ساهم في تأليف هذا الكتاب عشرات الباحثين والاكاديميين في مختلف الجامعات الاميركية والعالمية، واما المشرف العام عليه سانجيف خاغرام، فهو استاذ السياسة العامة بجامعة هارفارد، وهو يدرس هناك مادة الاقتصاد السياسي ويشرف على البحوث المتعلقة بالتنمية والديمقراطية. وبين عامي 1998 ـ 2000كان مستشاراً لدى اللجنة العالمية للجسور، ثم نشر كتاباً مهماً بعنوان، «الجسور، الديمقراطية، التنمية: الصراعات الاممية على السلطة والماء» ومن بين المساهمين ايضا الباحث الهندي «سميتو كوتاري» وهو احد مؤسسي المركز الهندي المدعو «حوار الشعب»، وهذا المركز يهتم باجراء حوارات بين التشكيلات السياسية غير الحزبية وبين اساتذة الجامعات وبقية المواطنين في الهند وفي شتى انحاء العالم، ويشرف البروفيسور كوتاري في هذا المركز على مناقشة القضايا الثقافية، والبيئية، والسياسية، وهو عضو التحالف الهندي لنزع الاسلحة الذرية وتحبيذ السلام، وكان استاذاً زائراً في جامعتي كورنيل وبرنستون في الولايات المتحدة الاميركية من اهم كتبه «بحثا عن الفضاء الديمقراطي خارح التهديد النووي» ثم اعادة التفكير بحقوق الانسان: تحديات للنظرية والتطبيق في آن معاً. في المقدمة العامة للكتاب يقول المؤلفون ما يلي: ان هذا الكتاب هو حصيلة المداخلات والمناقشات التي تمت في جامعة «مينيسوتا» على مدار عدة سنوات، وكذلك في جامعتي ويسكينسون وستانفورد، وقد دعونا ايضا المناضلين السياسيين لكي ينضموا الينا ويعطوا رأيهم في القضايا المطروحة، وقد ابتدأت المناقشات عام 1994 على اساس ورقة العمل التالية «الديمقراطية، السلطة الشعبية، التنمية»، ثم توسعت مناقشاتنا لكي تشمل قضايا اخرى واجزاء مختلفة من العالم، وكنا مهتمين بمعرفة الدور الذي يمكن ان تلعبه المنظمات غير الحكومية وكذلك الشخصيات المستقلة في التأثير على السياسة الدولية. ودعونا هذه المنظمات بالشبكات الاممية العابرة للقارات والخصوصيات القومية، وتهدف هذه الحركات الاجتماعية النضالية الى تغيير السياسة داخل كل بلد ثم على مستوى العالم ككل، من بين هذه الحركات نذكر المنظمات غير الحكومية التي تناضل من اجل حقوق الانسان وحماية البيئة في اندونيسيا، والمنظمات التي تناضل من اجل نشر الديمقراطية في السنغال ثم المنظمات التي تهتم بحقوق المرأة والطفل، ثم المنظمات التي تدافع عن حقوق الانسان في تشيلي. الخ.. وكان هناك فريق عمل مكلف بدراسة العلاقة بين المنظمات غير الحكومية والبنك الدولي، ثم قمنا بحملة عالمية ضد الجسور الضخمة ومخاطرها ثم يردف المؤلفون قائلين: ان معظم القضايا التي ناقشناها راحت تصوغ وجه المستقبل للبشرية، فقد استبقنا على حركة التاريخ والاحداث، نضرب على ذلك المثال التالي: كنا أول من نبه الى خطورة الديون المترتبة على بلدان العالم الثالث الاكثر فقراً وقد نادينا بتخفيفها او حتى الغائها، ولم يذهب كلامنا سدى، ففي شهر يونيو من عام 1999 راحت مجموعة الدول الثماني الاغنى في العالم تتخذ عدة قرارات في هذاالاتجاه وكنا نحن الذين نادينا بفضح نظام «بينوشيه» في تشيلي مما ادى الى رفع الحصانة عنه في لندن واحالته الى المحاكمة، وقد اثار الموضوع في حينه ضجة دولية واسعة الشيء الذي اخاف معظم الديكتاتوريين في العالم. وكنا اول من تنبأ بسقوط سوهارتو عام 1998 الشيء الذي فتح الطريق امام الديمقراطية في اندونيسيا وكان أول لقاء نظمناه يتمحور حول الموضوع التالي: تأثير الحركات الاجتماعية الاممية على نشر الديمقراطية في شتى انحاء العالم.. والواقع ان التشجيع على الديمقراطية وحقوق الانسان كان الموضوع الاساسي لمناقشاتنا طيلة عدة سنوات ولايزال. وقد اصطدمنا احيانا بالمشكلة التالية: ما هو الفرق بين الاستاذ الجامعي والمناضل السياسي؟ وهل هناك من خصوصية تميز هذا عن ذاك؟ في الواقع ان الفرق يخص مكان العمل اكثر من طبيعته، فالمناضل في احدى منظمات حقوق الانسان يكرس كل وقته للدفاع عن القضية، هذا في حين ان الاستاذ الجامعي يكرس نصف وقته او ربعه لها، اما النصف المتبقي فيكرسه للتدريس الجامعي والبحث العلمي.. ولكن الحوار بينهما مستمر وكثيراً ما يجمع المرء في شخصه بين كلتا الوظيفتين فيكون استاذاً جامعياً ومناضلاً سياسياً في آن معاً. ثم يقول مؤلفو الكتاب مايلي: بعد انتهاء الحرب الباردة حصلت متغيرات على الساحة الدولية والشيء الاهم حصول ظاهرة ضخمة تدعى بالعولمة الاقتصادية والسياسية وضدها ظهرت الحركات الاجتماعية المناضلة من اجل العدالة وحقوق الانسان والشعوب والدفاع عن المحرومين والفقراء اينما كانوا، وهذه الحركات مرشحة لان تتخذ اهمية اكبر واكبر في المستقبل لان الظلم الفاحش مستمر والاستغلال الرأسمالي يتزايد ضراوة وجشعاً. ويتابع المؤلفون كلامهم قائلين: ان فصول هذا الكتاب تغطي خمسة وعشرين عاما من النضال المستمر منذ ايام سانتياغو وحتى ايام سياتل والمظاهرات الضخمة ضد العولمة الرأسمالية فعندما نفى نظام بينوشيه القمعي المناضلين التشيليين في منتصف السبعينيات فإنهم راحوا يدافعون عن قضيتهم في الخارج. وعندئذ تلقوا دعم المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية وحتى بعض الحكومات عبر العالم كله وراح الجميع يضغطون على الحكومة التشيلية لكي تأخذ مسألة حقوق الانسان بعين الاعتبار. وبالتالي فإن عولمة النضال اصبحت حقيقة واقعة منذ حوالي العشرين سنة، لم يعد المناضلون يشعرون بأنهم محصورون داخل جدران بلد معين، وانما اصبح لهم امتداد على مدار الكرة الارضية، واذا ما عذبوك أو سجنوك في هذا البلد، فإن المنظمات الدولية يمكنها ان تدافع عنك في الخارج، وبالتالي فهناك شبكة كونية للدفاع عن حقوق الانسان، وحماية البيئة، وادانة الاستغلال، اصبح العالم مرتبطاً ببعضه البعض من خلال شبكة كاملة من وسائل الاتصال السريع. وفي بداية هذا القرن الحادي والعشرين اخذت الحركات الاجتماعية تتظاهر في الشارع بكثافة وتبرز قوتها وهذا ما حصل عندما نظمت مظاهرات ضخمة في «سياتل» وواشنطن ضد مؤتمر منظمة التجارة العالمية التي تمثل جبروت الرأسمالية الاميركية. والواقع ان مظاهرات سياتل لم تكن عملاً معزولاً وانما عبارة عن استراتيجية منظمة هدفها فضح المنظمات الدولية للرأسمالية العالمية: كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. ان هدف هذه المنظمات غير الحكومية هو الضغط على قادة العالم الرأسمالي من امثال بوش، وشيراك، وبيرلسكوني وسواهم لكي يغيروا من سياستهم تجاه العالم الثالث وبلدان الجنوب، وبالتالي فالساحة لم تعد حكراً على اصحاب القوة والجبروت، وانما يمكن للفقراء والمقموعين ان يسمعوا اصواتهم من خلال الحركات الاجتماعية المضادة للعولمة، وتناضل هذه الحركات من اجل الدفاع عن حقوق العمال، وحقوق الانسان، وتحبيذ التنمية والديمقراطية والعدالة في شتى انحاء العالم. ويقول المؤلفون الذين نشروا هذا الكتاب: لقد انضم الينا جميع الاكاديميين ورجال السياسة الذين يؤمنون بأهدافنا ونضالنا. فهم يعتقدون مثلنا بأن العالم يشهد حالياً ظهور قوة جديدة على مسرح التاريخ، وهذه القوة مشكلة من المنظمات الدولية غير الحكومية ومن الحركة الاجتماعية العالمية. انها قوة جديدة يحسب لها بوش وشيراك وسواهما كل الحساب فهي التي ستؤثر على السياسة العالمية وعلى معاييرها وممارساتها من خلال تبني هموم وآلام ملايين البشر الذين سحقتهم العولمة ولم تقدم لهم شيئاً حتى الآن. اما الفصل الاخير من الكتاب فقد