لا يستطيع أحد أن ينكر أن الحرص شيء هام ومطلوب خاصة في أيامنا هذه والتي لا يستطيع أن يصل فيها الانسان الى الأحلام ـ خاصة المادية ـ إلا بعد جهد شاق وعناء شديد ولكن أن يتحول ذلك الحرص الى نوع من أنواع البخل خاصة وأن الفارق بين الاثنين ليس كبيرا، هذا هو السلوك الذي أجمعت عليه جميع الآراء التي سترد في السطور التالية بالرفض المطلق ونحن أيضا لا يسعنا الا أن نقول لك سوى هذه الكلمات.. عزيزي القارئ الحريص.. عدل من نفسك وارحم من يعيش معك قبل فوات الاوان. واليكم تلك الآراء. تتحدث الينا هبة الله فخري (27 سنة متزوجة) حول نفس النقطة السابقة والتي فضلنا أن تكون في البداية حتى لا تخلط الأمور حيث قالت: «منذ بداية معرفتي بزوجي لاحظت فيه أنه ليس من هؤلاء الذين لا يستطيعون كبح جماح النفس فكل شيء عنده يتم التعامل معه بالعقل والحكمة.. وحينما بدأت فترة الاعداد للزواج والتي غالبا ما تشهد خلافات واختلافات في وجهات النظر كنت أتضايق بعض الشيء من أنه لا يشتري كل ما يعجبنا لأنه في العادة يكون غالي الثمن وكنت ألفت انتباهه أن الغالي ثمنه فيه كما تقول الحكمة القديمة.. ولأن الفرق بين الحرص وبين البخل «شعرة» صغيرة حاولت أن أعدل من سلوكه الحريص جدا بعض الشيء حتى يصل الى مرحلة الحرص المعقول والمطلوب وبمرور الوقت استطعت أن أجعل من سلوكه المادي شيء مختلف وأصبحنا لا نضع القرش إلا في وضعه المطلوب والذي يوافق عليه المنطق. وتستطرد: لا أنكر أن عقلانية زوجي في بعض الأمور تكون هي الأصوب خاصة أن الرجل يتعامل مع الشراء بحكمة أكثر من المرأة ولكن أهلا وسهلا بالحرص المعقول أما البخل فلا وألف لا.. اليد المغلولة وإيمانا بأن الدين هو المنظم السليم والأوحد لحياتنا كان لوجهة نظر الشيخ حلمي سليمان (50 سنة متزوج) والتي يغلب عليها طابع التدين المستنير الذي نبحث عنه هذه الأيام كان لها الحق في أن نعرضها في مستهل الحديث.. حيث تفضل قائلا: لقد حسم لنا المولى عز وجل هذه القضية وأغلق فيها باب القيل والقال حينما حدد لنا سبحانه الطرق السليمة والواضحة للتعامل المادي في حياتنا ككل سواء مع أنفسنا أو أولادنا أو الآخرين فقد قال عز من قائل «ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط» والتشبيه في الآية الكريمة بمن رفع يده عن صرف المال وكأن يده غلت الى عنقه أما الآخر وهو النقيض فقد بسطها بكل بسط ممكن حتى صارت خاوية.. ويستطرد: «اذا كان هذا هو حكم المولى عز وجل فعلى العبد الالتزام والطاعة وألا يحرم بيته من كل متع الدنيا الحلال ويتركهم فريسة للمقارنة بغيرهم فهي طريقة سيئة يمكن أن تصل بالبيت الى طريق الخراب والعياذ بالله.. لذا عليكم بالدين فهو طريقكم لعز الدنيا ونعيم الآخرة. يشبه القتل وعلى صفحات الصحف منذ فترة ليست ببعيدة كانت حكاية الأم التي قتلت زوجها بمساعدة ابنتها ورغم بشاعة القضية وجرم الأم الرهيب إلا أن الجميع كان له رأي مختلف بعض الشيء حينما قرأوا كلمات الأم عن البخل الشديد الذي كانت تعانيه من زوجها هي وأولادها وكيف كان يحرمهم من مجرد حد الكفاف لتعيش أسود