مؤلف هذا الكتاب، جيري بروتون، هو استاذ الادب الانجليزي في جامعة لندن. وكان قد نشر سابقاً كتاباً بعنوان: «المناطق التجارية: خريطة العالم الحديث في أوائل تشكله» (1997). ثم نشر مع الباحثة ليزا جاردين كتاباً بعنوان: «مصالح عالمية: فن النهضة بين الشرق والغرب» (2000). وفي هذا الكتاب المهم يتحدث عن عصر النهضة الايطالية والأوروبية ويقول انه كان يمثل لحظة حاسمة في التاريخ العالمي. ففي تلك الفترة التقى الشرق بالغرب ثقافياً وسياسياً وعلى قدم المساواة. وينخرط المؤلف في عملية استكشافية واسعة لتلك العلاقات الخصبة والمعقدة. ويقول جيري بروتون ان اوروبا جددت نفسها بين عامي (1400 ـ 1600) عن طريق المتاجرة والتنافس مع العالم الاسلامي، والافريقي، والآسيوي المجاور لها. ان كتاب «بازار النهضة» يروي لنا قصة تلك التبادلات المكثفة التي حصلت على مستوى الافكار، والسلع والبضائع والتي صاغت وجه النهضة الاوروبية. كما انه يبين لنا كيف ان التطورات التكنولوجية والتجارية كاختراع المطبعة، والبنوك، وصناعة الخرائط الجغرافية كانت مرتبطة بشكل وثيق بالفن العظيم والادب والعلم والاكتشافات التي ميزت عصر النهضة. ان المؤلف جيري بروتون يقدم لنا صورة جديدة ومثيرة عن عصر النهضة. انه يصورها علنا على اساس انها ظاهرة شمولية، عالمية،. انتشرت في الشرق كما في افريقيا واميركا. ولكنها خلفت وراءها ميراثا اسود في العبودية، والاستعمار، والتعصب الديني الذي لا يزال يهدد العالم المعاصر. انه لكتاب مثير للاشكاليات والمراجعات، كتاب ينقض اسطورة النهضة الاوروبية باعتبارها اللحظة التأسيسية للتفوق الثقافي الغربي. بمعنى آخر فإن النهضة الاوروبية ليست قطيعة مطلقة مع الماضي كما حاول ان يدهمنا الغرب المتغطرس والمستعمر. وانما هي نتيجة التفاعل الاسلامي الذي كان متفوقا على اوروبا في الماضي والذي استفادت اوروبا كثيراً من علومه وفلسفته من اجل ان تبني نهضتها المقبلة. وبالتالي فإن الاستعماريين الذين ينكرون اي فضل للاسلام والثقافة العربية في تشكيل نهضة اوروبا يتجاهلون الحقيقة التاريخية بكل بساطة. ثم يقول المؤلف مردفاً: اذا كانت هناك لحظة يتفق عليها معظم المؤرخين بأنها بداية تشكيل الحضارة الاوروبية الحديثة فإنها حتما تلك الفترة الواقعة بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر. ولكن نادراً ان يتحدث احد عن تأثير الفكر العربي ـ الاسلامي على هذه الفترة الحاسمة. فمعظم مثقفي اوروبا يهملون هذا التأثير بل ويقولون انه لا علاقة لهم بذلك العالم العربي الذي يعتبرونه متخلفا وغير حضاري! ولكن البحوث المعمقة والكبرى التي حصلت مؤخراً كشفت عن زيف هذه النظرة المرسخة منذ عدة قرون. وبالتالي فقد آن الاوان لكي نفهم دور العرب والمسلمين الايجابي في حصول النهضة الاوروبية. آن الأوان لكي تعود الامور الى نصابها. يقول المؤلف: لقد دعوت الكتاب ببازار النهضة لأن البازار الشرقي لعب فيها دوراً كبيراً. فقد راحت اوروبا في تلك الفترة تتعامل تجارياً مع مدن شرقية عربية وغنية في تركيا وايران ومصر المملوكية. وقد تدفقت على مدن ايطاليا كميات هائلة من الحرير الشرقي والبهارات والسجاد الفارسي والخزف الصيني، الخ. كما ونقلت الى اوروبا في ذات الفترة او قبلها علوم العرب فيما يخص الفلك والطب والزراعة والهندسة.. وقد اثرت الفلسفة العربية الاسلامية على مفكري النهضة الاوروبية الكبار من امثال ليوناردو دافنشي، وكوبر نيكوس، وفيزاليوس، ومونتيني. ويكفي ان نذكر هنا اسماء ابن رشد، او ابن سينا، أو الغزالي، أو سواهم لكي ندرك ذلك. في الواقع انه ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر فإن العلاقات التجارية والتبادلات الفكرية قد ازدادت بين المسلمين والمسيحيين على الرغم من الخصومة التي