسة التنظيم الصهيوني عقب وفاة هرتزل، نجح في انشاء نوع من الصلة بين بريطانيا والمنظمة الصهيونية من خلال انشاء الفيلق اليهودي الذي عمل تحت قيادة الحلفاء في الحرب العالمية الأولى 1914 وانتهت عام 1918 مع تطور الحرب الأولى وحرج موقف بريطانيا بعد خروج روسيا من الحرب ودخول الولايات المتحدة الأميركية كانت الفرصة الذهبية لاستغلال مراكز الضغط الصهيونية في أميركا وانجلترا، ونجح الكيميائي اللامع حاييم وايزمان الذي كثيرا ما أفاد الجيش البريطاني بأبحاثه، في دفع بريطانيا الى اصدار وعد بلفور في عام 1917 بمعاونة اليهود في انشاء وطن قومي لهم على أرض فلسطين، واندلعت الثورات والاضطرابات في فلسطين وفي عام 1947 صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين الى دولتين عربية ويهودية، وفي عام 1948 انهت بريطانيا انتدابها على فلسطين مساء يوم 14 مايو، وفي يوم 15 مايو أعلن اليهود في فلسطين قيام دولة اسرائيل فأصبح هذا التاريخ هو البداية الرسمية للصراع. وباعلان قيام دولة اسرائيل أصبحت هي الكيان القومي الرسمي لليهود في العصر الحديث، بعدها نشبت حرب 1948 وهزم جيوش العرب وتبين الحقيقة بأن الجماعات الصهيونية المسلحة كانت أكثر عددا وأكثر عدة وأكثر كفاءة من جيوش العرب السبعة التي لم تكن تعرف لماذا وكيف ومتى؟ وهنا يطرح الفريق واصل سؤالا بالغ الأهمية والدلالة، وهو: هل كان هناك ارتباط بين انتصارات جيوش مصر في عهد محمد علي، والنهضة المصرية في المجالات الزراعية والصناعية المختلفة، ثم وقوف أوروبا متحدة في مواجهة مصر، لاجبارها على سحب جيوشها من جنوب تركيا من ناحية، وبين الغزو البريطاني لمصر واحتلالها عام 1882 من ناحية أخرى، وبين البداية التنفيذية لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين ككيان صهيوني سياسي على الأرض العربية في سنة 1882 وما بعدها من ناحية ثالثة؟ وفي نظر القائد العسكري الفريق واصل نعم هناك ارتباط وهو هدف زرع الدولة اليهودية «اسرائيل» داخل الوطن العربي، للحيلولة دون قيام دولة عربية موحدة في هذه المنطقة الغنية بمقومات الوحدة كما يقدم لنا الفريق واصل بخبرته استخلاصاته عن حرب 1948 فيرصد فيها مبدأ مهم وهو ان القائد في ميدان المعركة هو الأقدر على تقدير موقفه وعلى القيادة العليا العسكرية والسياسية تقدير واحترام هذا المبدأ ومن أهم دروس هذه الحرب ان الهدنة أو قرار وقف اطلاق النار هو عمل سياسي بالدرجة الأولى، وبالتالي فهو يتصف بما تتصف به السياسة بصفة عامة من التفاوض والمراوغة والخداع واختلاف الأسباب والأعذار للتنصل من المسئوليات لكسب الوقت لتغيير ميزان القوى، وعلى القيادة السياسية ان تكون مستعدة لاستمرار القوات في القتال لعدة ساعات أو أيام تحت أي اسباب لتحقيق أوضاع عسكرية أفضل دون التورط في اغضاب المجتمع الدولي. ويخلص الفريق واصل الى ان هذه الحرب كشفت قصور الرؤية البعيدة للقيادة السياسية والعسكرية في وضع التصور الصحيح لتطور الحرب وعوامل التأثير المحتملة