«نورمان ميلر» روائي أميركي استطاع ان يبتكر شكلاً روائياً قصصياً يجمع ما بين تقنية الرواية وتقنية العمل الموضوعي غير المتعلق بالقص كما استطاع من خلال اعماله الروائية وغير الروائية، أن ينتقد على نحو راديكالي ما يسميه الديكتاتورية المتأصلة في هيكل السلطة ذي الطابع المركزي في أميركا القرن العشرين. يقول أحد نقاده ان ميلر ما زال يكتب بعد نصف قرن من مزاولته الكتابة وما زال يطرح السؤال تلو الآخر بعد خمسين عاماً من نشره رواية «الميت والعاري» التي أوصلته إلى الشهرة والتي طرح فيها أسئلته حول الوجود العسكري الأميركي في الخارج (جنوب المحيط الهادي). في روايته هذه يتحدث عن تجربته الحقيقية خلال الحرب العالمية الثانية عبر رواية غير حقيقية لمعركة تقع في المحيط الهادي تتجسد فيها وحشية الحرب الحديثة وبطلها شاب في الخامسة والعشرين مثير للاعجاب تتسبب في فشله أمور لا تعود إلى عدم قدرته بقدر ما تعود إلى قدرته الحقيقية على الوصول، وهي رواية طويلة جداً شديدة الواقعية وكأن أبطالها رجال حقيقيون، يروون شيئاً من خيبة الأمل والشعور بالمرارة ولا تكاد تعرف من خلالهم ما إذا كانوا هم الذين يكرهون الحرب أم نورمان ميلر. وما يمكن ان يقال عن رواية ميللر الثانية «شاطئ البرابرة» 1951 هو انها وعلى العكس من روايته الأولى تماماً لم تكن عملاً فاشلاً بكل المقاييس وإنما عملاً لم يرد مؤلفه من ورائه سوى التعبير عن سخطه على الأوضاع السياسية في ذلك الوقت، أما موضوعها الرئيسي فيجسد قصة الصراع الدامي المحتدم بين أحد البلشفيين السابقين مستعد للتنازل عن حلمه بالشيوعية وعميل سابق في وكالة المخابرات الأميركية مستعد للتنازل عن كل شيء، لكن سقوط هذا العمل الروائي كان يعود بالدرجة الأولى إلى ترهله كبناء روائي ابداعي في مقابل تنظيراته السياسية والأخلاقية والشيء ذاته كان قد تكرر في روايته الثالثة «منتزه الغزلان» 1955 التي ظل يعيش في أعقابها أزمة حقيقية تتعلق بمستقبل الرواية لديه. بالاضافة الى ان رواية «جيوش الليل» كانت قد منحته شيئاً من الثقة التي كان يفتقدها في مرحلة الستينيات كلها تقريبا، إلا ان هذا العمل الذي جاء بعد كتابته أعمالاً قصصية جيدة منها «الحلم الأميركي» ظل يؤرخ لعمل استثنائي تمكن ميلر من خلاله من رصد ابعاد الفوضى السياسية في أميركا بتسليطه الضوء على مظاهرة الاحتجاج غير المسبوقة في تاريخها التي توجه فيها آلاف الأميركيين إلى البنتاجون واشتبكوا مع الجيش واعتقلت اعداد كبيرة منهم ومنهم ميلر نفسه مؤلف هذه الملحمة الحديثة في تاريخ أميركا. روايات «ميامي وحصار شيكاغو» و«حريق على سطح القمر» و«أغنية الاعدام» هي بمثابة الأعمال التي استطاع ميلر ان يوثق من خلالها بعض الاحداث السياسية والاجتماعية المهمة كمعاهدات الديمقراطيين والجمهوريين وأول هبوط للانسان على سطح القمر، واحداث العنف والجريمة في المجتمع الأميركي وتاريخ اجيال من العاملين في وكالة المخابرات الأميركية المركزية