أيام عمرها على حد قولها منذ تزوجت وحتى لحظة الخلاص كما تصورتها والتي كانت متأكدة أنها لن تصبح لحظة خلاص إلا لو قتلت زوجها وها هي المسكينة أو القاتلة كما تريد أن تطلق عليها عزيزي القارئ في انتظار حبل المشنقة والسبب.. البخل.. وحول القضية جاء رأي سلوى صادق 28 سنة قائلة: نعم هي قاتلة ولا يمكن نفي بشاعة ما أقدمت عليه هي وابنتها ولكن علينا أن نراعي بعض الأمور حينما نحكم عليها فهي امرأة ترى الناس حولها تأكل وتشرب وتتنزه وترتدي ثيابا جديدة وتذهب الى مصايف وغيرها من أمور طبيعية تحدث للجميع ارتفع مستواهم أو هبط ولكن هي لم تعرف لهذا كله أي طعم ولم تجرب شيء منه وظلت تكتم مشاعرها حتى انفجر ذلك الغيظ وخرجت آلام وأحزان السنين الطويلة في صورة رد فعل عنيف كان تحت ضغط أكثر عنفا لذا أعتقد أن أي إنسان سيأخذ كل هذا في الاعتبار قبل أن يحكم عليها بالوحشية أو الهمجية ولعن الله البخل الذي يمكن أن يصل الى المفتي.. خراب البيوت «رغم أنني لم أتزوج أو أرتبط بعد بأي رجل.. إلا أنني على استعداد تام للتنازل عن أي أمنية أتمناها في فتى أحلامي إلا الكرم والصدق».. بهذه الكلمات بدأت معنا سلوى أحمد 23 سنة حديثها وأكملت: «كل الصفات يمكن التجاوز عنها وتهذيبها إلا صفتي الكذب والبخل فهما أكثر الأسباب قوة في خراب البيت وهذا ما يجعلهما أكثر الصفات بغضا عند الناس ومن خلال تجاربي الشخصية التي عايشت فيها أقارب وأصدقاء كانت مشاكلهم بطلها الأول هو البخل، كرهت هذه الصفة تماما وكرهت من يتصف بها ولأنني أرغب مثل كل البنات في عريس معقول وحياة سعيدة فأنا أرفض تماما أن يتصف حتى بمجرد الحرص الزائد وأعلنها أمامك وأمام كل من يقرأ أنه لو كان البخل رجلا لقتلته.. «واللي يحصل يحصل» آسفة أرفضه بينما مرت «ش.أ» بتجربة رأت أنها تستحق العرض حتى تستفيد منها بنات اليوم حيث قالت.. «التجربة حدثت تحديدا لابنة عمي التي تعتبر أختي لأننا تقريبا لم نفترق أبدا وكانت دائما أحلامنا وطموحاتنا واحدة.. ويوم تقدم لخطبتها شاب يعتبر من كل الزوايا عريس جديد فقد كان وسيم ومتعلم وعلى خلق واتفقنا على أن تستمر الخطوبة فترة سنة. وخلال فترة الخطوبة كان معظم خروج ابنة عمي مع خطيبها وأحيانا كانت تطلبني معها.. وذات يوم فوجئت وفوجئ الكثيرون بطلبها الغريب بمد فترة الخطوبة ستة شهور أخرى رغم أن كل شيء كان جاهزاً تقريبا وأمام الحاحها وافق العريس على طلبها وكانت المفاجأة الأكبر وقبل مرور شهرين من طلبها تأجيل الزفاف حيث صدم الجميع في طلبها بفسخ الخطبة وكان اصرارها غريبا وقويا لدرجة أن والدها لم يعارضها ولأنني بئر أسرارها التي تلقي فيه كل ما تتعب من حمله طلب مني الجميع أن أعرف السبب وكانت المفاجأة التي لم نلاحظها جميعا سوى هي فقط فقد كان الاستاذ بخيل بخيل لأقصى درجة يمكن تصورها وهي الوحيدة التي كانت تحس بتلك الصفة السيئة فيه وذلك نتيجة خروجهما سويا واحتكاكها به في مواقف كثيرة ويوم طلبت مد فترة الخطوبة كان عندها أمل في تعديل سلوك هذا العريس ورغم أن كل شيء كان على أتم استعداد لاستقبال الزوجين إلا أنها