على امتداد سنوات عديدة، ظلت منطقة الخليج تحظى بأهمية كبيرة بالنسبة لاهتمامات وأولويات الولايات المتحدة ودول العالم الصناعي، واوضحت حرب الخليج الثانية ، وما تبعها من حضور عسكري اميركي تمثل في الافراد والمعدات في عدة دول خليجية مدى اهمية الخليج بالنسبة لصانعي السياسة الاميركية والتزامهم بالحفاظ على أمنه استقرارها. وادت الحرب على الارهاب وما اعقبها الى تأكيد الحاجة الى هذا الحضور الاميركي، على الاقل من منظور واشنطن. ويناقش مؤلف هذا الكتاب الصادر عن معهد الدراسات الاستراتيجية التابع لكلية الحرب الاميركية الاسئلة الحرجة حول الوجود العسكري الاميركي في الخليج والتحديات التي تواجه والآفاق المستقبلية له، ويبدو مدى حيوية هذه المناقشة اذا تذكرنا ان الكتاب صدر في مارس الماضي. ويعتمد المؤلف في تحليله على العديد من المصادر الاقليمية، من بينها التقارير الصحافية والمقابلات الشخصية التي اجراها في الولايات المتحدة ومنطقة الخليج ومصادر حكومية واكاديمية شتى.وكانت المحصلة النهائية لهذا الجهد هي هذه الدراسة التي تشمل توصيات سياسية لصانعي القرار العسكري والمدني في الولايات المتحدة، والتي تساعد على فهم موضوع العلاقات الخليجية ـ الاميركية الذي لا يمكن وصفه بالبساطة او الخلو من التعقيد. وفي هذه الدراسة، يناقش المؤلف تاريخ الوجود العسكري الاميركي في منطقة الخليج وتطوره ويركز على المصالح القومية الاميركية في المنطقة، مشيدا، بالدور الذي لعبه الحضور السياسي والعسكري الاميركي في خدمة هذه المصالح. ويعدد المؤلف المصالح الاميركية في المنطقة موضحا انها تتركز في النفط وأمن إسرائيل ـ استقرار وأمن المنطقة، ويؤكد ان السياسات الاميركية تجاه الخليج تتأثر بالتطورات الحادثة في الشرق الاوسط. وتتعارض السياسة الاميركية في الشرق الاوسط الداعمة لاسرائيل مع سياسة الاحتواء المزدوج التي تمارسها ضد أمن العراق وايران. المؤلف وجوهر ما يحاوله قبل التطرق الى جوهر هذه الدراسة التي يضمها الكتاب الذي نناقشه هنا قد يكون مفيدا ان نتذكر ان مؤلف الكتاب هو دكتور سامي ج. حجار الذي ولد في بيروت وقام بتدريس العديد من المساقات ومن بينها الحكومة الاميركية، الحياة السياسية للشرق الاوسط والنظرية السياسية الاسلامية في جامعة وايومنج التي عمل استاذا للعلوم السياسية بها خلال السنوات من 1966 الى 1987 وخلال وجوده هناك عمل لمدة عامين بمكتب حاكم الولاية وفي 1987 التحق بهيئة الاستعلامات الاميركية حيث عمل على التوالي في الرياض وأبوظبي وواشنطن. وفي 1993 استقال من الخدمة الخارجية الاميركية ليلتحق بأحد مراكز الابحاث الخليجية وفي سبتمبر 1994 وحتى تقاعده في يناير الماضي عمل بكلية الحرب التابعة للجيش الاميركي استاذا ثم مديرا لمركز الدراسات الشرق اوسطية. وهو في الوقت الحالي ينجز مهمة لمعهد الدراسات الاستراتيجية وقد نشر اكثر من ثلاثين بحثا في الادارة العامة والعلوم السياسية ودراسات الشرق الاوسط. وعلى الرغم من ان صفحات هذا الكتاب لا تتجاوز 75 صفحة الا انها تستمد اهميتها الفائقة من طبيعة الجهد الذي يتصدى المؤلف لانجازه، فهو يناقش كما سبقت الاشارة تاريخ الوجود الاميركي في الخليج وتطوره، ويركز على