منذ التاريخ القديم عرفت المجتمعات البشرية ـ الوقف ـ نظرا لارتباطه بالنزوع الانساني الى فعل الخير، ومحبة الانسان الآخر، وفي المجتمعات التي سبقت ظهور الاسلام كانت هناك اشكال أولية، من الوقف تحددت في المعنى الديني من أماكن عبادة وبيع ومعابد، وقليل من الوقف على الفقراء والمساكين من خلال الكهان ورجال المعابد الآخرين مع قيام المجتمع الاسلامي تمت النقلة النوعية في الوقف حيث تعددت انواعه، وتنوعت اغراضه وأهدافه، وانتقل من معناه الديني الى معناه الديني بغية تلبية حاجات الناس الاجتماعية. ويتابع المؤلف الدكتور منذر القحف في كتابه ـ الوقف الاسلامي: تطوره، ادارته، تنميته ـ تطور تاريخ الوقف في الاسلام خاصة في عهد الصحابة الذين اوجدوا المفهوم الذري، وتوسعوا في معناه الاستثماري الذي يهدف الى تحقيق التنمية الاقتصادية البحتة بصورة تعود ايراداتها على وجوه البر والخير في المجتمع مما جعل الاسلام يعتبر اول من اقام في التاريخ البشري مؤسسات اقتصادية بحتة طويلة الأمد. ويتابع الدكتور القحف تطور مجال الوقف بعد القرن الثالث الهجري حتى توسع وتفنن في أغراضه الاجتماعية ومستويات النفع العام كقطاعي التعليم والصحة، الا ان ذلك لم يستمر فيما بعد نتيجة حالة التردي والضعف التي عرفها المجتمع الاسلامي لاحقا. ويبحث الكتاب في قضية الوقف الاسلامي في المجتمع الحديث ويفرد لذلك اربعة ابواب تضم ثلاثة وعشرين فصلا. وقد خصص الباب الاول لدراسة مفهوم الوقف وتطوره عبر العصور من خلال ستة فصول تعرض الثلاثة الاولى منها لتطور الوقف قبل الاسلام وفي عصر النهضة الاسلامي ثم ينتقل لدراسة الوقف في العالم الغربي اليوم. في حين تتناول الفصول الاخرى تعريف الوقف ومفهومه الاقتصادي، وشروط استعادته لصحته ودوره الاجتماعي والتنموي. يشتمل الباب الثاني من الكتاب والذي يعتبر اطول ابوابه ثمانية فصول خصصت لدراسة فقه الوقف، ومدى الحاجة الكبيرة لتجديده لكي يتناسب مع طبيعة الحياة الجديدة وتطورها، والقضايا التي افرزتها. فالفصل السابع يتناول بالبحث تطور فقه الوقف تاريخيا مبتدءا بعرض النصوص في الوقف عن النبي الكريم وصحابته، حيث يقسم هذا التاريخ الى اربعة مراحل هي المرحلة الفقهية الأولى، والمرحلة المتوسطة وفقه الوقف عند المتأخرين. أما الفصل الثامن فيبحث في المسائل الفقهية التي تحتاج الى عناية خاصة من الفقهاء المعاصرين كقضايا التأبيد والتوقيت والصدقة والحقوقة المالية وشروط الوقف وشخصيته وملكيته وإدارة الوقف والمزايا الضريبية. ويقدم الفصل التاسع امثلة عديدة تظهر مسايرتها للتطور المقصود كظهور المؤسسة، وتوسع النظم الضريبية وتعقدها بالاضافة الى نشوء اهداف وقضية تفصيلية جديدة. في حين يحاول المؤلف في الفصل العاشر ان يقدم مواقف فقهية تساعد على تطوير الوقف المعاصر بصورة تجعله يستجيب لمتطلبات الحياة الجديدة ويسمح بالتالي للوقف الاسلامي بتحقيق اهدافه والغايات المثلى التي وجد من اجل تحقيقها. اما في الفصل الحادي عشر فيعرض الخطوط العريضة لنموذج قانوني للوقف يحدد فيه الأغراض وأنواع الوقف وشروط صحة انشائه وشخصيته وذمته المالية وكيفية ادارته وتمويله وتنمية موارده. ويستكمل الفصل الثاني عشر والثالث عشر دراسة نموذج الوقف القانوني حيث يقدم المؤلف هنا صورا جديدة من الأوقاف النقدية والمختلطة كوقف النقود في محافظ استثمارية ووقف الايراد النقدي ووقف احتياطي شركات المساهمة ووقف العمل الاستثماري الكامل، ووقف مجموع املاك الواقف، وتتزايد اهمية تنمية موارد الوقف لكي يستطيع النهوض بدوره الاجتماعي والتربوي والصحي ولذلك يفرد الدكتور منذر قحف الباب الثالث لقضية تنمية الوقف وتنميته من خلال خمسة فصول يتناول فيها المباديء العامة في تنمية الوقف من وجهتي نظر اقتصادية واجتماعية، بالاضافة الى دراسة الصيغ الاسلامية لتمويل الوقف وتعزيز دوره سواء من خلال مؤسسات التمويل، او عن طريق العون المباشر من قبل الافراد، ينتقل بعدها لدراسة كيفية ادارة الاوقاف وبشكل خاص منها الاموال الاستثمارية، وما يتطلبه ذلك من تطوير لكي يواكب الاساليب الحديثة في ادارة المؤسسات التي يديرها غير المالكين لها. الباب الرابع والأخير من الكتاب يتألف من أربعة فصول، تعرض لأساليب الادارة التي نشأت منذ منتصف القرن التاسع عشر ممثلة بتجربتين معاصرتين لادارة الوقف في كل من السودان والكويت، ويقدم هنا نموذجا اداريا جديدا لكل من الاوقاف الاستثمارية والجهاز الحكومي المشرف على الاوقاف من خلال مؤسسات الأوقاف الرسمية. وإذا كان المؤلف يحدد الشكل الاداري بتوافر شروط الكفاءة والرقابة عبر ما يسميه بالادارة الذرية المحلية المحددة بفترة زمنية معينة تخضع لرقابة ادارية ومالية حكومية وشعبية فإن الدور المقترح لوزارة الاوقاف، او الحكومة هو تقديم مستوى كفء من الرقابتين الادارية والمالية، الى جانب تقديم الخدمات الداعمة لادارة اموال الاوقاف الاستثمارية، ولعب دور الوسيط الفاعل والمشجع كالمشورة في التخطيط، والمشورة الاستثمارية، وخدمات التمويل. ويرفق المؤلف هذا الفصل الأخير بخطاطة لنموذج لتنظيم اداري لوزارة الأوقاف تحدد هيكليتها الادارية.