يجمع الكثيرون من الناس في كل مكان ان حياة الامس اجمل وازهى من حياة اليوم وعلى الرغم من التطور الذي انتظم المعمورة واصبح العالم قرية صغيرة مترابطة الاوصال، بفضل التقنية الحديثة وثورة المعلومات المتدفقة، الا ان الوجدان الانساني لم يعد كما كان في الماضي. هذا ما اكده الوالد عبدالله خليفة راشد الغملاسي الذي ولد في عجمان عام 1933م والذي كان يعمل والده في مجال الغوص والبحر، ونشأ في هذه الاجواء المضمخة بأريج البحر وعوالمه الغريبة.ويروي الوالد عبدالله خليفة راشد الغملاسي، بأنه ولد في بيت صغير بني من الطين وسعف النخيل في قلب مدينة عجمان التي كانت تتكون من اربعة احياء سكنية متناثرة ولا يزيد عدد بيوتها في ذلك الوقت عن ستمئة منزل وكان والده يعمل في مجال الغوص ودائماً في البحر ويذكر ايام الطفولة في رحاب مدينة عجمان الصغيرة وما زال يذكر اقرانه آنذاك، ويقول ذهبت الى تلقي التعليم عند المطوع حيث حفظت القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة والقليل من الحساب ولم تكن في ذلك الوقت مدارس، كما لم يكن التعليم متيسراً للجميع كما هو عليه الحال الآن، وكنا نسير نلعب على شاطئ البحر وننتظر الاباء والاهل عند العودة من رحلة الغوص، بكل شوق وحنين وحب، وعندما بلغت سن الخامسة عشرة ذهبت في اول رحلة غوص مع جدي والد أبي وحقيقة اقولها ان الغوص ورحلاته اصعب شيء وجدته في هذه الحياة حيث يظل الرجل واقفاً منذ بزوغ الفجر الى مغيب الشمس في عمل متواصل وتمتد هذه الرحلة الى اربعة اشهر، ولكن الشيء الجميل ان الجميع الذين يعملون في الغوص مقتنعين بهذا العمل ولا بديل لديهم خلاف الصبر على هذه المشاق من اجل لقمة العيش الكريمة واسعاد الآخرين، وعرفت عجمان في ذلك الوقت بمحامل الغوص وكانت مشهورة بهذا العمل وعرفت في ذلك الوقت محامل المها وسفن قوم حسين بن لوتاه ومحامل احمد المهيري وكاجور ومعظم الاهالي بعجمان يعملون في هذه المحامل وكانت حياة مليئة بالعديد من الصعاب والمشاق ولكن جميلة ولها طعم ومذاق لم نجدهما الآن. اول مقهى واضاف الوالد الغملاسي قائلاً بعد سنتين من رحلات الغوص قررت ان اقدم بعمل آخر، حيث قمت بفتح اول مقهى بعجمان في مطلع الخمسينيات وعرف هذا المقهى بمقهى الغملاسي وعملت فيه بنفسي، حيث كنت اقوم ببيع الشاي والمشروبات الشعبية في ذلك الوقت واصبح الاهالي يتجمعون في المقهى وكان في وسط مدينة عجمان واصبح منتدى للجميع، وبعدها قمت بفتح مطعمين في عجمان وهما من أول المطاعم التي تقدم الوجبات في ذلك الوقت، كان الدخل المادي قليلاً ولكنه مباركاً ليس لدينا عمال اجانب وكان يعمل معي احد اصدقائي، وبعدها تطورت اعمالنا في مجال التجارة وقمت بفتح دكان لبيع المواد الغذائية لبيع السكر والدقيق وغيرهما من المواد التموينية، ومن خلال هذه الاعمال الصغيرة عشقت حياة التجارة واصبح جميع اهل عجمان في ذلك الوقت يعرفونني ثم اضاف قائلاً: لقد تزوجت متأخراً بعد الاربعين وذلك لانشغالي بأعمالي التجارية وسعيي المتواصل في العمل ليل نهار الا اني اذكر مظاهر الفرح في مطلع الاربعينيات، حيث يتجمع الناس وتضرب الطبول وتصيح العيالة ويسمع صدى صوتها في الشارقة، كما كان يشارك الجميع في الافراح التي قد تستمر الى ثلاثة ايام، كما كانت تكاليف الزواج في ذلك الوقت لا تتعدى ستين روبية. اما عن زواجه اشار بأنه تزوج في عام 1965م وبمبلغ 2500 درهم وقال رزقت بابن والآن لدي ثلاثة احفاد، وحول الاسفار والاغتراب، قال الوالد الغملاسي. في حياتي لم اعشق الاسفار الا للضرورة وذلك لارتباطي الشديد بمدينة عجمان واهل عجمان وآثرت العمل بنفسي منذ الصغر بعجمان ولم افكر بالاغتراب مثل بعض اقراني الذين سافروا للعمل في الكويت والبحرين والسعودية من أجل لقمة العيش وحول الحياة الاجتماعية في ذلك الوقت يرى الوالد الغملاسي ان حياة الأمس بكل مظاهرها كانت مليئة بالحب والتواصل حيث كان الجميع يتعارفون ويتبادلون الزيارات فيما بينهم خلاف حياة اليوم التي انعدم فيها التواصل