على مدى نصف قرن ظلت اعمال الروائي الاميركي «نورمان ميلر» ومقابلاته وتحقيقاته الصحفية تنتقد بحدة وتحتوى بحب المجتمع الاميركي، ومؤخرا تسلم ميلر جائزة «لندن أوارد 2002 اوف ذي اورانج ورد سيزون» وفي اعقاب تسلمه الجائزة اجرت معه صحيفة اندبندنت البريطانية هذا الحوار: في سنة 1948 يذكر نورمان ميلر انه كان يعيش بنفس الظروف التي كان يعيش فيها الكاتب المسرحي الشهير «آرثر ميلر» في شقة صغيرة باحد احياء بروكلين. وكان آرثر يكتب في ذلك الوقت مسرحيته الشهيرة «موت بائع متجول» وكان هو يكتب رواية «الميت والعاري» عموما فان ادب ميلر هو في الواقع رياضة تنافسية بالنسبة لقارئه. عندما انتهى نورمان ميلر من كتابة روايته الثالثة «مفكرة الغزلان» ارسل الى الروائي الاميركي ارنست همنجواي يطلب منه ان يكتب تعريفا للقراء بعمله وكان ذلك يبدو كنوع من التحدي بالنسبة له «اذا كنت سترد علي بنفس الاسلوب القذر الذي تستخدمه للرد على اسئلة الكتاب غير المحترفين والمتملقين والمنافقين الوصوليين، وغيرهم فتبا لك» وبعدها مضى في كتابة الرواية وكتب اعمالا هي من روائع الادب الاميركي المعاصر. للتحدث عن الفشل الذي صادفته روايتا نورمان ميلر الثانية والثالثة «شاطيء البرابرة» و«منتزه الغزلان» فان النجاح الذي حققته رواية «الميت والعاري» كان كافيا لعدم تركيز النقاد الضوء على تلك الاعمال على نحو يقلل من كفاءته كروائي محترف لكن ميلر على الرغم من قدرته على الافلات من هذا الفشل ظل يشق طريقه الى النجاح كاحد اهم كتاب ومثقفي اميركا على نحو ملتو تميزت به اعماله وحياته في مرحلة الستينيات وكأنما هو يعيد اكتشاف نفسه وبالتأكيد فان ما فعله ميلر لم يزد على كونه شاهدا رئيسيا على مرحلة تاريخية مفعمة بالاضطرابات والجنون السياسي بدءا بالاعتقالات وصعود نجوم البوب الى سدة الرئاسة واحداث الحرق والعنف التي شهدتها المدن الاميركية والحروب التي دشنتها اميركا خارج حدودها الى مركبات الفضاء القادرة على الانطلاق خارج الغلاف الارضي. في هذه المرحلة نظر ميلر الى نوع آخر من القوة فأسرع الى السياسة والى ترشيح نفسه في الانتخابات وكان برنامجه السياسي كما يتذكر هو ضم ولاية نيويورك التي رشح نفسه لتولي منصب العمدة فيها لتصبح الولاية الحادية والخمسين ولم يخف على الآخرين شعاره السياسي الشهير في ذلك الوقت «كنت سأنام قرير العين لو أن نورمان ميلر كان هو العمدة» غير ان السياسة لم تكن قادرة على منحه شيئا على الاطلاق. وبالمقارنة فانها لم تكن في ذلك العقد (الستينيات) قادرة على احداث تغيير حقيقي للمجتمع الاميركي. اعمال ميلر على الرغم من تراجع صورتها في مرحلة الستينيات الا ان ما يمكن ان يقال عنها هو انه كروائي لا كسياسي كان قد اعاد ولادة نفسه في مرحلة السبعينيات من خلال اعمال هامة كرواية «اغنية الاعدام» و«شبح هارلوت» وفي مرحلة لاحقة من الثمانينيات والتسعينيات جاءت اعمال يصفها النقاد بأنها الاعمال المثيرة الاكثر جرأة احدها تقع احداثه في مصر «امسيات قديمة» والثانية هي قصة المسيح «الانجيل حسبما رواه الابن»، وعن هذه الاخيرة يقول ميلر معقبا هذه الرواية هي اعظم قصة رويت الى الآن لكنها كانت قد حكيت بطريقة سيئة ولهذا فقد قررت اعادة روايتها وهذه الرواية تبعتها «شبح هارلوت» وهي عمل يناقش من خلاله ما يسميه ثقافة وكالة المخابرات الاميركية المركزية كثافة اولى مميزة لتاريخ اميركا القرن العشرين. في سنة 1998 صدرت لميلر المجموعة الكاملة من اعماله بعنوان «اوان زماننا» وهو عمل مؤلف من 1300 صفحة. عندما يعود بذاكرته الى الوراء يذكر ميلر ان مجموعة الاعمال التي يحتويها كتابه الاخير «أوان زماننا» كانت قد كتبت في الستينيات في المرحلة التي عرف من خلالها الثقافة بنفسها لكن هل حدث ذلك بالفعل هذا ما يجيب عنه بالنفي «لا لكنك لا تتوقف» ومن