بلاندين كريجل هي فيلسوفة وكاتبة، حصرت جل اهتمامها في البحث بشئون الفكر السياسي الخاص بمفاهيم الدولة عامة، ودولة القانون بشكل خاص. ساهمت ، في العديد من اللجان الوطنية الفرنسية لبحث مسائل متعلقة بتحديث الدولة والعدالة. لها العديد من المؤلفات منها: «الدولة والعبيد» و«دروب الدولة» و«الدولة والديمقراطية» و«تأملات حول العدالة».. الخ. في هذا الكتاب الجديد «دولة القانون ام امبراطورية» تدرس بلاندين كريجل اصول الدولة الحديثة وذلك من خلال عدة منظورات: المنظور التاريخي والمنظور القانوني والمنظور الفلسفي. وضمن هذا الاطار تطرح العديد من الاسئلة وتحاول الاجابة عنها، الاسئلة هي من نمط: هل أتت الدولة الحديثة من صيغة جديدة متطورة للانظمة الملكية التي عرفها عصر النهضة؟ وما هي المصادر القانونية للدولة الحديثة؟ وهل كانت تلك المصادر سابقة للثورة الصناعية ام هي نتاج لها؟ وهل يمكن الفصل بين الفلسفات التي لا ترى في الدولة سوى رديف للقوة وبين فلسفة الثورة؟ وهل هناك اية فلسفة اخرى لا تقوم على منطق القوة؟ نقطة الانطلاق في تحليلات المؤلفة من اجل تقديم بعض الاجابات عن الاسئلة المطروحة تتمثل في اعتبار ان سقوط جدار برلين قد ادى الى الاعتراف بوجود «دول قانون» حققت الانتصار في اوروبا.. ولكن بالمقابل لم يتم التأكيد على وجود «الفرق النوعي» الذي يفصل بين هذه الدول وبين الامبراطوريات.. وبالتالي لم تزل «مسألة الدولة» مطروحة للنقاش المستمر منذ فترة طويلة وضمن هذا الاطار التاريخي يتم التأكيد على اهمية المنظومة المعرفية والمستخدمة في محاولة فهم الدولة واصولها، وترى المؤلفة بأن الانكلوسكسون هم الذين دول من اقاموا دولة حديثة في انجلترا، لكنهم حرصوا منذ البداية على «تحرير المجتمع المدني» عبر تبني نظام «الادارة الذاتية» و«العدالة الذاتية» وبالتالي بنوا مجتمعا سياسياً لاتشكل الدولة، وحدها اساسه ، اما في السياق الحالي الذي يشهد تشكل كيانات تتجاوز الحدود القومية مثل الاتحاد الاوروبي يتعلق باستمرار أو بزوال الدول ـ الامم، لكن بالمقابل ومهما اختلفت النظريات والاطروحات الخاصة بالدولة فقد ثبت انه من العسير جداً على المجتمعات ان تعيش بدونها. اذ ان المجتمعات التي قامت، في آسيا وافريقيا بل وفي اوروبا، بتهميش دور الدولة ـ احياناً باسم الايديولوجيا ـ قد شهدت حروباً اهلية وعرفت حالة من الفوضى المخيفة، هكذا يبدو بأن سر الدولة لايزال قائما وهذا الكتاب يمثل في جوهره محاولة لتقديم كشف حساب حول تطور المسيرة التاريخية والقانونية والفلسفية لمفهوم الدولة في هذه الحقبة المفصلية من تطور البشرية، وحيث يعيش العالم حالة من التواصل الكوني بفضل ثورة المعلوماتية وثمراتها التكنولوجية. ان مؤلفة هذا الكتاب تميز بين نموذجين للدولة متعارضين جذريا وهما «دولة القانون» و«الدولة الاستبدادية» وهي تبتعد في تحليلاتها عن التعريفات القانونية الجامدة وترجح بالاحرى استخدام المفاهيم الفلسفية والتاريخية، وتعيد بداية ظهور دولة القانون الى عصر النهضة في اوروبا الغربية بينما استمرت في وسط القارة القديمة «أوروبا» وشرقها الانظمة الامبراطورية على اساس فلسفة سياسية مناوئة تماماً لمفاهيم دولة القانون وبهذا المعنى تمايزت النقاشات حول «الاصل السياسي» للدولة الحديثة وعما اذا كانت قد انحدرت من الامبراطورية او من الجمهورية؟ وتشير المؤلفة ضمن هذا السياق الى كتاب صدر العام الماضي تحت عنوان «امبراطورية» لمؤلفيه الاميركي ميشيل هارت والايطالي انطونيو نفري والذي يؤكدان فيه بان الدولة الحديثة تجد جذرها الاصلي في «الامبراطورية» وكما لو ان الدولة الجمهورية ودولة القانون لم توجدا ابداً، لكن فلاسفة عديديين آخرين من امثال هوبس وبينوزا يؤكدان بأنه لا يمكن اختزال الدولة الحديثة الى بعدها الامبراطوري فقط. وتؤكد المؤلفة بأنه ليس هناك اي شخص لا يوافق اليوم على القول بأن الامبراطوريات الكبرى في الحقبة القديمة مثل الامبراطورية الآشورية والامبراطورية المصرية لم تقم ببناء دولة كبرى. وتستعرض المؤلفة مختلف النظريات الخاصة بتشكيل الدولة الحديثة.. وحيث يبدو ان الدراسات التاريخية البرلمانية للقرن التاسع عشر تشير الى ان الجمهورية والامبراطورية غير متناقضتين في صميمهما وذلك على اساس ان الاولى قد ولدت من صلب الثانية ويتم التأكيد ضمن هذا الاطار على الخصوصيات الجرمانية في ايجاد نوع من التوفيق بل والدعم المتبادل بين ارث القانون الروماني الصارم وارث المدن ـ الجمهوريات اليونانية القديمة ذي الطابع التحرري. لكن بالمقابل يبدو من خلال التحليلات التي تقدمها المؤلفة حول «تاريخ الدولة في الدراسات الانجليزية والفرنسية» بان الاطروحة المركزية تتركز على القول بأن الدولة الجمهورية لم تولد من صلب الامبراطورية او معها ، وانما بالاحرى خارجها وضدها، ثم وعبر التحالفات بين السلطات الملكية وممثلي الفئات الشعبية المتنوعة تم التوصل الى انماط متمايزة من الدولة مثل الدولة التي ترتكز آلياتها الاساسية على القضاء كما في انجلترا أو الدولة الادارية في فرنسا. هذان المساران المختلفان: لاتزال آثارهما قائمة حتى الآن في الدولتين الانجليزية والفرنسية ـ حسب رأي المؤلفة التي تؤكد في جميع الحالات على اهمية «القانون الروماني» في مفاهيم «الحقوق السياسية الاوروبية» هذا الى جانب تأكيدها على قاعدة المواقف الفلسفية والتاريخية التي اتخذها اغلبية الباحثين الفرنسيين والانجليز والمختصين بأن الدولة الحديثة قد جددت كثيراً مفاهيم الحقوق السياسية بالقياس الى ما كان قائما في اطار الامبراطوريات الاوروبية المختلفة.. بل ان عدداً من هؤلاء الباحثين ركزوا دراساتهم على تقديم البراهين بأن القوانين الحديثة لا يمكن ان تتأتى من القانون الروماني القديم، وانما يحدد الواقع ومستلزمات الحياة طبيعة القوانين الجارية فـ «الدساتير تصيغ نفسها» تبعا للحقب التاريخية التي تمر الشعوب بها. وفي المحصلة تحدد المؤلفة ثلاثة مصادر للدولة الحديثة بنموذجيتها اي «دولة القانون» و«الدولة الاستبدادية» هي المصدر التاريخي الذي يتمايز في الحالتين. ذلك ان دول القانون