الاجتماعي، واذا مرض انسان فالجميع يعلم هذا الامر ويسعون الى تقديم المساعدة اليه وتدبير شئون حياته المنزلية، وتوفير كل ما يحتاجه اولاده من امور الحياة. امس واليوم وحول المقاهي بين الامس واليوم يقول الوالد الغملاسي في الامس كانت منتدى حقيقياً يجتمع فيه الاهالي ويسولفون عن رحلات الغوص واخبار التجارة ويتناولون الشاي والقهوة وكان يمنع دخول الصبية دون الخامسة عشرة للمقاهي، كما لم تعرف مقاهي الامس (الشيشة) اما اليوم فهي كثيرة واصبحت منتشرة في كل مكان وللأسف يسمح الآن للصغار بالجلوس مع الكبار لتناول الشيشة ويتركون التعليم لان معظم الوقت يقضونه في المقاهي وقال اعتقد ان رسالة المقاهي هي التعارف وخلق العلاقات الحميمة مع زيادة التعارف وليس لقضاء وقت الفراغ فقط، مطالباً بضرورة احكام الرقابة على المقاهي من اجل حماية الجيل الحالي. اعياد زمان من الاشياء الجميلة التي يفتقدها كما يقول الآن مظاهر الفرح بالاعياد، فالعيد في الماضي كان له طعم ومذاق خاص فعندما كنا اطفالاً صغاراً وشباباً نجتمع عند الحصن الشهير بعجمان الذي اصبح الآن متحف عجمان وعند الصباح الباكر من يوم العيد يتجمع جميع الاهالي امام مصلى العيد قرب الحصن وبعد اداء شعائر صلاة العيد تدق الطبول وتصيح العيالة وكان هناك صوت مميز في العيالة يعرفه الناس من بعد اميال وهو صوت خادم الرميثي وبعدها تأتي الخيل وتركض وتستمر هذه الافراح ثلاثة ايام، كما تقام سباقات الشواحيف من أم القيوين الى عجمان واحياناً تصل الى الشارقة وكانت دائماً محامل عجمان هي الفائزة وفي طليعة المتسابقين، كما عرفت عجمان في ذلك الوقت بالخشب (السفن) واشتهر اهل عجمان بالغوص، كما يرى الوالد الغملاسي ان العيد في هذا الزمان ليس كما هو في الأمس، لانه لا يتحلى بطعم الفرح والمرح. دور المرأة وحول دور المرأة في الامس، يقول ان المرأة في الماضي لعبت دوراً كبيراً في تربية الاجيال وكانت هي المحور الاساسي في المجتمع ووقفت الى جانب الرجل في اقسى الظروف، حيث كانت المرأة تقوم بكل شئون المنزل من طبخ واحضار الماء ونظافة المنزل وجلب الحطب للوقود، كما تقوم بتربية الاطفال وتعليمهم العادات والتقاليد المتوارثة من الآباء والاجداد واحياناً يتغيب الرجل الى اكثر من اربعة اشهر في رحلات الغوص تجد المرأة تقوم بكل الادوار في تربية الابناء، مؤكداً ان المرأة بالأمس لعبت دوراً اجتماعياً عظيماً خلاف المرأة اليوم التي تركت كل شئون المنزل للخادمة وركنت الى حياة الترف والنعيم، مطالباً المرأة اليوم ان تقوم بدورها في تربية الابناء وعدم ترك امورهم للخادمة. وحول الاشياء الجميلة التي يفتقدها الآن قال الوالد الغملاسي، حياة الأمس نعم كانت حياة فقر ومشقة الا انها ليست مثل حياة اليوم، فالمجتمع في ذلك الوقت كان يتسم بمظاهر التفاخر والتنافس في سبيل ان يصبح كل واحد افضل من الآخرين وانني افتقد الآن التواصل الحقيقي بين الناس، واتمنى ان يعود الناس الى حياة الأمس في التواصل وعدم التسابق على الحياة الزائلة. اما عن عجمان اليوم فيرى مدينة حديثة انها اصبحت بفضل جهود صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم عجمان، مدينة حديثة وازدانت بالخضرة والابراج الشاهقة، كما وفر العلاج في المستشفيات وقدمت الخدمات العديدة للمواطن واصبحت الحياة متيسرة للجميع وعليه فإننا نطالب الشباب الاستفادة من الظروف المتاحة في طرق ابواب العلم والمعرفة والسعي الجاد في سبيل رفعة شأن الوطن وعدم الارتهان للبنوك واخذ القروض التي تكبلهم. وعرف عن الوالد الغملاسي حبه لعمل الخير وقام مؤخراً ببناء مسجد على نفقته الخاصة في الهند، كما يقوم حالياً ببناء مدرسة في الهند، وحول هذه الاعمال الانسانية يقول هذه الاعمال التي اقوم بها هي لوجه الله ومن اجل تعزيز الاسلام في بلاد المسلمين المحتاجين الى يد العون والمساعدة ونحمد الله كثيراً الذي افاض علينا بالكثير من النعم ويتوجب علينا ان نشكر الله بهذه الاعمال التي تصبح زاداً للانسان في الدنيا والآخرة.