قررت بشجاعة تحسد عليها الغاء كل شيء قبل أن تدخل في حياة تندم عليها في المستقبل وقت لا ينفع الندم ووقفت بكل جرأة تتحدى وتقول آسفة أرفض البخيل.. وصمة عار وفي إحدى جلسات الأصدقاء التي تخرج دوما آراء الشباب الجديد فتحنا باب المناقشة لقضية البخل وفور بداية الحديث انطلقت الضحكات وأشار الأصدقاء جميعا لشخص واحد يجلس بيننا وهم يصيحون البخيل «أهه».. «أهه».. ثم واصلوا الضحك وهو معهم وحينما سألته عن السبب قال (س.ح) 35 سنة: «إنني لا أرى أنني بخيل على الرغم من ارتباط هذه الصفة بي منذ وقت قصير وقد كنت غير ذلك تماما فلم أكن أبخل على أي انسان حتى لو كان طلبه خارج حدود امكانياتي فأحيانا كنت أقترض من شخص لأكمل على ما معي وأقرض أحد أصدقائي وكثيرا ما تعرضت لمواقف سيئة نتيجة لعدم سداد الدين في موعده وحتى بعد سفري للخارج كنت ارسل كل ما أجمعه لأمي واخواتي ولكن حدث وعدت فجأة نتيجة لمشكلة حرب الخليج والتي لم تكن أبدا في الحسابات وقتها حاولت أن أبدأ نشاطا جديدا داخل بلادي وطرقت كل الأبواب الممكنة ولكن فوجئت بجحود غريب لم يخطر ببالي خاصة من الذين كنت لا أتوقع منهم ذلك أبدا ولكن وفقني الله سبحانه في عمل مربح ولكن لم أعد كسابق عهدي فقد أصبحت حريصا جدا في كل قرش لأنني تعلمت من الدرس السابق وتعودت زوجتي على شكلي الجديد وأعتقد أنها صارت أسعد من ذي قبل فقد أصبح لدينا رصيد في البنك لم نكن أبدا لنحصل عليه لو كانت تعاملاتي مع الناس مثلما كانت سابقا. لائق بالرجل ويبدو أن البخل كظاهرة لا تكرهها حواء فقط في آدم ولكن آدم نفسه يكرهها في آدم وهذا ما وضح من رأي أ.هـ 24 سنة طالب بمعهد للسياحة حيث قال: لعن الله البخل وسنينه كلها فهو سبب تعاستي الحقيقية فوالدي العزيز هو النموذج الحي للبخل على الرغم من رواج الحال الذي يعيشه في تجارته فهو لا يجد داع لأن يمتلئ «دولاب» ملابسي بالجديد في السوق وهو لا يرى سببا في أن أمتلك سيارة صغيرة ترحمني من عذاب المواصلات ويؤكد أن المصروف لو زاد عن حد معين يصبح نوعا من الاسراف والبذخ فيدللان صاحبهما ويصبح ولدا تافها لا يعرف قيمة العمل. ويستطرد بسرعة مدافعا عن موقفه: «قبل أن يتسرع القارئ ويقول ان والدي عنده حق يجب أن يعلم الجميع ما يلي بخصوص الملابس أحب أن أوضح أنني لا أشتري ملابس سوى في العيد الأصغر فقط هذه واحدة بخصوص السيارة نحن نعيش في مدينة السادس من أكتوبر وأنا أدرس في معهد للسياحة في مصر الجديدة أي المسافة اليومية تعتبر كالسفر لبلد آخر واليكم الأخرى فالحد الأعلى للمصروف الذي وضعه والدي العزيز هو جنيهان فقط يوميا اضافة للمواصلات ولا يشعر والدي بأي حرج وهو يخرج الجنيهين من جيبه يوميا رغم أنه يكسب يوميا مئات الجنيهات وأحيانا آلاف.. أما والدتي فهي الأخرى تنتظر يوميا مبلغ العشرة جنيهات التي عليها أن تجهز بها حياتها اليومية.. انني أكره البخل كرها لا أستطيع أن أصفه وأنصح كل انسان يرى في نفسه هذه الصفة أو جزء منها ان عدل من نفسك وارحم من يعيش معك قبل فوات الاوان ليكرهك.. ويكره نفسه وحياته. القاهرة ـ احمد عبدالمنعم