أم المؤمنين، وسيدة نساء العالمين في زمانها، أم القاسم ابنة خويلد بن أسد، القرشية الاسدية، أم أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من آمن به وصدقه قبل كل أحد. ومن كرامتها عليه صلى الله عليه وسلم انه لم يتزوج امرأة قبلها، وجاءه منها عدة أولاد، ولم يتزوج عليها قط... فكانت نعم القرين وكانت تنفق عليه من مالها، ويتجر هو صلى الله عليه وسلم لها. مكانتها عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خير نسائها خديجة بنت خويلد، وخير نسائها مريم بنت عمران». وعن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسيا امرأة فرعون». وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال: اتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذه خديجة اتتك معها اناء فيه إدام او طعام او شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومنى وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. كان السادات والرؤساء في مكة يحرصون على الزواج من خديجة، فتأبى ذلك عليهم، وتردهم جميعا، ولكنها وجدت ما تنشده وما تبغيه في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهنا أفضت عما يدور في نفسها الى صديقتها «نفيسة بنت منية». فذهبت نفيسة الى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وكلمته ان يتزوج الطاهرة فوافق ورجعت نفيسة الى الطاهرة خديجة تحمل خبر نجاحها في مهمتها، وزفت اليها نبأ موافقة محمد صلى الله عليه وسلم بالزواج، فأرسلت الطاهرة خديجة الى عمها عمرو بن أسد ليزوجها. بعد ان نزل الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بغار حراء رجع الى بيته مرتجفا ودخل على خديجة فقال: «زملوني. زملوني» فزملوه حتى ذهب عنه الروع ثم أخبرها الخبر: وقال: «لقد خشيت على نفسي». قالت له: كلا، ابشر فوالله لا يخزيك الله ابدا، انك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، وهو ابن عم خديجة، وكان امرءا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء الله ان يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة: اي ابن عم: اسمع من ابن اخيك! فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة له: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني اكون حيا اذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم! لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به الا عودي وإن يدركني يومك حيا انصرك نصرا مؤزرا، ثم لم يلبث ورقة ان توفي وفتر الوحي. وعندما صدع النبي صلى الله عليه وسلم وجهر بها، قاطعت قريش، بني هاشم «اشتدت الأزمات، وتفاقمت الاحداث، واستشرى الامر بين رسالة رسول الله، وبين الطغيان الوثني، وظلت خديجة من وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم تشد أزره، وتشاركه في حمل الاذى من قومه بنفس راضية صابرة محتسبة، حتى قضى الله تعالى هذه المقاطعة الظالمة. انتهى الحصار، وخرجت الطاهرة من الحصار ظافرة بثمرة صبرها لتتابع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيرها في الحياة زوجة امينة. قضت السيدة خديجة في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم مرحلة تقارب ربع قرن من الزمن، فكانت أوفى زوجة لزوجها، تشاركه مباهجه ومسراته وتتطلع الى رضاه وسعادته وتبر من يحبهم.. وقد ظهر من كرمها «لما أصابت الناس سنة جدب بعد زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم... جاءت السيدة حليمة السعدية، مرضعته صلى الله عليه وسلم، زائرة فعادت من عنده، ومعها من مال خديجة بعير، يحمل الماء وأربعون رأسا من الغنم». عندما خرجت السيدة خديجة من الحصار الظالم، لم تلبث إلا قليلا حتى لبت نداء ربها.. وصعدت روحها الطاهرة الى السماء راضية مرضية قبل الهجرة بثلاث سنين ودفنت رضي الله عنها «بالحجون».