فيها. وبالتالي اتخاذ التدابير والخطط لمواجهة ذلك وينتقل بنا الفريق واصل الى حرب 1956 ويبدأ من السنوات التالية لحرب 1948 وما تلاها من الهدنة والتي قد أدت الى تطور وتبلور الموقف الخارجي والداخلي، ليصبح كالآتي: - استمرار العداء بين مصر واسرائيل رغم دعاوى الرغبة في السلام التي أطلقتها الحكومة الاسرائيلية أو القيادة المصرية في فترات مختلفة ولاسباب مختلفة. - تعاظم حالة العداء والكراهية بين مصر من جانب وبريطانيا وفرنسا من جانب آخر، خاصة بعد الموقف المصري المناصر لحركات التحرير خاصة ثورة الجزائر. - رغبة حكومة الثورة بقيادة عبدالناصر في الاتجاه الى البناء الداخلي واصلاح الموقف الاقتصادي مع المضي في اعادة بناء الجيش المصري. وبعد نشوب حرب 1956، يقدم لنا الفريق استخلاصاته فيما يلي: - فشلت بريطانيا وفرنسا في تحقيق أهدافهما من الغزو، لسببين أساسيين: الأول كان عدم التقدير الجيد لروح المقاتل المصري قيادة وشعبا وجيشا، والسبب الثاني هو عدم التنسيق المسبق مع أميركا التي أعلنت غضبها من الحملة وأنذرت الدولتين بسحب القوات، وهكذا فعلت روسيا أيضا. - فشلت بريطانيا وفرنسا واسرائيل في تدمير الجيش المصري الذي استطاعت القيادة المصرية انقاذه من الفخ بقرار تخفيف القوات في سيناء، ثم بقرار الانسحاب منها تحت ستر قوات قاتلت كأفضل ما يقاتل المحترفون. - لقد كان قرار الانسحاب من سيناء عبقريا في ظل الظروف التي أحاطت بالجيش في تلك الحرب غير المتكافئة. - نجحت اسرائيل في تأمين حرية الملاحة في خليج العقبة عبر مضيق تيران الى ميناء ايلات الاسرائيلي. وذلك بعد ان تمركزت قوات طوارئ دولية في شرم الشيخ. - كان لحرب 1956 أثر كبير في ارتباط الجيش والشعب المصري بالقيادة السياسية والعسكرية التي قادت تلك الحرب، وهكذا خرجت مصر من حرب 1956 أقوى مما دخلتها. وعن حرب 1967 نكتفي بعرض الأسئلة التي عرضها الفريق واصل في نهاية تناوله لحرب 1967. - ما الذي كان يمكن ان تكون عليه نتيجة حرب 1967 لو لم يصدر قرار الانسحاب، وتمسكت التشكيلات والوحدات المشاه والدبابات والمدفعية بمواقعها وقام القادة بمهامهم في قيادة المعركة. هل كانت النتيجة ستكون أفضل، بالتأكيد أفضل كثيرا ولنا فيما سجله اللواء 14 مدرع مستقل مؤشرا ودلالة. وأخيرا جاء الدور على حرب 1973، حيث يرصد الخبير العسكري الفريق واصل قائد الجيش الثالث الميداني الطريق من الهزيمة الى النصر وعن حرب الاستنزاف يقول ما كتبه الجنرال عزرا وايزمان الذي كان وزير دفاع اسرائيل ورئيسها فيما بعد أن حرب الاستنزاف التي سالت فيها دماء أفضل جنودنا، مكنت المصريين من اكتساب حريتهم على مدى ثلاث سنوات للتحضير لحرب أكتوبر العظمى في عام 1973، وعلى ذلك، فإنه سيكون من الغباء ان نزعم أننا قد كسبنا حرب الاستنزاف، وعلى العكس من ذلك فإن المصريين ـ بالرغم من خسائرهم ـ هم الذين حصلوا على أفضل ما في هذه الحرب، وفي الحساب الختامي، سوف تذكر حرب الاستنزاف على أنها أول حرب لم تكسبها اسرائيل. أمين اسكندر