عندما تأخذ القارات في الانفصال عن بعضها، فإنها عادة ما تتحرك بشكل بطيء للغاية لا يشعر به أحد، ولكن منذ ان تولى الرئيس الأميركي جورج بوش مقاليد الحكم في بلاده، اتسع المحيط الاطلسي بدرجة ملحوظة، ففي الفترة التي سبقت وصول بوش الى سدة الحكم، كانت النزاعات بين اوروبا والولايات المتحدة الاميركية عادة تمر كخلافات بسيطة اكثر منها خلافات محسوسة يشعر بها الجميع أما الذي يحدث الآن، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقة مع الشرق الأوسط فهو خلاف جوهري في المعالجة سيكون من الصعب تجاهله او حله. ولنبدأ الأمر من الجانب الشرقي مع شيرارد كوبر كولز، احد خريجي جامعة اكسفورد الذي قضى 25 عاماً في السلك الدبلوماسي البريطاني ويشغل حالياً منصب سفير بريطانيا لدى اسرائيل. فمنذ فترة وجيزة وبشكل لم تنتبه اليه وسائل الاعلام، القى كولز محاضرة في جامعة تل ابيب كان عنوانها «اسرائيل والفلسطينيون من منظور اوروبي». ومن واقع دراسته للأدب والتاريخ في اكسفورد، جاء حديث السفير مليئاً بالاشارات والاقتباسات للمؤرخ اليوناني ثيوسيديدس والحرب المدمرة بين اثينا واسبارطة. ومن واقع مركزه الدبلوماسي، جاء حديث السفير ايضاً مفعماً بتعبيرات الود لاسرائيل وفي الوقت نفسه ادلى ببعض الحقائق عن الوضع في اسرائيل بطريقة واسلوب رقيقين مثلما يحدث عندما يتكلم احدهم عن الصفات السيئة لأقرب اصدقائه. ومن دون ان يذكر السيطرة العسكرية المتنامية والدائمة لاسرائيل على الاراضي الفلسطينية او التطرق الى السور الحديدي الذي تقوم اسرائيل حالياً ببنائه، قال السيد كولز: «يجب ان يكون الامر واضحاً لكل اسرائيلي بأنه مهما كانت الاجراءات التي تختار اسرائيل ان تنفذها على المدى القصير فإنه لا ينبغي ان يظل اكثر من ثلاثة ملايين رجل وامرأة وطفل فلسطيني للأبد محاصرين بالقوة العسكرية داخل سلسلة من المناطق الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة». وانتقل كولز في حديثه الى قضية الاصلاح الفلسطيني ولكنه تجاهل الدعوات الصارمة التي اطلقتها اسرائيل واميركا لخلع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وفي الوقت نفسه ايد القيام بهذا الاصلاح ولكن بشكل جاء مفاجئاً لم ينل ترحيباً اسرائيلياً، حيث قال: «من وجهة نظري الشخصية، لا يقل المطلوب عن وجود دولي واسع ودائم تقوده الولايات المتحدة حيث يقوم هذا الوجود الدولي بمراقبة ودعم الاصلاح اولاً، ثم تطوير الجهاز السياسي والاقتصادي والامني الفلسطيني». وواصل السفير حديثه قائلاً: «بالتأكيد لا يمكن ان يكون هناك انتقاد كبير لمثل هذا التدخل الدولي السلمي ذي النوايا الحميدة والذي يهدف الى مساعدة الفلسطينيين على بناء دولة يستحقونها، ويعطى الاسرائيليين ثقة يحتاجونها لانهاء الاحتلال والاستيطان». وتعارض اسرائيل بالطبع منذ فترة طويلة اي فكرة حول تدخل دولي، واذا لم تكن تصريحات السفير في هذا الشأن قد أدت الى اثارة لفظ مسموع بين الحضور، فانها بالتأكيد وعلى الأقل تسببت في شعورهم بعدم الراحة وهم على مقاعدهم اثناء سماعها. وفي نهاية حديثه انتقد كولز بشدة هؤلاء الذي ينشرون ما وصفه «وباء القلق والعزلة» حيث قال: «معرفة العدو تعتبر جزءا واحدا فقط من القضية». اما اقناع نفسك عن طريق تفصيلات بحثية معقدة انه معاد للسامية او ارهابي فهو امر يعتبر بالنسبة لي غير ذي فائدة كبيرة، ففي الحقيقة، الامر يمكن ان يكون أسوأ من ذلك؟ ان التطبيق الصارم لمبدأ نفي الوسط الذي يفيد بأن الذين ليسوا بالكامل معنا فهم علينا، يمكن ان يكون أمرا مدمرا بشدة لأي مناقشة عقلانية. عليك بتصديق افضل الاطراف وسوف تحصل على الخير منهم، ولكن اذا صدقت أسوأهم فانك لن تحصد الا المشكلات. وقد اكد السفير ان هذه التصريحات عبارة عن آراء شخصية وانها ليست وجهة نظر الحكومة البريطانية، ولكن حديثه جاء بشكل كبير ليلخص وجهة النظر الأوروبية تجاه العلاقات الدولية المتمثلة في الآتي: جامل الاخرين «حتى ولو كنت تمقتهم» وابرز وجهات النظر المشتركة بدلا من نقاط الخلاف، وقلل المخاطر، واذا كان عليك ان تدفع القارب فادفعه بلطف. لكن على الجانب الآخر من الاطلسي، لا احد يرتضي أيا من وجهات النظر تلك في هذه الايام، حيث ينظر اليها على انها تنم عن الضعف وعدم الفعالية وقلة الحيلة وانها تقليد قديم عفى عليه الزمن. وعلى غرار كولز، يعلن فيكتور ديفيز هانسون بعض الشيء عن المؤرخ توسيديس، فهو استاذ ادب في جامعة ولاية كاليفورنيا، ولكن هذا الامر هو نقطة التشابه الوحيدة بينه وبين السيد كولز. فمجال خبرة البروفيسور هانسون هو الحرب القديمة، وهو المجال الذي بنى من خلاله نظرية التفوق الغريب مدعيا ان قيما ثقافية معينة، مثل الديمقراطية والاسواق الحرة، وحكم القانون الخ، تجلب النجاح على ارض المعركة. وقد شرح هانسون هذه الافكار في كتاب اطلق عليه اسم «المذبحة والثقافة»، حيث شق هذا الكتاب طريقه بنجاح في الولايات المتحدة ونال اعجاب نيوت جنجريتش الرئيس السابق لمجلس الشيوخ الأميركي وزعيم اليمين الجديد اذ اشاد به على موقع امازون للكتب على الانترنت حيث يقوم عادة بكتابة مراجعات نقدية لبعض الكتب الجديدة. يمتلك هانسون مزرعة فاكهة مساحتها 60 فدانا في كاليفورنيا ويكتب مقالات نقدية في الصحافة الأميركية، منها عمود منتظم في مجلة «ناشنال ريفيو». وفي احد اعمدته الاخيرة انتقد هانسون بشدة كتاب ادوار سعيد الشهير «الاستشراق» واصفا اياه بأنه ساذج وسطحي. ويقول هانسون «ان المشكلة الحقيقية ليست سوء فهم الغرب للعالم العربي ولكن المشكلة هي الاستغراب» وهي المفهوم الذي يعرفه بأنه «رغبة العرب في المنتجات الغربية» التي لا يستطيعون فهمها او يمقتونها بشكل اعمى وعن جهل». ويقوم هانسون بتعضيد رأيه هذا بعدد من الأمثلة التي يفترض هو انها ليست ساذجة او سطحية. يقول هانسون ساردا احد هذه الامثلة: «العرب يشترون اجهزة مصنعة في الصين او اليابان عن طريق افكار غربية بدلا من ان ينتجوها بكميات كبيرة او تحسين نوعيتها في دمشق أو تطوير تصميماتها في بغداد، كما ان العرب يجرون عمليات القلب المفتوح في أميركا بدلا من القاهرة وعمان ويشترون من أميركا بدلا من صيدليات اليمن». وجاءت احدث مقالاته في مجلة «كوفنتاري» لتأخذ شكلا من اشكال الهجوم على المملكة العربية السعودية، حيث يقول: «بعد مقتل 3000 أميركي والتهديدات بالجمرة الخبيثة والهجمات الانتحارية، يرى الاميركيون الاسلام الآن ليس كدين مختلف او متطرف وحسب ولكن كتهديد لوجودهم، والمملكة العربية السعودية هي منبت هذه الظاهرة المرعبة، فقد غذت اموالها هذه