المصالح الاميركية في المنطقة ويقوم الكيفية التي تخدم بها السياسات الاميركية والوجود الاميركي هذه المصالح، كما يناقش المنظور الاقليمي حول الوجود الاميركي والتصورات بعيدة المدى بشأنه. وبصراحة ووضوح يتم تحديد الوصول الى النفط وضمان امن اسرائيل واستقرار المنطقة وامنها كمصالح اميركية دائمة، ويذهب المؤلف الى القول ان السياسات الاميركية الخاصة بالخليج تتأثر بالتطورات التي تقع في مناطق اخرى من الشرق الاوسط، ويقدم المؤلف دراسة للتحديات الامنية والسياسات الاميركية التي تستهدف ادارة هذه التحديات وتقويما اقليميا للوضع العسكري الاميركي، ويفصل القول فيما يتعلق بمواقف دول الخليج حيال الوجود الاميركي في المنطقة، ويلاحظ ان كل دولة من دول المنطقة تنظر الى علاقتها مع الولايات المتحدة بصورة مختلفة، ويحقق التحليل اطلالة على السياسات الخليجية الاقليمية والاهتمامات الامنية. ويتناول الجزء الاخير من الكتاب الحرب على الارهاب والنتائج المترتبة عليها. ويخلص المؤلف الى القول انه حتى الحادي عشر من سبتمبر كان حجم وقوام ومهمة الوجود الاميركي في الخليج مناسبا لادراك التهديد المفترض، وان الحرب الراهنة على الارهاب والتحولات الامنية المستقبلية التي قد تبرز ربما تترك تأثيرا على طبيعة الوجود الاميركي. غير ان المؤلف يلاحظ ان هذا الوجود لاينبغي ان يكون بارزا لاسباب يصفها بأنها ثقافية وسياسية، ويطرح عددا من التوصيات التي يراها جديرة بمناقشة مطولة. البداية المبكرة منذ استقلالها والولايات المتحدة لها مصالح وعلاقات مع الشرق الاوسط، وكان المغرب اول دولة عربية تقيم علاقات مع الدولة الاميركية الجديدة عام 1866، كما انشأت البعثات التبشرية الاميركية الكلية البروتستانتية السورية في لبنان، والتي تحولت فيما بعد الى الجامعة الاميركية في بيروت. وفي اوائل القرن العشرين، كان رجال الاعمال الاميركيون مسئولين عن الاكتشافات النفطية الرئيسية في المملكة العربية السعودية، والاكثر من ذلك ان الفريد تاير ماهان الضابط والاستراتيجي بالبحرية الاميركية هو الذي صاغ اصطلاح «الشرق الاوسط» وكان يقصد بها المنطقة الواقعة بين شبه الجزيرة العربية والهند مع مركزها ـ من وجهة نظر الاستراتيجي البحري نفسه ـ في الخليج. وقد بدأت علاقات الولايات المتحدة مع هذا المركز في 21 سبتمبر 1833 عندما وقعت اتفاقية تفاهم وتجارة مع عمان، ومنذ ذلك الحين اتسع نطاق الحضور الاميركي في منطقة الخليج، وتعمق، مؤكدا اهمية النفط في عالم الاقتصاد والاهمية الجغرافية الاستراتيجية للمنطقة اثناء الحرب الباردة. وفي اعقاب حرب الخليج الثانية ازداد الحضور الاميركي بسبب العقوبات التي فرضتها الامم المتحدة على العراق وسياسة احتواء من وصفوا بـ «اللاعبين المارقين» في المنطقة. وقبل ان يغادر الرئيس كلينتون البيت الابيض تلقى تقريرا عن تدعيم الامن في المنطقة عرف فيما بعد باسم «استراتيجية الامن الوطني» جاء فيه: «ان الولايات المتحدة، وهي تسعى الى تحقيق سلام عادل ودائم وشامل في الشرق الوسط، تؤكد على اهمية امن ورفاهية اسرائيل ونساعد شركاءنا العرب على تحقيق امنهم، والوصول الى مصادر الطاقة، واستراتيجيتنا تعكس هذه المصالح». وفيما يتعلق بمنطقة الخليج (جنوب غرب آسيا) جاء في التقرير نفسه مايلي: «ان هذه المنطقة يجب التركيز عليها وعدم تعرضها للتهديد من اجل الاستقرار الاقليمي وامن مصادر الطاقة والوقوف في وجه التهديدات التي تشكلها الدول التي تمتلك اسلحة الدمار الشامل وحماية امن شركائنا في المنطقة خاصة من التهديدات. اننا سوف نستمر في تشجيع اعضاء مجلس التعاون على ان يعملوا معا وبطريقة وثيقة من اجل التوصل الى ترتيبات دفاعية وامنية جماعية ومساعدة كل دولة من دول مجلس التعاون للوفاء وبمتطلباتها الدفاعية وتحقيق العلاقات الدفاعية الثنائية. المصالح الاميركية في المنطقة كانت ثابتة منذ بداية الحرب الباردة واعلان هذه المصالح عن طريق ادارتي الحزبين الديمقراطي والجمهوري. فعدنما غزا العراق الكويت فان التهديد كما وصفته ادارة بوش كان يأتي من بين الاهتمامات الاستراتيجية الاميركية الراسخة. وقد اخطأ صانع القرار العراقي في حساباته عندما لم يدرك الى اي مدى يمكن للولايات المتحدة ان تدافع عن مصالحها الحيوية، بما في ذلك الاستعداد لقطع الشوط كاملا. وكانت النتيجة ذلك التحالف الذي تم تشكيله بمهارة من الدول العربية والغربية، حيث حقق هذا التحالف هدفه المتمثل في تحرير الكويت. وفي اعقاب الحرب، انتهزت الادارة الاميركية فرصة المناخ السياسي الجديد، لكي تعقد مؤتمر مدريد للسلام في اكتوبر 1981، لاعبة بذلك الدور الذي كان يقوم به الاتحاد السوفييتي السابق، واصبح هذا المؤتمر قاعدة انطلق منها الشرق الاوسط الحالي. وبعد حرب الخليج الثانية ايضا تحدثت ادارة بوش عن «النظام العالمي الجديد» وقد ساهم الخليج في توفير فرصة تاريخية لاقامة هذا النظام، حين صرح الرئيس بوش بقوله: «اننا نرى ان الامم المتحدة تلعب الدور الذي كان يحلم به مؤسسوها في اتفاق الدول الرائدة في العالم وتوقيع العقوبات ضد العدوان». لكن هذه السياسة لم تستمر طويلا لعدة اسباب منها هزيمة بوش في انتخابات 1992 والاهم من ذلك ان العالم ترجم عبارة «النظام العالمي الجديد» على انها تعني سيطرة اميركية على الشئون العالمية داخل الامم المتحدة وخارجها. وبعد عام واحد، اعلنت ادارة الرئيس كلينتون رؤيتها الاستراتيجية الخاصة التي سميت التدخل والتوسع والتي تشير الى ان الولايات المتحدة تمارس قيادة العالم عن طريق التدخل بطريقة منتقاة في مواجهة التحديات التي تؤثر على مصالحها الخاصة والسعي الى توسيع دائرة الدول الديمقراطية في العالم. وفي حين ان كلينتون سار على عكس الاتجاه الذي كان يسير فيه سلفه في طريق الاستراتيجيات الديمقراطية في الشئون الخارجية، الا ان ادارته اعتمدت على رؤية بوش، الاستراتيجية الخاصة بالسلام الديمقراطي. وفيما يتعلق بالشرق الاوسط بذلت الادارة الاميركية الجديدة جهودا كبيرة لتحقيق السلام بين اسرائيل والعرب وكانت وراء المصافحة الشهيرة عام 1994 بين ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل الراحل اسحق رابين، الى جانب توقيع اتفاقية سلام بين إسرائيل والاردن عام 1996. اما في الخليج فان ادارة كلينتون استمرت في مطالبة العراق بتنفيذ قرارات الامم المتحدة من دون شروط. وكانت السياسات التي انتهجتها الادارات الاميركية المختلفة في الشرق الاوسط منذ بداية الحرب