كانت قائمة آنذاك. وفي نهاية القرن الثالث عشر تقريباً قام التاجر الايطالي ماركو بولو برحلة تتجاوز الشرق الأدنى ووصل الى الصين لمعرفة مدى الامكانيات التجارية هناك. والاطروحة الاساسية لهذا الكتاب تقول ما يلي: عندما نفهم مدى تأثير الثقافات الشرقية على أوروبا ما بين عامي 1400 ـ 1600 فإن الصورة التقليدية السائدة عن النهضة الاوروبية والمعلمة في كل مدارس اوروبا سوف تتغير. ولكن هناك بالطبع عوامل اخرى اثرت على اوروبا وادت الى نهضتها. نذكر من بينها اختراع المطبعة في ألمانيا في منتصف القرن الخامس عشر، ثم اندلاع حركة الاصلاح الديني على يد لوثر في بداية القرن السادس عشر. على الرغم من ذلك يمكن القول ان التطورات التي حصلت في اوروبا الشمالية كانت معادية لازدهار الفنون والفلسفة والثقافة السياسية في اوروبا الجنوبية وبالأخص في ايطاليا. والسبب هو ان الاصلاح الديني اللوثري كان يعتمد على تجديد الايمان الداخلي بشكل اساسي ولا يعبأ كثيرا بالتطورات العلمية. يضاف الى ذلك ان الرحلات الاستكشافية التي قام بها الاسبانيون والبرتغاليون بشكل مشترك ولدت ثقافات جديدة مختلفة عما كان يحصل في ألمانيا وايطاليا. وبالتالي فهناك عدة نهضات لا نهضة واحدة، وكل نهضة مرتبطة بالاقليم أو المنطقة التي حصلت فيها ثم يتناول الكتاب مسألة النزعة الانسانية التي اشتهرت بها اوروبا في عصر النهضة كما يقال. ويحاول المؤلف ان يدرس الصراعات السياسية والدينية التي حصلت آنذاك. ثم يدرس التطورات التي حصلت في مجال الفنون الجميلة وفن العمارة والتي اشتهرت بها ايطاليا. لكن ماذا يعني مفهوم النزعة الانسانية؟ انه يعني تلك الحركة الادبية والفكرية التي ظهرت في القرنين الرابع عشر والخامس عشر والتي دفعت الاوروبيين الى دراسة النصوص اليونانية ـ الرومانية القديمة واكتشافها من جديد. وهكذا راحوا يدرسون الفلسفة اليونانية والآداب الرومانية من خلال التعمق في فقه اللغة وعلم التاريخ. وعندئذ اكتشف الاوروبيون فلسفة افلاطون وارسطو، ونصوص هوميروس وفيرجيل، واشياء اخرى كثيرة. وادى ذلك الى تجديد الآداب الاوروبية. ثم ينبغي الا ننسى الاكتشافات الجغرافية التي حصلت في عصر النهضة. فمن المعروف ان أميركا أو العالم الجديد كان قد اكتشف في تلك الفترة من قبل كريستوف كولومبوس (1492). وهذه الاكتشافات غيرت من نظرة اوروبا لنفسها وللعالم. عندئذ عرفت اوروبا ان العالم اوسع مما كانت تتصوره. ثم جاء ماجيلان بعده وأكمل الاكتشافات عام 1522. وهكذا راحت حدود العالم تتسع شيئاً فشيئاً. واخذت اوروبا تدرك موقعها بشكل افضل داخل هذا العالم الواسع اكثر مما كانت تتصور. ولكن تحصل اليوم خلافات بين المؤرخين حول مفهوم عصر النهضة. فالبعض يعتبر ان عطاءها الاساسي كان في القرن الخامس عشر، والبعض الآخر يفضل القرن السادس عشر. ثم هناك سؤال آخر يطرح نفسه: هل يمكن فصل عصر النهضة عن العصور الوسطى التي سبقته مباشرة؟ هل يمكن فصله عن عصر الحداثة الذي لحق به؟ وهل اخترعوا مصطلح عصر النهضة لكي يثبتوا تفوق الثقافة الاوروبية على الثقافة العربية الاسلامية وبقية الثقافات الاخرى؟ هذه الاسئلة لم تكن مطروحة سابقاً، ولكنها اصبحت تطرح نفسها الآن بكل إلحاح. لكي نشبع الموضوع بحثاً ينبغي ان نعرف كيف ظهر المصطلح ذاته (Renaissance) المفهوم الايطالي للمصطلح كان يعني انعاش الثقافة الكلاسيكية، أي ثقافة اليونان والرومان التي احتقرت وأهملت من قبل العصور الوسطى المسيحية بحجة انها وثنية. ولكن اللغة الفرنسية لم تستخدم المصطلح الا بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر. وأول مفكر فرنسي استخدمه كان المؤرخ الشهير جول ميشليه. وهو قومي فرنسي مرتبط كثيراً بقيم الثورة الفرنسية الخاصة بالحرية والمساواة والاخاء. وبين عامي 1833 ـ 