كنّا في مرحلة الطفولة الصاخبة، وكانت سرابيس حينها تعجّ بآلاف المرويات عن أزمنة وأحداث عاشتها على مدار أربعة آلاف عام من تاريخها.. كأننا كنا ننظر إلى هذه المرويات من نوافذ مختلفة، وكلّ نافذة تنفتح على زمن.. كأن الزمن كان مقسّماً إلى آلاف الحجرات، وكلّ حجرة تجاور الأخرى في بناء كروي لا تعرف بدايته من نهايته.. وكنّا في تلك المرحلة كسائر الأطفال الذين يتلهفّون لسماع القصص من أحد الرواة في العائلة، جدّة كانت أم أحد الأعمام الذين خبروا الحكايات الساكنة بأزمانها الحجرات المتجاورة. كان العمّ إسماعيل خير من يشرّع نوافذ الزمن الغابر هذه، لأن القصص التي كان يرويها تنفتح دائماً على احتمالات كثيرة، كنّا نسرّ بها على الدوام، فنتحاور ونتخاصم للوصول إلى حلّ مقبول للنهايات التي يبقيها غامضة دائماً، كهذه القصة التي رواها لنا في أيام تلك البلاد بصوته الساحر: هذا المساء، أحسّ «ناباذ» أنّه مَقذوفٌ كطحالب البحر أمام موجةٍ صاخبة.. انّه مطرودٌ من دفءٍ قديمٍ كاد ينساه.. أحسّ أن رائحة الفرات تشبه رائحةَ الأعشاب التي ما فتئ «كاسوغان» عشّاب سرابيس يحرقها أمامه طالباً منه تنشقّها.. أعشاب تخمّرت زمناً كاد ينسى بياض أيامه. فهو منذ أن ابتلي بذاك المرض الذي أنامه أياماً طويلة، لم يعرف للنهار دروباً تقوده إلى نهر الحياة كسائر البشر، وإنما ليلٌ.. ليلٌ حالك السواد أغلق الدروب في وجهه، فما عاد بإمكانه سوى التكيّف مع هذه الرائحة المالحة.. كان مستلقياً في صدر غرفة النوم، وحول الفراش جلست خادمتان صامتتان، كانت كلّ واحدة منهما تمسك بمروحة من ريش تحركها بهدوء فوق رأسه، بينما في زاوية الغرفة كانت خادمة أخرى تجلس أمام إناء خزفيّ كبير، تنطلق منه روائح بخور وأدخنة أعشاب أخرى مختلفة.. رفع رأسه إلى الأعلى قليلاً، فتح عينيه، ثمّ ما لبثت شفتاه أن انفرجتا عن ابتسامة واهنة، فتنتبه إحدى الخادمتين إلى الابتسامة القادمة من أعماق الموت، فتصرخ: جدّتي.. هاهو سيّدنا يستيقظ، لقد عاد إلينا.. جدّتي.. جدّتي. وتهرع المرأة التي كانت قرب محرقة البخور، فتبدو امرأة ناضجة ومكتنزة، ولكن قامتها الطويلة وبياض بشرتها ميّزتاها عن الفتاتين النحيلتين نسبياً، فترتمي المرأة فوق الفراش كأمّ عظيمة: ـ سيدي ناباذ.. وبالكاد يعاود الشاب الابتسام، يخرج يده من تحت الغطاء، يمدّها نحو المرأة، فتمسك بها بكلتا يديها، فتذهب في تقبيلها، ثمّ ما تلبث أن تقول لإحدى الفتاتين: أعطني محفظة المراهم يا أروشا.. أما أنت يا «شنتاي» فتعالي ساعديني كي نرفعه إلى الأعلى.. وخلال لحظات تمكّنت المرأتان من كشف الأغطية، فبان جسده عارياً، وثمة جرح غائر أسفل البطن وفوق العانة مباشرة في طريقه إلى الالتئام.. تقدّمت «أروشا» فوق السجاد الوثير حافية، وهي تمسك بإحكام بصندوق عاجيّ اللون، وعندما وصلت إلى سيّدتها قدّمت العلبة لها، ثمّ عاودت الجلوس على كلتا ركبتيها، ففتحت المرأة الصندوق الذي تبدّى عن أربع حجرات دائرية تراوح امتلاؤها، وتميّزت بألوانها المختلفة.. مدّت يدها نحو الجرح تتلمّسه، ثمّ قالت بحنان: أما زال جرحك يؤلمك سيدي؟ فنظر الشاب نحوها بامتنان، ثمّ قال: جراح قلبي أقسى يا ميراداد.. مازلت أتمنى لو أنني متّ، ولكن مع الأسف، ها أنا أعود إلى الحياة بفضل رعايتك، ولكن أية حياة.. أية حياة؟ وفي تلك اللحظة ستقاطعه ميراداد هامسة: ليتك تعرف كيف تمكنت من تخليصك من بين مخالبه يا سيدي.. هذا المساء قرر ناباذ أن يرمي بأدوية كاسوغان العشبية، رافضاً كلّ الرفض تعاطيها، فهو منذ أن بدأ بتناولها، راحت صحّته تتّجه من سيئ إلى أسوأ، فبالأمس القريب كان تاجر الثياب الأوحد في سرابيس كلّها، وكانت الصبايا الجميلات يتلهفّن لزيارة متاجره والتبضّع مما تشتهيه الأنفس، فماذا جرى الآن حتى يصبح طريح الفراش، عاجزاً حتى عن المشي بين أشجار الدلب والصفصاف؟! وهكذا بعد تعب وتفكير طال، قرّر أن يغادر المنزل متحدياً آراء طبيبه الخاص، خرج خلسة، ودون أن يشعر به أحد من أهله أو الخدم، فمشى ومشى حتى كلّت قدماه من المشي، وعندها أحسّ بجوع يفتك بمعدته وأمعائه، فشعر بالفرحة تغمره. فمنذ حين كانت نفسه تعاف الطعام، بل إنها كانت تستفرغه بمجرد أن يدخل إلى جوفه، ورغبة منه في اقتناص هذه المتعة البسيطة عاج على حانة شعبية.. حانة يرتادها الرعاة والحجّارون ومدمنو الخمرة من عبيد سرابيس، ولكن ذلك لم يزعجه إطلاقاً، بل إنه حتى لم يفكّر بمرتبته الاجتماعية كوجيه، عندما اشتمّ رائحة الشواء.. دخل ناباذ بأثوابه الحريرية المقصّبة والمذهبة إلى الحانة السكرى بالشواء والغناء والنبيذ، ولكن دخوله المكان أثار صمتاً كبيراً.. تعلّقت معه أنظار الساهرين إلى هذا الوجيه الذي اقتحم خلوتهم.. ولا أحد منهم تجرّأ حتى على تحيته.. كلّ ما فعلوه فقط هو متابعة تقدّمه فجلوسه إلى دكّة خشبية شاغرة، ثمّ إيماؤه إلى الخمّار السمين، الذي جاءه راكضاً وهو يمسح يديه بفوطة: سيدي ناباذ، الخمّار وحانته تحت أمرك. فقال ناباذ بشيء من الضيق: أحضر لي طبقاً من الشواء، ولا تنس أن تقدّم لجميع من في الحانة خمراً وشواء، ولكن قبل ذلك أخبرهم أن يعودوا للغناء، فإنني اليوم مسرور، ولا أريد أن أكون بغيضاً.. هل فهمتني جيداً. فصرخ الخمّار في الحشد المترقّب بفرح: أنتم مدعوون جميعاً على شرف الوجيه ناباذ، إلى الغناء والصخب أيها الرفاق.. قال الخمّار ذلك، فعادت الجوقة إلى الغناء بخجل، ثمّ ما لبث الجمع أن عاد إلى سيرته الأولى من الصخب والفرح، وكانوا كلّما توقّفوا قليلاً لتناول الطعام أو تذوّقوا الشراب، كان ناباذ يصفّق بمرح طفولي مما أضفى جوّاً من البهجة على الجميع، فكانت ليلة خالدة في حياة أولئك الرجال.. ليلة لم تعرف طريقها إلى الهدوء حتى «نهض هانوش» رئيس الحجّارة، مقترباً منه راجياً أن يسمح له بالجلوس ليخبره أمراً مهمّاً. وكان هانوش من الرجال الذين استعبدوا بعيد مؤامرة استهدفت الملك، حيث قيل إنه كان متورّطاً مع كاهن سرابيس، ولكن بعض الوجهاء اعترضوا على ذلك، وكان منهم ناباذ، وبذلك استحقّ الحياة بشرط العبودية، فقنع بما آلت إليه أموره ولم يغادر سرابيس منذ ذلك اليوم. وإلى ذلك فإنه اكتسب احترام الحاكم، فعيّن مشرفاً على الحجّارة، ولكن دون أن يعاد الاعتبار إليه، فيحتل مرتبة الوجاهة التي كان يحوزها قبل الفتنة.. قال ناباذ والغبطة ما زالت تملأه: تعال ياهانوش.. تعال واجلس هنا بجانبي..