الباردة قد تأثرت كثيرا بالاستراتيجية الكبيرة لاحتواء الاتحاد السوفييتي. وكانت اول سياسة واضحة تعتمد علي مبدأ ترومان في مايو 1951، وقد انشأت برنامجا امنيا مزدوجا يستهدف مساعدة الدول الحرة في الشرق الاوسط «التي تمتلك نصف الاحتياطي النفطي في العالم، كما قال ترومان ومقاومة الضغط السوفييتي ومساعدة دول الشرق الاوسط على زيادة الامن والاستقرار. وساهمت ادارة ايزنهاور، ودعمت انشاء حلف بغداد عام 1956 باعتباره تحالفا امنيا يضم العراق، وباكستان وايران والمملكة المتحدة، وكان من المفترض ان يكون حلف بغداد امتدادا لخط الناتو من تركيا الى الهند. ومع ذلك فقد انهار حلف بغداد بسبب ثورة العراق عام 1958 التي انهت السياسة الموالية للغرب التي تبنتها بغداد قبل الثورة الى جانب ظهور الروح القومية المعادية للغرب في السنة نفسها في ايران خلال فترة حكم رئيس الوزراء الايراني دكتور محمد مصدق. وعندما بدأت لندن في تغيير سياستها بالنسبة للمنطقة عام 1970 وتحقق استقلال الدول الخليجية حدث فراغ امني وبسبب عقدة فيتنام، كان التدخل الاميركي المباشر في الخليج غير ممكن، وبدلا من ذلك اعتمدت الولايات المتحدة على شاه ايران في ملء ما وصف بالفراغ الاقليمي. ومن اجل تحقيق ذلك قامت ادارة نيكسون بتقديم جميع المساعدات المادية الى الشاه لتمكينه من تحقيق هذا الدور الى جانب احكامه السيطرة على مجريات الامور في بلاده. وكان اقصاء الشاه عام 1979 في قمة لحظة تاريخية لها دلالتها في الثورة الايرانية ايذانا لسياسة اميركية جديدة تحت ادارة الرئيس ريجان، وكان جوهر هذه السياسة هو استغلال الحرب العراقية الايرانية التي اندلعت عام 1980 في السعي لايجاد توازن للقوة العسكرية بين الدولتين المتحاربتين من اجل ان تكون الحرب بينهما طويلة الاجل، ومن اجل اضعافهما ومنع اي دولة معادية للغرب في المنطقة من السيطرة على المنطقة. وكان الغزوالعراقي للكويت عام 1990 الذي ادى الى قيادة الولايات المتحدة لقوات التحالف الدولي لاعادة ترتيب الوضع الراهن، وانهيار الاتحاد السوفييتي ايذانا بنشوء مناخ جديد في المنطقة وساهم هذا المناخ في اعطاء الفرصة لادارة بوش لعقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 واطلاق عملية السلام في الشرق الاوسط. مفهوم الاحتواء المزدوج في خطاب مهم القاه في 18 مايو 1993 حدد دكتور مارتن انديك مدير شئون الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي سياسة ادارة كلينتون في الشرق الاوسط، حيث بدأ الحديث عن مناخ امني جديد في المنطقة يشمل استمرار مفاوضات السلام العربية ـ الاسرائيلية، توزان القوى في الخليج بحيث، تكون القوى التي تهدد مصالحنا يتم تخفيضها الى ادنى درجة. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وانهيار جبهته الراديكالية الرافضة في الشرق الاوسط التي كانت تعارض عملية السلام وظهور حركات متشددة تعارض بعض حكومات في العالم العربي مع امكانية زعزعة الاستقرار في المنطقة، تم اعلان سياسة ادارة كلينتون بقوله: الاعتماد المتبادل بين الدول الشرقية والغربية في المنطقة واحتواء تهديدات العراق وايران في الشرق سوف يؤثر على مقدرتنا في ترويج السلام بين اسرائيل وجيرانها