كتبته الباحثة كاترين سيكينك استاذة العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة الاميركية، وتتركز ابحاثها حاليا على النقطة التالية: مدى تأثير القانون الدولي على السياسة المحلية لكل بلد من بلدان العالم، وبخاصة فيما يتعلق بمسألة حقوق الانسان كما انها ركزت ابحاثها على دراسة الحركات النضالية الجديدة العابرة للقوميات والقارات، وكذلك الشبكات التنظيمية التي تدافع عن حقوق المضطهدين والمنبوذين، من اهم كتبها «الافكار والمؤسسات، التنمية في البرازيل والارجنتين» ثم «المناضلون العابرون للحدود، دور الشبكات النضالية في السياسة الدولية» وفي الفصل الاخير الذي حمل العنوان التالي: «اعادة صياغة السياسة العالمية» تقول الباحثة مايلي: اذا ما ارادت الحركات الاجتماعية الجديدة ان تساهم في صياغة سياسة العالم وتوجهها في الاتجاه الصحيح فإنه ينبغي عليها ان تكون في خدمة الآخرين تماما وبدون مصالح خاصة ينبغي ألا تبحث عن السلطة او المال لاغراض شخصية كما ينبغي ألا تكون تابعة في قرارها السياسي لاي حكومة كائنة من كانت على هذا النحو تستطيع ان تكسب ثقة العدد الاكبر من الناس وتستطيع ان تضغط على مراكز القرار الدولية. لكن ما الذي نقصده بالشبكات الدفاعية العابرة للقارات او للحدود القومية؟ نقصد تلك الجمعيات والافراد الذين يرتبطون ببعضهم البعض فيما وراء الحدود القومية، انهم يشاطرون بعضهم البعض القيم نفسها، ويتبادلون نفس المعلومات والخدمات بل ويلقون خطابات متشابهة فجمعيات حقوق الانسان مثلاً اصبح لها فروع في شتى انحاء العالم، وهي تتواصل مع بعضها البعض من اجل الدفاع عن حقوق اي انسان مضطهد بسبب عقيدته أو رأيه، او لونه، او اصله وفصله وبالتالي فجمعيات حقوق الانسان تشكل شبكة كونية منتشرة في شتى انحاء العالم. وقل الامر ذاته عن بقية الشبكات او الحركات الاجتماعية المناهضة للعولمة حاليا ففيها اعضاء ينتسبون الى فرنسا، او اميركا، او روسيا، او العالم العربي، او ايطاليا الخ.. وهذا يعني ان العولمة الرأسمالية اثارت عولمة مضادة تدافع عن الفقراء او الشيوعيين والمهمشين في شتى انحاء العالم. هل يعني ذلك ان هذه الشبكات والجمعيات حلت محل الاممية الشيوعية او الاشتراكية التي نادى بها كارل ماركس؟ الى حد ما ولكن اللغة اصبحت تختلف وكذلك النهجيات والشعارات واساليب العمل ولا غرو في ذلك فالشيوعية سقطت ولم تعد تقنع احد بصيغتها الكلاسيكية ولكن يظل هناك تشابه بين كلتا الحركتين الامميتين. فمحاربة الرأسمالية والدفاع عن العمال والفلاحين وسواهم من المستغلين يظلان السمة المشتركة بين الماضي والحاضر.. بالطبع هناك مشاكل جديدة ظهرت وما كانت معروفة سابقا، كالدفاع عن البيئة مثلاً، ومحاربة التسلح النووي والدفاع عن الخصوصيات الثقافية وكذلك الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان. يضاف الى ذلك ان الاممية الجديدة لا تخضع لفكر واحد دوغمائي متحجر كما كان عليه الحال مع الاممية الشيوعية، وانما هناك عدة تيارات فكرية او ايديولوجية داخل ما ندعوه بالحركة الاجتماعية الجديدة أو الشبكات المدافعة عن البيئة وحقوق الانسان. واعضاء هذه الحركات ليسوا مجبرين على تبني الموقف نفسه حول جميع المواضيع.. وانما هناك تعددية في الآراء وتنوع في المواقف بمعنى آخر فإن هذه الحركات التي تدافع عن الحرية والديمقراطية في شتى انحاء العالم تمارس الديمقراطية على ذاتها وبين صفوفها ولولا ذلك لفقدت مصداقيتها وكانت قد اتهمت بالستالينية والتوتاليتارية. كتاب في السياسة العالمية من مواقع اولئك الذين يناضلون من اجل سياسة اكثر عدالة على المستوى الاجتماعي كي لا يبقى العالم الثالث وبلدان الجنوب «على الهامش»