مع دورته الحادية والعشرين الذي تنطلق فعالياته في الرابع والعشرين من الشهر الجاري وتستمر حتى العاشر من أغسطس المقبل يثبت مهرجان جرش للثقافة والفنون، انه أكثر ذكاء في التعامل مع المزاج الشعبي الراهن في حين تكاد تتعثر سواه من المهرجانات الصيفية التي تحظى بادارات مترفعة عن ذلك المزاج الى حد السذاجة وانعدام الخبرات. ففي الوقت الذي يدعو فيه مركز الشرق الأوسط الاردني للثقافة الذي يقيم التظاهرة الثقافية «سوق عكاظ» وتنطلق فعالياته خلال أيام قليلة مقبلة الشاب خالد ما أثار حول المركز شبهة التطبيع والتساؤل عن مصادر تمويل مؤسسة تحمل اسم «الشرق الأوسط» فيما هي مؤسسة غير ربحية فإن «جرش» يستضيف منذ ليلته الأولى واحداً من ألمع المغنين العرب الذين تعاملوا مع الموسيقى والغناء العربيين على نحو مختلف هو المغني والمؤلف الموسيقي مارسيل خليفة، بل ان «جرش» لهذا العام قد كسر مقاطعة المغني السوري سميح شقير واسع الانتشار في الاوساط الشعبية الفلسطينية في الداخل والخارج واستضافه في ليلتين يحييهما غناء في «وسط» المهرجان الذي يشهد اكتظاظاً وكثافة وكذلك الفنان المصري المعروف محمد منير فضلاً عن تخفيض في أسعار التذاكر بحيث تتمكن حتى الأوساط والشرائح الاجتماعية المختلفة من متابعة تلك الفعاليات وتحديداً الطلاب. في هذا الصدد قال مدير مهرجان جرش الشاعر جريس سماوي في تصريح خاص: ان من واجبات المهرجان الأولى دائما أن يكون منسجماً مع الناس وان يتحسس نبض الشارع المحلي والعربي.. فعندما اشتعلت انتفاضة الشعب الفلسطيني عام 2000 ارتأت ادارة المهرجان ان تهدي دورة العام الماضي للانتفاضة بكل فعالياتها مرفوعة الى أرواح شهدائها كاعتراف منا في ادارة المهرجان بحق الشعب الفلسطيني الشقيق الذي نقتسم واياه النهر المقدس بالحياة والحرية والاستقلال. وأضاف سماوي: والحال ان جملة أحداث هذا العام التي لاتزال عاصفة قد وضعتنا أمام سؤال تاريخي أزلي حول الفن، سؤال من نوع: هل الفن مع الحياة أم انه واقع خارج دائرتها؟ ونحن هنا أميل الى انه بما ان الفن دائما هو سعي انساني الى الحياة ضد الموت والظلم والاستبداد فلابد لمهرجان جرش بفعالياته كلها ان يكون منتصراً للحياة ممجداً لها فرحاً بهذا الاصرار عليها. ويشير الشاعر سماوي الى انه على هذا النحو كان الاقتراب على الصعيد العملي من نبض الناس باستضافة البعض من الفنانين العرب الذين يعبرون عن هذا النبض. هذا اضافة الى الغناء العاطفي الذي يلامس تلك المشاعر بما يقربه الى الناس.. غير ان ثمة فنانين يقتربو ن اكثر من غيرهم من العصب الضاغط على اللحظة المعيشية اليومية لمزاج الناس ونبض الشارع.. فالابداع في هذه الحالة، ليس سوى من اجل الحياة. على صعيد آخر كشف الشاعر سماوي ان الحلقة النقدية التي تقام عادة جزء من المهرجان الشعري الذي يوازي المهرجان في فعالياته الفنية وكذلك عادة ما تعني بالادب المحلي والكشف عن الانشغالات الادبية العربية قد شهدت انحيازا باتجاه الفكر او انتاج الافكار حول (الآخر) لكن انحيازا منطلقاته ادبية وتحمل الحلقات النقدية عنوان (نحن والاخر ـ قراءة معرفية باتجاهين) توقع الشاعر سماوي ان يشارك فيها مثقفون عرب واوروبيون من المعروفين برصدهم واهتمامهم بهذه الظاهرة باعتبارها ظاهرة ثقافية وذلك بضغط معرفي من جملة الظروف التي تعيشها المنطقة العربية وجاءت بضغط والحاح من التحولات الراهنة عالميا التي تستدعي ان يعاد تفعيل الحوار بين الحضارات وتحديداً الحضارة الأوروبية المتوسطية بكل تنويعاتها. واشار الشاعر سماوي ايضا الى انه ما عاد ضروريا بالنسبة لادارة المهرجان البحث عن (نجوم) في الشعر العربي بل ثمة ميل الى تقليص عدد الشعراء العرب والاردنيين ا لمشاركين بهدف الانحياز الى النوع والكشف عن تجارب شعرية جديدة في افق عربي وليس محلياً فحسب وكذلك من اجل اعطاء الشاعر مساحة كافية لعرض تجربته امام الجمهور حيث لن تشهد الامسية الواحدة، الا في ظروف استثنائية، مشاركة اكثر من شاعرين أحدهما عربي والآخر اردني ما يعني اعطاء المتلقي العادي ايضا فرصته الكافية كي يتمكن هو الاخر من الاطلالة على التجربة الشعرية بأوسع مما سبق. وحتى الآن فإن من بين الشعراء العرب المتوقع مشاركتهم في المهرجان: محمد علي شمس الدين وممدوح عدوان ومريد البرغوثي واحمد دحبور واحمد بخيت واحمد راشد ثاني. ويحظى مهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته هذه التي تأتي مع اعلان (عمان عاصمة للثقافة العربية) لهذا العام بمتابعة عليا حثيثة وعلى اكثر من صعيد حكومي وشبه حكومي، فقد صرح الشاعر حيدر محمود وزير الثقافة قبل ايام ان المهرجان يقوم على تضافر جهود رسمية وشبه رسمية عديدة تسعى جاهدة الى انجاده وابرازه بالصورة الحضارية المناسبة