لا تأتي عن طريق الحرب وانما عبر التأكيد على مفهوم التحكيم بواسطة القوانين التي تصاغ وشعار صياغتها، من اجل التأقلم مع مستلزمات المرحلة، والمصدر القانوني، الذي يرى بأن دولة القانون قد برزت في اوروبا الغربية «فرنسا وانجلترا وهولندا خاصة» عبر الرجوع الى الاطروحات الجمهورية القديمة ـ ما قبل الرومانية ـ وحيث لعب مشرعو عصر النهضة وفلاسفته السياسيين دوراً كبيراً في تجديد تلك الاطروحات ووضعها في اطار مفهوم السيادة، أما المصدر الثالث فيعيد الدولة الحديثة الى اصولها الاقطاعية في أوروبا. وبكل الحالات ومهما كانت مصادر الدولة الحديثة واصولها في اوروبا فإن المباديء الاساسية لهذه الدولية قد شهدت تطوراً كبيراً منذ عصر النهضة، اي منذ القرن السادس عشر وصولا في أغلبية الحالات بالنسبة لاوروبا الغربية الى اقامة دولة القانون والتي ترى المؤلفة في مفهوم السيادة الحجر الاساسي ببنيتها القانونية «الامس واليوم».. وذلك على اساس ان السيادة تتضمن في اطارها مبدأي الحق والقوة في ظل سلطة تشريعية تعمل على تحقيق افضل شروط الحياة لمواطنيها، وقد سادت في جميع البلدان الاوروبية المتقدمة انظمة تقوم على التمثيل الشعبي والحياة البرلمانية.. واذا كان هذان المبدآن قد عرفا النقاش الكثير حولهما وحول اجراء تعديلات بهما؟ إلا انه لم يطرح احد الغاءهما إلا بعد الحرب العالمية الاولى حيث تعالت اصوات التشكيك بـ «النظرية التمثيلية» وخاصة من قبل الفاشية والشيوعية اللتين كانت تسعيان لاقامة «انظمة بديلة للانظمة البرلمانية الدستورية» وسادت لدى الماركسيين اطروحة تقول بأنه لا يمكن ابدا اصلاح الدولة وذلك لان الدولة نفسها هي دائما بمثابة دولة الطبقة السائدة وبالتالي يشكل تدميرها احدى المهمات الاساسية المطروحة على الثورة في مواجهتها مع البورجوازية هذا وقد اشتركت الفاشية في ايطاليا والنازية في المانيا مع الشيوعية بتوجيه النقد العنيف لاطروحات التمثيل البرلماني. وترى المؤلفة في تحليلاتها بأن دولة القانون قد اكدت في جميع النماذج التي عرفتها منذ بداياتها وحتى آخرها في فرنسا متمثلة بالجمهورية الخامسة والتي اسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958 قد ركزت على مبدأين اساسيين في تحديد حق المواطنة وهي ضمان «الحقوق السياسية» و«الحقوق المدنية» لكن ورغم مبدأ السيادة الشعبية سيادة الشعب فإن السلطة الحقيقية ليست فقط بيد ممثليه في مختلف المجالس وانما هي موجودة ايضا بـ «يد عناصر الدولة». وفي الصفحات الاخيرة من هذا الكتاب العلاقة بين «الدولة والامة» وحيث يتم وباستمرار دستوريا التأكيد على ان مبدأ كل سيادة يكمن اساسا في الامة وحيث لا يستطيع اي فرد ان يمارس سلطة لا تكون الامة هي مصدرها كما جاء في اعلان الثورة الفرنسية عام 1789 وكما تردد باشكال مختلفة بالدساتير اللاحقة في جميع دول القانون، لكن تبقى العلاقة بين القوم والفرد متباينة حسب الامم والحقب والظروف بمقدار تباين العلاقة بين الامة والدولة. وللدولة ايضا تاريخيتها ولادة وصعوداً وانكفاء