1862 كان مشغولاً جداً بكتابة تاريخ فرنسا في عدة اجزاء. وكان عنيفاً في ادانته للطبقة الارستقراطية والكنيسة الكاثوليكية. ثم كتب عام 1855 الجزء الخاص بعصر النهضة وقال في تعريفها ما يلي: انها تعني اكتشاف العالم واكتشاف الانسان. لقد حصلت في القرن السادس عشر. فمن كريستوف كولومبوس الى كوبر نيكوس، ومن كوبر نيكوس الى غاليليو ثم اكتشاف الارض والسماء.. وعندئذ راح الانسان يؤسس نفسه من جديد ويثق بإمكانياته وعبقريته. ويرى ميشليه ان اكتشافات كوبر نيكوس وكريستوف كولومبوس وغاليليو كانت متداخلة مع الاكتشافات الفلسفية التي حصلت في نفس الفترة على يد رابليه، مونتي، شكسبير. ثم قال ان عصر النهضة يتناقض كلياً مع عصر الظلمات: اي القرون الوسطى اللاهوتية المسيحية. وبالنسبة له كانت النهضة حركة تقدمية وديمقراطية تحتفل بقيم جديدة كانت مهملة طيلة العصور الوسطى. ونقصد بها قيم العقل، والحقيقة، والفن، والجمال. وبالتالي فإن عصر النهضة يعني بداية العصور الحديثة. كان ميشليه أول مفكر يعتبر عصر النهضة بمثابة مرحلة تاريخية حاسمة في الثقافة الاوروبية، كما ويمثل قطيعة كاملة مع العصور الوسطى. وكذلك فقد أسس هذا العصر فهماً حديثاً للبشرية ومكانتها في العالم. ولا يزال فهم ميشليه لعصر النهضة مسيطراً على مدارس اوروبا وجامعاتها حتى الآن. ولكن تحديده لتاريخ حصولها او مكانه يختلف عن تحديد الآخرين. فهو لا يعتبر ان النهضة حصلت في ايطاليا بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر وانما في فرنسا القرن السادس عشر. والواقع ان حبه لفرنسا أو نزعته القومية العارمة هي التي دفعته الى ذلك. وبالتالي فإن شوفينية ميشليه اعمته عن رؤية الحقيقة الواضحة للجميع. في الواقع ان تحديد ميشليه للنهضة ينسجم مع حبه الكبير للثورة الفرنسية التي مجدت ايضا قيم العقل، والحرية، والديمقراطية والتي رفضت طغيان الكنيسة والنظام السياسي القديم المرتبط بها عضوياً. باختصار لقد رأى في عصر النهضة صورة اخرى عن الثورة الفرنسية التي كانت قد وصلت الى مأزق في وقته. وبالتالي فقد عوض عن هذا المأزق من خلال تمجيد عصر النهضة. يحصل ذلك كما لو انه رأى فيها عزاء لنفسه من الاضطرابات او الانتكاسات التي كانت تحصل في وقته. لننتقل الآن الى سويسرا ومفكرها الشهير جاكوب بوركهارت الذي قدم ايضا صورة معينة عن عصر النهضة الاوروبية. وهي صورة اثرت على الاجيال التالية حتى الآن. وبلور عن عصر النهضة صورة نهائية قائلا انه ظاهرة ايطالية اساسا، وقد حصلت في معظمها في القرن الخامس عشر. في عام 1860 نشر بوركهارت كتابه المعروف «حضارة النهضة في ايطاليا». وكانت اطروحته فيه تقول ان النزعة الفردية الحديثة تشكلت في ذلك العصر بدءاً من نهاية القرن الرابع عشر وحتى نهاية القرن الخامس عشر. فعندئذ تم انعاش أو بعث الآداب الكلاسيكية اليونانية ـ الرومانية القديمة، وتم اكتشاف العالم الواسع وبخاصة أميركا. كما وحصل تجديد ديني أو تحريري ديني. وكل ذلك كان يعني ان الانسان اصبح كائناً فردياً روحانياً له استقلاليته الخاصة وليس فقط مرتبطاً بالطائفة او الجماعة التي تتجاوزه. وهذا ما يفرق عصر النهضة عن العصور الوسطى. فطيلة العصور الوسطى لم يكن الانسان يشعر بنفسه الا كجزء من عنصر، أو شعب، أو مذهب، أو عائلة. لم يشعر انه موجود لنفسه وبنفسه. بدءاً من عصر النهضة اخذ هذا الشعور يتبلور ويتشكل. ويرى بوركهارت ان القرن الخامس عشر في ايطاليا هو الذي شهد نهضة الانسان، وولادة اوروبا الحديثة. وبالتالي فإن آباء النهضة هم: دانتي، وبيترارك، والبيرتي، وليوناردو دافنشي، الخ. كتاب يعيد قراءة التاريخ الأوروبي وخاصة عن «الصفحات» المتعلقة بـ «عصر النهضة» وما خلفه من آثار، وليس على «القارة القديمة» وحدها وانما على صعيد البشرية كلها