كانت هناك تغطيات اعلامية متحمسة في الاسبوع الماضي لدراسة بريطانية ربطت التغذية بالسلوك الاجرامي، فنزلاء سجن آيلزبيري للاحداث اظهروا انخفاضا بنسبة 35% للسلوك، غير الاجتماعي بعد اضافة اقراص لنظامهم الغذائي تحتوي على المستوى المطلوب من الفيتامينات والمعادن والاحماض الدهنية الاساسية. لكن الشيء المدهش في هذه الدراسة التي نشرت في المجلة البريطانية لعلم النفس هو اكتشاف التأثير المباشر للغذاء على المخ فنحن نعرف مسبقا ان التغذية لها صلة مباشرة بالصحة ودائما ما يحثنا خبراء الصحة على الاكثار من تناول الفاكهة والخضروات لابعاد خطر امراض القلب والسكري والسرطان لكننا ننسى ان ما نأكله يؤثر على اكبر عضو عامل في الجسم وهو المخ، وهذا الانكار هو ما يكلفنا الملايين ويدمر اطفالنا ويهدر حياة الالاف في السجون والمصحات النفسية. وللأسف ان مؤلف الدراسة برنارد جيش الذي اصبح الان باحثا بجامعة اكسفورد كان قد شرح منذ 14 عاما للقضاة في كمبريا بأن تغيير النظام الغذائي للاحداث يمكن ان يغير سلوكهم بصورة جذرية وفي ذلك الحين كان «جيش» يعمل لادارة الخدمات الاجتماعية ولاحظ ان الاطفال الذين يرسلون اليه يأكلون كيسا من الحلوى ثم يفقدون عقولهم على حد قوله ووجد ان جميعهم تقريبا يعانون من مشاكل في معدلات سكر الدم، وعندما تم تصحيح المشكلة باعطاء هؤلاء الاطفال الفيتامينات والمعادن التي يحتاجونها للتعامل مع الجلوكوز بشكل سليم كانت النتائج مدهشة الى حد ان القضاة قالوا انهم يكادون لا يصدقون ان الشخص هو نفسه بعد اخضاعه لتعديل في نمط غذائه. فأحد الاحداث الذين واجهوا عشرات القضايا مع المحكمة تصالح مع عائلته واخر توقف عن سرقة الشاحنات وحصل على عمل وتزوج وانجب اطفالا، وتكلفة هذا التحول هي اربعة جنيهات هي قيمة اقراص الفيتامينات والمعادن. لكن خبراء علم النفس الاجتماعي لم يقتنعوا بالدراسة وارجعوا اسباب التحسن في سلوك الاحداث الى الاهتمام الذي حصلوا عليه الا ان جيش يرد بالقول بأن حقيقة ان العديد من هؤلاء الاطفال امضوا معظم حياتهم في مراكز للاصلاح وحظيوا على قدر كبير من اهتمام المحترفين تم تجاهلها، ما اضطره الى اعادة التجربة. ومنذ عشرين عاما ماضية قام ستيفن شوينثيلد الذي هو الان استاذ بجامعة ولاية كاليفورنيا بتخفيف كمية السكر والدهون والمواد المضافة في النظام الغذائي لثمانية الاف من الاحداث الجانحين في مراكز نيويورك الاصلاحية ولوحظ انخفاض بنسبة 47% من السلوك غير الاجتماعي، كما نفذ شوينثيلد كذلك تجارب على اطفال المدارس بين الاعوام 1980 و 1983 واجرى تعديلات غذائية في 803 من المدارس ذات النتائج الضعيفة في نيويورك فارتفع معدل النجاح في الاختبارات من 11% اقل من متوسط المعدل على مستوى البلاد الى اعلى منه بنسبة 5% وهذه الدراسات تؤكد ما يشتبه به الكثير من الاباء والامهات وهو انه اذا اعطيت مجموعة من الاطفال وجبه فقيره تحتوي على كيس من المقرمشات وقطعة حلوى وبيتزا ومشروب غازي فإنك ستحصل على زيادة في الضجيج والاثارة يتبعها بكاء ونوبات غضب. ففي باديء الامر تحدث لدى الاطفال زيادة في مستوى جلوكوز الدم ما يمنحهم دفعة من النشاط ثم يبدأون بالشعور بالنعاس والخمول بعد ان يبدأ مستوى سكر الدم في الانخفاض على حد قول الدكتور أدام كارى التابع للعيادة المتخصصة للتغذية في الرياضة والطب الذي يضيف بالقول بأن الجسم ينتج ادرينالين يمنع سكر الدم من الانخفاض اكثر فأكثر ما يخلق حالة من التهيج والتوتر ويجعل الاطفال عصبيين ميالين للبكاء لادنى سبب. والمشروبات الغازية مليئة بالسكر ولذلك فهي تساهم في هذا الاضطراب الحادث للطفل ولكنها ايضا تحتوي على الفوسفور الذي يقلل من كمية الكالسيوم التي يمتصها الجسم وهذا بدوره يؤثر على توازن الكالسيوم في المخ الضروري للخلايا العصبية لكي تتواصل احداها مع الاخرى. وعندما ننظر لتأثيرات تعزيز النظام الغذائي بالفيتامينات والمعادن فإننا نفهم ما تعنيه هذه الدراسة فزيادة كمية احماض اوميجا 3 الاساسية تخفف من فرط النشاط لدى الطفل، والزنك يقلل من العدوانية تماما مثل الحديد والمغنيسيوم. وكل من شارك في دراسة جيش يتحدث عنها بشيء من الحذر بانتظار اجراء دراسة جديدة يخضع لها عدد اكبر من الاحداث اضافة الى اطفال المدارس خلال الاعوام الخمسة المقبلة. يذكر ان الاطعمة التي توفر لاطفال المدارس في معظم انحاء العالم تكون في العادة غنية بالسكاكر والدهون والكربوهيدرات المنقاة وقليلة بالفاكهة والخضر. والصلة بين التغذية والسلوك ينبغي ان تثير القلق فيما يتعلق بتأثير الاطعمة الفقيرة على صحتنا العامة. ابتسام احمد