جانبه فان آرثر ميلر يعترف بأنه قد فقد تواصله مع اميركا، وان روايتي «امسيات قديمة» و«الانجيل حسب رواية الابن» لم تكونا سوى مراوغة او تملص من واقعه المعاش.. «لنقل فقط انني لم اكن اعرف بما يجري او ماهو الخلل بالنسبة لما كان يجرى والواقع انه لم يكن لدي ما اقوله عن اميركا. حسبما هو متوفر لدينا من معطيات فان نورمان ميلر يعرف الآن الكثير ربما بعد لعبة الانتخابات الاميركية الاخيرة التي كشفت خلالها المؤامرة عن رأسها «بلغة العنف تقول الانتخابات الاخيرة ان الليبراليين قد هزموا، اما الجمهوريون فان رصيدهم هو 125 عاما من لعبة الفوز بقذارة، وهكذا فقد وجهت الى الديمقراطية ضربة عنيفة في فلوريدا والشعور الوحيد الذي يراودني الآن هو ان نظام العالم بأكمله صار يعمل لصالح اليمين واذا كانت هناك مؤامرة فان هذه المؤامرة هي مؤامرة اليمين للافلات من الرأي العام الذي يرى انهم حزب كبار الاثرياء. ومنذ 11 سبتمبر والى الآن فان الاميركيين يتعرضون لمؤامرة اخرى تمنحهم الفرصة للتأمل فقد ألقى بظلاله الثقيلة على تاريخنا واحدث فيه تغيرا هاما ولسنا نعرف ماهي العواقب المترتبة على ذلك. هناك ردة الى اليمين ولو سألت نفسك ما الذي كان سيفعله آل جور مثلا؟ لاشك انه سيكون الافضل لانه لن يكرر كلمة «الشر» 15 مرة خلال 10 دقائق فقط، بوش كالعادة رائع في طرح الاسئلة التي لاتحتاج للاجابة عنها الى اكثر من 10 ثوان وبعد مرور هذا الوقت سيفقد الامل في كل شيء. «ان كلمة الشر ليست هي الكلمة الممتعة بالنسبة لميلر لا لانها تنهي كل شيء بما في ذلك الحوار، وانما لانه يشكك في ان الصفات الاخلاقية هي شيء موزع تقريبا بين اميركا وبين الاسلام. فيها تقوم اميركا بتشكيلها كلما تعلق الامر بالصلاح لقد كان عملا فظيعا وكريها الى ابعد الحدود قضى على حياة اناس لهم الحق في اختيار اللحظة التي يريدون ان يموتوا فيها دون انذار بذلك»، وميلر يرفض اساسا ما يرى انه شبيه بالحماس الوطني «يوجهون الي اتهاما بالغرور ومع ذلك فان غروري لا يعادل شيئا بالنسبة للغرور الذي يشعر به الاميركيون تجاه اميركا نحن نحتاج الى شيء كاعادة تثبيت طبيعتنا الانسانية في كل ست ثوان من الزمن نحن بحاجة الى الاستمرار في التأكيد لانفسنا بأننا امة عظيمة لان جزءا منا لايصدق هذا الشيء. اميركا هي بلدي كما هي بلد اي انسان آخر، والمرء لايجرؤ على الاساءة الى الآخرين او على شيء كالتلويح بعلم اميركي صغير لكي يعبر عن حبه لبلاده واذا كنت تحب هذه البلاد فمن واجبك ان تكون ناقدا لها. بالنسبة لميلر يبدو المواطن البريطاني اكثر شعورا بالاطمئنان في ظل التعبير عن حبه لوطنه والمسألة تبدو اكثر شبها بالمفارقة «هناك انت تعرف من تكون لكن الاميركيين اقل شعورا بالامان فيما يتعلق بهويتهم الوطنية» انهم يحتاجون التأكيد عليها.. التأكيد عليها التأكيد عليها، انك لا تحضر مباراة لكرة القدم الا وتسمع هؤلاء البائسين يرددون شعارات مثل «بارك الله في رجالنا المحاربين في افغانستان». قبل سبع سنوات من الآن صدرت لميلر رواية «شبح هارلوت» آخر اعماله الروائية التي كتب في نهايتها «انتظروا الجزء الثاني» والى الآن فان قراءة يتلهفون الى صوره. يقول ميلر كنت استعد لكتابة هذا الجزء من الرواية عندما فاجأتني فكرة اخرى فغادرتها الى فكرة اخرى تشغلني الآن وتختلف عنها تماما هذا العمل سيتألف في ثلاثة او اربعة اجزاء استعد لاصدار الجزء الاول منه السنة القادمة. ماهي وظيفة العمل الروائي؟ يقول ميلر «عندما تكتب رواية فانك تقتفي اثر مظهر فني بارع من مظاهر الحياة تريد ان تكثفه على نحو تقول من خلاله «اجل هذا هو الموضوع الذي تدور حوله قصة الحياة ومع ذلك فان الحبكة هي العدو الاول للعمل الروائي الجيد، وانا شخصيا اميل الى الحبكة التي لاتقدم حلا فالحياة تسير على هذا النحو». مريم جمعة فرج