الظاهرة، ونشرها مواطنوها اما سكانها فاما انهم يروق لهم تأثير هذه الظاهرة على العالم او انهم غير مبالين بها على الاطلاق». وبينما تبدو كثير من شكاوى البروفيسور هانسون الاخرى من السعودية واضحة، فان الحل الذي يقدمه بعيد كل البعد عن الوضوح. يقول هانسون ينبغي للولايات المتحدة ان تزعزع استقرار كل منطقة الشرق الاوسط من أجل تمهيد الطريق الى ثورة تشبه تلك التي حدثت في الاتحاد السوفييتي السابق. ويقول في هذا الشأن: «فقط عن طريق العمل على اثارة حالة من عدم التوازن، وان لم يكن احداث فوضى عارمة، يمكن ان تتاح لنا الفرصة لتخليص العالم من أمثال ابن لادن وياسر عرفات وصدام حسين». وفيما يمكن اعتبار تلك الاراء شطحات لاكاديمي بارع مشوش الرأي الا ان البروفيسور هانسون ليس بأي حال من الاحوال وحده الذي يتبنى هذه الاراء. فحلوله لقضية الشرق الاوسط ليست باقتراح بقدر ما هي وصف للاتجاه الذي يبدو ان الولايات المتحدة تسلكه حاليا. فالعراق اصبح هدفا معلنا وأوضح الرئيس بوش من خلال أحاديثه ان سوريا وايران ايضا من ضمن أهدافه. وفي الوقت نفسه يبذل الاسرائيليون قصارى جهدهم لاستعداء اميركا على السعودية. هناك عدة أسباب تفسر حدوث هذا الامر احدها هو ان ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي، بعد ان اكتسب تأييدا لفكرته التي تفيد بأنه لن يكون هناك سلام من دون اعادة صياغة الوضع الفلسطيني بشكل يروق له، بدأ يوسع فكرته لتضم بقية الدول في منطقة الشرق الاوسط. اذ يقول شارون ان «الارهاب» الفلسطيني تموله وتشجعه كل من سوريا والسعودية وايران والعراق وآخرون، لذا فان هذه الدول يجب ان تتغير هي الاخرى. السبب الثاني هو ان كلاً من اسرائيل واميركا تصممان على التطبيق الصارم لمبدأ نفي الوسط وهو الأمر الذي حذر منه بالضبط السفير البريطاني. فهؤلاء الذين لا يلتزمون بالكامل وبشكل غير متحفظ بالحرب ضد «الارهاب» يعتبرون متآمرين مع «الارهابيين». وهؤلاء الذين لا يوافقون على سياسات أرييل شارون يتهمون بأنهم ضد الاسرائيليين أو حتى ضد السامية. والأسوأ من ذلك، فإنه في ضوء تطبيق قانون نفي الوسط، فإن المواقف أصبحت أكثر استقطاباً والمشكلات أكثر ضخامة وتتطلب قدراً كبير من الحلول الجذرية. أما العامل الثالث والأكثر أهمية فهو ان ايجاد حالة من الغليان بشكل متعمد في منطقة الشرق الأوسط يصرف الاهتمام عن المشكلة الرئيسية وهي الاحتلال الاسرائيلي الذي ابتليت به المنطقة منذ أكثر من نصف قرن ولعب دوراً كبيراً في ظهور التطرف. وفي المناخ الاميركي السائد يعتبر الأمر أكثر قبولاً من الناحية السياسية أن يتم الحديث عن ارسال ربع مليون جندي اميركي لتغيير النظام في العراق. ولتهديد ايران وسوريا والسعودية باتخاذ اجراء مماثل من التحدث عن فرض سلام عادل للفلسطينيين. عند هذه النقطة بالتحديد يأخذ الاميركيون والاوروبيون اتجاهين مختلفين، فالاوروبيون يرون العالم كما هو ويسعون للتعامل مع مشكلاته، في حين ان الاميركيين يرون العالم كما يحبون أن يكون ويسعون لتغييره. ولكن محاولة احداث تغيير كامل شيء وتحقيق هذا التغيير شيء آخر، وكما قال كولز في حديثه أمام الاسرائيليين: «في عالم الواقع كانت السياسة البناءة هي فن الممكن وليس فن المستحيل». ترجمة: حاتم حسين عن «جارديان»