ولكن ألا يمكن تأجيل حديثك للغد، فإنني مسرور هذا المساء للغاية، ولا أريد أن أفوّت هذه المتعة؟ ـ كما تريد يا سيدي، ولكن ما أريد قوله الآن، قد لا يمكنني قوله في الغد، فأنت تعرف ماذا يعني العمل في المقلع.. والتخلّص من مراقبة رجال كاسوغان. فقال ناباذ بحماس عندما سمع اسم طبيب العناية الملكية: آمل أنك لا تسعى إلى الوقيعة بيني وبينه.. فأنت أكثر الناس الذين يعرفون خطورة التحدّث عن الخاصّة الملكية؟ ولدى سماعه الكلام انكفأ هانوش، ثمّ نهض يريد الانصراف، ولكن الفضول كان ملأ ناباذ، فقال له: لا بأس، هات ما عندك أيها الحجّار، ولكن حذار من الدسيسة. ـ ليس الآن يا سيدي، ليس الآن، سأخرج بعد قليل من هنا وسأنتظرك على الطريق.. خرج ناباذ من الحانة نشوان بفعل الشواء والغناء الشجي، حتى إنه كان نسي حديث الحجّار، ولكنه لمّا يمض طويلاً حتى سمع من يناديه بصوت هامس: سيدي.. سيدي!! والتفت ناباذ نحو مصدر الصوت، وقد تذكّر الآن أنه وعد هانوش بلقائه خارج الحانة، فأمسك هذا بيد ناباذ واتّجه به نحو أجمة داكنة، ساعياً في الوقت نفسه إلى طمأنته، قائلاً: لا تخف يا سيدي، لا أحد يسعى لأذيتك هنا. ولكن ناباذ الذي امتلأ بالشكّ أجابه: كأنّك تسعى إلى تأليب الفتنة من جديد يا هانوش؟ ـ أبداً أيها المبجّل أبداً.. كلّ ما أردت قوله، أنك أنت المُتآمر عليه.. صدّقني يا سيدي.. الوقت ضيّق الآن، وكلّ ما في الأمر أنهم تآمروا عليك وجعلوك تصدّق أنك مريض.. فارتعد ناباذ من الأخبار التي ساقها له الحجّار، ولكنه مع ذلك ظلّ متشكّكاً مما سمعه، رافضاً أن يصدّق حديث المؤامرة، فأردف هانوش قائلاً: لا تؤاخذني يا سيدي إن قلت لك بأن بعض خدمك، أسرّوا لي بما يحاك ضدك بين كاسوغان وبعض نساء القصر؟ ـ نساء القصر؟! ـ نعم يا سيدي، بعضهنّ كما أُخبرت، ولكنني لا أعرف من بالضبط؟ ـ ولماذا يتآمرن عليّ، فإنني منذ زمن أغرقهنّ بالأثواب المطرّزة والمذهبة.. كلّ ما يطلبنه أجلبه لهنّ حتى ولو كان في «يمحاض»! ـ نعم يا سيدي.. أعرف ذلك، فأنت بائع الحرائر الوحيد في سرابيس، ولكن المشكلة ليست في الحرائر، وإنما في أثواب الأرجوان الملكية.. إنّهنّ يردن أن يتشبّهن بالملكة.. ـ ولكنها ثياب خاصّة بالملكة، ولا يجوز لأحد ارتداءها.. لقد أوعزت لي بذلك السيدة الملكة، فكيف يردنني أن أتجاوز الأوامر الملكية؟ وسكت ناباذ مفكّراً في كلّ هذا الكلام الذي سمعه للتوّ، ثمّ ما لبث أن أردف: ولكن ما دخل الطبيب كاسوغان بذلك، وأيّ قصّة أخرى تحملها لي؟ ـ أرجو عفوك أيها الوجيه، كاسوغان ينفّذ ما يُؤمر به، وهو إلى ذلك لا يهوى اقترابك من سيمازابنة الملك.. إنه يريد إبعادك عنها بما أمكنه من وسائل، ولذلك فإنهم دسّوا لك بعض الحشائش في طعامك، لكي تمرض، فيعودك، وبعدها يستكمل مؤامرته. ـ أتقصد أنه من أفقدني رجولتي؟ ـ نعم يا سيدي، إنها نبتة غريبة لا أحد يعرف أثرها سوى كاسوغان وبعض مساعديه.. إنهم لا يريدون لك الزواج من الأميرة سيماز حتى وإن كانت الملكة المعظّمة موافقة! ـ حسناً انّك أخبرتني.. ولن أنسى لك هذا الصنيع ما حييت، ولكن هلاّ أخبرتني عن كيفية الخلاص من هذه المشكلة، وعودة رجولتي لي؟ ـ لا يا سيدي، لا أعرف، ولكن الغانية الأولى، كاهنة «يمحاض» ربّما تعرف دواء ينجيك من كلّ هذا العذاب.. أما الآن فإنني سأغادرك خشية أن يرانا أحد. سار الوجيه ناباذ متأملاً في حديث هانوش الحجار، وكأنه مال إلى تصديقه، فتنهد ثمّ أطلق آهة طويلة وراح يحدّث نفسه: آه يا سيماز.. إنهنّ يغرن من أثوابك الجميلة إذن؟ شقيقاتك وأبناء خالاتك وعمومتك.. أهلك يغارون منك. ولكن كيف سأخبرك مولاتي بما سمعت؟ ثمّ كيف سأداري فضيحتي إذا همس لك الطبيب بفقداني لرجولتي.. كيف .. ؟؟ منذ أن مرض وسيماز الأميرة الجميلة كلّ يوم تنتظر لقاء الماء الذي أدمناه، وهاهو ناباذ بعيد العاصفة التي غمرت روحه، يتخيلها منكسرة وحزينة، يغمض عينيه، يتذكّر.. كانا يتراكضان على ضفاف الفرات، فتلجأ إلى غابات الحور والصفصاف.. وبين شجرتين مكتنزتين بالعشب تستلقي، ثمّ تقول: تعال ياناباذ تعال واستلق بقربي.. تعال والعق لبني وعسلي. وكان يراها ملكة استأثرت بكلّ جوارحه، فيقول لها: أحبك.فتميل بأنفاسها نحو عنقه، ومعها تنبعثت روائح الأعشاب العطرة، وعندما تجرّأ ذات مرة، ومدّ يده إلى يدها المليئة بالأساور راحت تنزع ثيابها قطعة قطعة.. كلّ بوابات الأحزان أشرعت الآن، وهاهو الفرات ينفتح عليه هادراً صاخباً فسار في سكون الليل مهموماً.. سار حزيناً.. حزيناً. لم يكن ناباذ سهلاً مطواعاً كما ظنّ الحكيم كاسوغان، لقد ظلّ متظاهراً بالمرض حتّى أعد العدّة للسفر، وفي صباح مبكّر حُمّلت العربات بنفائس الحرير والأرجوان والدمقس الموشّى برقائق الذهب، وبالإضافة إلى ذلك اختار مجموعة من الحلي وأمشاط العاج من صناعة الصائغ فالان، ولم ينس أن يختار ثلاثة من عبيده لكي يسوقوا قطيع الهدي لمعبد إيل في يمحاض، ثمّ مضى الركب دون أن يدري به أحد.. كانت المسافة بين سرابيس ويمحاض لا تتعدى يومين، ولكن العربات والثيران الكسولة، أخّرت ناباذ يومين إضافيين، فدخل مع إشراقة شمس الصباح باحة معبد إيل، ثمّ ما لبث أن أمر عبيده بالانتظار ريثما يتمكّن من مقابلة الكاهنة الكبيرة، فجلس العبيد الثلاثة قرب بعضهم البعض إزاء الجدار، وراحوا يرقبون سيّدهم داخلاً البوابة الكبيرة للمعبد.. العبيد البسطاء جلسوا طويلاً، ثمّ ملّوا من جلوسهم، فراحوا يتمشون في ساحة المعبد، يتأملون جموع الحجّاج القادمين من مختلف الأصقاع، ولكن سيّدهم ناباذ لم يخرج بعد، وكان عليهم أن يطعموا الثيران، وان يسقوها.. أن يحافظوا على البضائع.. كانوا محتارين