بدأت القصة في سبتمبر من عام 2001. فقد أعلنت وزارة البيئة المكسيكية انه قد تم العثور على حامض «دي ان. ايه» من ذرة معدّلة وراثيا في أنواع محلية من الذرة تنبت في مزارع صغيرة. ولم يكن مفاجئا ان يتم استغلال النتيجة هذه من قبل النشطاء الذين يشنون حملات ضد المحاصيل المعدّلة وراثيا. وفي نوفمبر، حصل هؤلاء النشطاء على ذخيرة اضافية عندما تم نشر النتائج في مجلة «نيتشر» المرموقة. ثم اتخذت الامور منحى مربكا في ابريل الماضي، ففي خطوة غير مسبوقة، اعلنت المجلة انها نادمة على نشر الدراسة، وقامت بنشر رسالتين زعمتا ان الدراسة كانت معيبة على نحو جوهري. وقد حظي هذا التحوّل بتغطية اعلامية اكبر من الاكتشاف الاصلي. وكانت تلك هي المرة الأولى التي تتبرأ فيها مجلة «نيتشر» من دراسة معينة من غير ادنى اعتبار لمؤلفيها وقرائها. البعض يشك بوجود سلوك غير اخلاقي زاعمين ان ممثلين عن صناعة التقنية الحيوية نظموا حملة من الرسائل والعرائض التي تنتقد الدراسة الاصلية. لكن منتقدي الدراسة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، حيث عمل جميع ابطال هذه القصة، ربما لم يكونوا بحاجة الى أي تشجيع خارجي. يعتبر مؤلفا الدراسة وهما ديفيد كويست، الطالب في سنة التخرج في العلوم البيئية ومدرسة عالم البيولوجيا النباتية المكسيكي احنا سيو تشابيلا، من الشخصيات المكروهة في حرم الجامعة في بيركلي. ففي عام 1998، شنا حملة غير ناجحة لمنع الجامعة من عقد تحالف غير عادي مع شركة نوفاريتس السويسرية للتقنية الحيوية. وتعطي هذه الصفقة، التي وقعت وسط احتجاجات طلابية وتراشق بالفطائر، نوفاريتس الحق في اختيار افضل بحث في مجال النباتات لاغراض التطوير مقابل حصول الجامعة على مبلغ يصل الى 50 مليون دولار. ولكن بينما اعتبر المجتمعون الصفقة تقويضا للحرية الاكاديمية فان العديدين في قسم النبات والبيولوجيا الميكروبية يدينون بوظائفهم للصفقة نفسها. نشاط البيئة بعد عامين على توقيع ذلك الاتفاق، وفي ليلة الحادي عشر من اكتوبر 2000، قام نشطاء بيئيون بتدمير محاصيل ذرة معدلة وراثيا كانت مزروعة في بيركلي على يد طلاب مايك فريلنج، وهو عضو في الهيئة التدريسية في القسم. وفي وقت تدمير الحقل، كان كويست في ولاية اوكساكا المكسيكية يجمع عينات من الذرة من حقول المزارعين. وعندما احتلت نتائج هذا البحث القائم على هذه العينات العناوين الرئيسية للصحف بعد ذلك بعام، كانت أكثر تدميرا على المستقبل المهني لعلماء التقنية الحيوية في بيركلي من عملية تدمير الحقل في منتصف الليل. استخدم كويست وتشابيلا في البداية «بي سي آر» وهو الاسلوب المعياري لتضخيم حامض الـ «دي ان ايه» من اجل الكشف عن سلاسل «الدي ان ايه» المعدّلة في الذرة «بي تي» التي تزرع في الولايات المتحدة. ويقول كويست بهذا الخصوص: «ان هذا اسلوب معياري للكشف يستخدم من قبل هيئات تنظيمية في أوروبا وأماكن اخرى». ويقر كويست بأن هذا الاسلوب يمكن ان يفرز نتائج ايجابية خاطئة. لكن الباحثين يقولان ان النتائج المستخلصة من تجاربهما الضابطة تظهر بشكل «لا يدع مجالا للشك» ان السلاسل موجودة في عدد من العينات المأخوذة من انواع محلية في مناطق نائية في المكسيك. اكتشاف الوضع ثم استخدم الباحثان اسلوبا مرتبطا بالاول يدعى «بي سي آر معكوس» بغرض اكتشاف الوضع الدقيق لسلاسل التحول الوراثي. وبدا ان هذا يظهر ان «الدي ان ايه» المضاف قد تجزأ وتبعثر في انحاء الجينوم الخاص بالذرة، وهو الاكتشاف الذي تسبب في احتجاج عظيم في أوساط العلماء. والامر الذي لا يزال يثير الجدل في الدراسة يتمثل في ان حامض «الدي ان ايه» الذي اكتشف في الانواع المحلية من الذرة المكسيكية يمكنه ان ينتقل الى الانواع المختلفة من الذرة محدثا تأثيرات لا يمكن التنبؤ بها تتراوح بين تشويش بعض الوظائف الاعتيادية للنبات الى تعديل منتجات بعينها بحيث تصبح عوامل سامة لجيل من انواع جديدة من البكتيريا والفيروسات. وكانت الرسالتان اللتان نشرتا في «نيتشر» قد هاجمتا هذا الاكتشاف الاخير، واعترف كويست وتشابيلا بأن دراستهما لم تخل من بعض العيوب والاخطاء، الا انهما اشارا في الوقت نفسه الى ان الدراسة حظيت بموافقة ومصادقة من قبل ثلاثة مراجع لم يسميانها. وعندما تم ارسال الدراسة الاصلية ورسائل الشكوى الى ثلاثة مراجع اخرى، اشار اثنان من الثلاثة الى ان التعليقات التي ارفقت بالدراسة لم تثبت بطلان النتيجة التي توصلت اليها الدراسة وهي ان الذرة المعدلة وراثيا تنقل تأثيرها الوراثي الى أنواع الذرة المحلية في المكسيك. ضرار عمير