مشتتين، فقال أحدهم بعد أن أكله القلق على سيّده: سوف أدخل المعبد باحثاً عنه.. كان مزارعاً شهماً في الحقيقة، لكنه وقع في العبودية بعدما دخل دائرة اليانصيب الجهنميّة التي كان تدار في حانة حليسي، كان مغرماً باللوح 22 حتى أنه حفظ أرقامه الخمسة عشر، فما عاد ينظر إليها أثناء النداء كسائر المراهنين، وإنما كان يضع اللوح الخشبيّ تحت رجله، ويتابع صوت المنادي وهو يضع الأرقام الخشبية فوق اللوح الكبير، كم كان يتمنى أن يصرخ ملء فمه بتلك الكلمة السحرية دومبلا، فيلتفت إليه سائر المراهنين ويغبطونه، ولكن لوحه مع الأسف لم يكتمل في أي يوم من الأيام الثلاثين التي راهن فيها على كلّ شيء، فباع نفسه عبداً للوجيه ناباذ، كي يتمكّن من سداد ديونه.. كان الرجل جسوراً ومقداماً، فاجتاز الساحة نحو بوابة المعبد الكبير الذي لم يكن دخله قطّ، ولكنه منذ أن اجتاز البوابة حتى واجهته عتمة غير محتملة وصمت بارد وضاغط، فوقف في منتصف الردهة مفكّراً في كيفية الوصول إلى غرفة الكاهنة الكبيرة، في هذه المتاهة من الغرف الصغيرة المتلاصقة على يمين ويسار الممر، ولمّا كان يهوى الرقم 22 فقد عاودته لوثة اليانصيب في تلك اللحظة العصيبة، فأغمض عينيه وراح يعدّ الأبواب من على يمينه ويسراه، حتى وصل الباب الثاني والعشرين، ففتحه بهدوء وفي تلك اللحظة باغته نور قويّ، وصوت جاءه من أعماق الغرفة: ادخل يا برجيس.. ولم يعرف برجيس كم أمضى من الزمن ليصل إلى صاحبة الصوت، ولكنه صوت نسائيّ على كلّ حال، وهذا ما طمأنه قليلاً، وحرّضه أيضاً على المغامرة، فهو منذ أن تورّط في العبودية لم يعاشر امرأة، لم يشعر بمتعة الحديث إلى امرأة، فمضى بعزم نحو مخدع حجريّ على شكل قبّة زيّن واجهتها نحتان بارزان لامرأتين عاريتين مدّت كلّ منهما يدها باتجاه الأخرى، ولكنهما لم تتمكنا من الوصول، لأن مصمم القبّة شاء أن يجعل المدخل بين جسديهما، فظلّت اليدان ممدودتان في فراغ سيقتحمه برجيس بعد قليل. ومنذ تلك اللحظة ستنقطع صلته بالعالم الخارجي، ويدخل في زمان آخر.. بل ربّما مكان شديد الخصوصية ينعدم الزمان فيه، ولذلك فإنه منذ تلك اللحظة لم يعد يعرف كم مرّ عليه من الأيام أو الشهور أو الأعوام، فالصوت النسائيّ ذاته قاده إلى مجموعة لا حصر لها من النوافذ الصغيرة على مدار القبّة، ومن كلّ نافذة ينبجس ضوء يتّجه إلى ناحية من نواحيها، لكنّ القبّة ذاتها كانت خالية من كلّ شيء، ولا حتّى صاحبة الصوت التي كان يحلم بلقائها، فوقف في منتصف المساحة شبه الكروية محتاراً في ما سيفعله داخل هذا الكرنفال اللوني الصاخب، ولكنه لمّا لم يكن يشعر بالزمان، فإنه لم يشعر بالقلق، وإنما انتابه فضول كبير في النظر إلى ما وراء إحدى هذه النوافذ، فعاودته جسارته، فاقترب من إحداها، فأفضت به إلى زمان ومكان لا يعرفهما، ومجموعات كبيرة من البشر تتحارب بنار كالصواعق، تنطلق من كتل حديدية ضخمة، يقف خلفها رجال أشداء، لن يلبثوا بدورهم أن يتطايروا في السماء أشلاء بفعل صاعقة جاءت من الطرف المقابل، ويومها ما كان برجيس يعرف أنه يعاين زمناً اسمه القرن العشرين، وستمر أحداث وأحداث قبل أن يدرك أنه يعاين الأرض بأفراحها وأتراحها من هذا المكان، بل إنه في كلّ انتقال كان يشاهد أحداثاً حدثت وأخرى لم تحدث بعد.. شاهد بحاراً، شاهد أنهاراً وغابات، شاهد بشراً يساقون مكبّلين في سفن ضخمة إلى جهة ما، شاهد أعراساً باذخة، شاهد طائرات تقلّ أناساً إلى مصائر مجهولة، ولكنه في النهاية أشاح وجهه عن كلّ هذا القتل متّجهاً نحو نافذة قصية، وكأنه خاف أن تلحق به إحدى هذه الصواعق الطائرة، ولكن فضوله كان في ازدياد، وهذه الأنوار المقتحمة فضاء القبّة كانت تغريه في النظر، وعندها تذكّر رقمه المحبوب، ومن جديد راح يعدّ النوافذ حتى وصل إلى الرقم 22، ونظر، فرأى زمناً ليس ببعيد.. رأى نفسه يراهن في حانة حليسي، كان يضع لوحاً تحت رجله، ويصرخ بالأرقام مثاراً إلى أقصى حدّ، رأى موكب العربات وسيده ناباذ وهم في الطريق إلى يمحاض، رأى زملاءه قلقين في ساحة المعبد بعدما أضناهم الانتظار، وأخيراً عندما وصل إلى سيّده ناباذ، رآه يجلس متربّعاً على دكّة حجرية، وأمامه وعلى دكّة أعلى منه بقليل جلست كاهنة شاحبة، كانت تقول له في تلك اللحظة: أما الآن فانظر بعينيّ يا ناباذ.. انظر جيداً.. وراح ناباذ ينظر بعينيها للحظات، ثمّ ما لبث أن استكان كالأطفال، ولمّا تمض لحظات حتّى رأى سيّده وقد استحال إلى فتاة تركض عارية في سهول خضراء فسيحة، وثمة شاب قويّ يتبعها.. وكان مثلها عارياً أيضاً، ستحاول الفتاة جاهدة ألاّ تقع بين يديه، ولكنه سرعان ما ينقضّ عليها كوحش مفترس جاع ألف عام، سيوقعها أرضاً فوق الحشائش الطريّة، ستحاول منعه ما أمكنها، سوف... ويصرخ ناباذ تلك الصرخة الهائلة الموجوعة. وعندها ستنهض الكاهنة، سترفع يدها قليلاً، ثمّ تقول له: نمّ الآن ياناباذ، واهنأ بنومك، فقد قبلنا هَديك، ولن نرجعك خائباً إلى سيماز. أما عبدك برجيس، الذي أطلعناه على بعض أسرارنا، والتفتت إلى حيث كان برجيس ينظر، فقد حررناه منذ الآن، ولن يعود معك إلى سرابيس. نظر ناباذ إلى حيث أشارت الكاهنة، ولكنه لم ير شيئاً.. وكان النعاس قد ألّم به، فنام على الدكّة ذاتها، بينما اتّجهت الكاهنة إلى حيث كان برجيس يقف مصعوقاً مما رآه. وعند وصوله إلى هذه النقطة الحاسمة من الحكاية تلاشى صوت العم إسماعيل، فمدّ يده إلى علبة التبغ، وراح يلفّ لفافة بهدوء مفتعل، وكنّا كعادتنا متلهفّين لمعرفة ما جرى بعد ذلك لناباذ وحبيبته سيماز.. بل وكنا متلهّفين أكثر لما جرى لبرجيس الذي احتفظت به الكاهنة، ولكن العمّ آثر الصمت. وظلّ هذا السؤال حبيساً في داخلي سنيناً طويلة، إلى أن شرعت بكتابة هذه القصّة، وعندها أدركت أن ناباذ وبرجيس لم يكونا إلاّ شخصاً واحداً هو عمّي إسماعيل، يقف في منتصف بناء كرويّ تحتله مجموعة لا حصر لها من الكوى الصغيرة، ومن كلّ كوّة ينبجس منها ضوء يتسلّقه عندما يشاء، لكي يعاين زمناً بات حكاية يمكن إعادة إنتاجها باحتمالات شتّى.