العرب في الغرب. والشيء نفسه فان ترويج السلام العربي الاسرائيلي في الغرب سوف يؤثر على مقدرتنا في احتواء تهديدات العراق وايران في الشرق وان نجاحنا في الاتجاهين سوف يؤثر على مقدرتنا على مساعدة الحكومات الصديقة في توفير حياة افضل لشعوبها. الاستراتيجية الاميركية في الخليج كانت الاستراتيجية الاميركية بالنسبة للمنطقة تحركها اساسا ثلاثة عوامل او بالاحرى ثلاث مصالح: ـ النفط ـ الموقع الاستراتيجي الجغرافي للشرق الاوسط ـ الحرب الباردة وبعد الحرب العالمية الثانية، اصبح احتواء الاتحاد السوفييتي عنصرا دقيقا، نظرا للزيادة المضطردة للوجود العسكري الاميركي في الشرق الاوسط. ولم تقرر الولايات المتحدة انشاء قوة الانتشار السريع الا في عهد الرئيس كلينتون لتوفير التحرك الاستراتيجي في الخليج وكوريا. هذا القرار عكس الاهتمام الاميركي بالمشكلات الاقليمية في كل من الخليج وشبه جزيرة كوريا واصبح هذا الاهتمام هو قاعدة تكون بمقتضاها القوات الاميركية مستعدة لخوض حربين في وقت واحد والنصر فيهما. كان التدخل السوفييتي في افغانستان وانهيار نظام الشاه في ايران عام 1979 مؤشرين واضحين الى ان الامن في الخليج يعتمد على سياسة نيكسون المعروفة باسم «العمودان» والتي بمقتضاها يتعين عى طهران والرياض ان تلعبا دورا بارزا في تحقيق الامن في الخليج الى جانب الولايات المتحدة. في تقريره الاخير للرئيس والكونغرس اوضح وزير الدفاع الاميركي السابق وليام كوهين انه في حين ان المناخ الامني في بداية القرن الجديد يعد ايجابيا الا ان العالم لايزال معقدا وخطيرا وحدد التحديات الامنية التي تواجه الولايات المتحدة وذكر على وجه التحديد خمسة انواع من التحديات. ـ الصراع الحدودي يعد تهديداً في جنوب غرب اسيا منذ ان دأب العراق على تهديد جيرانه وللتدفق البحر للنفط من المنطقة. ـ الصراع الداخلي. ـ تزايد التقنيات العسكرية الخطيرة. ـ التهديدات الانتقالية مثل تهريب المخدرات والجريمة المنظمة. ـ التهديدات الانسانية مثل المجاعات والهجرة والكوارث الاخرى التي يصنعها الانسان. ويعد الارهاب اليوم الاهتمام الامني الاكثر دقة بالنسبة للولايات المتحدة غير ان المؤلف يشير الى انه ليس هناك تحديات امنية اخرى في الخليج ترتبط بالوجود الاميركي في المنطقة. وفي حين ان اسامة بن لادن ومؤيديه يمثلون تهديدا للاميركيين ومصالحهم الا ان هناك مصادر تهديد اخرى لايمكن تجاهلها تدور حول الدول التي حددتها الولايات المتحدة بانها «دول ترعى الارهاب». المسئولون الاميركيون الذين يعملون في الخليج والذين تربطهم صلة بصانعي القرار يدركون تماما ان وجهات النظر حول السياسة الاميركية في الشرق الاوسط تميل الى التأييد في المناقشات الدبلوماسية الخاصة اما في العلن فان الامور قد لا تكون كذلك بالضرورة. ومن بين كل دول الخليج تظل الكويت هي الدولة المؤيدة صراحة للوجود الاميركي في المنطقة لان النظام العراقي لم يتغير بعد منذ الغزو في عام 1990 حسب الرؤية الاميركية. كما ان الكويت اصبحت اكثر حساسية للدفاع عن امنها حتى انها اشترت من الولايات المتحدة خلال العقد الماضي اسلحة قيمتها ستة مليارات دولار اميركي من بينها طائرات اف 18. والى جانب ذلك فان الكويت تدفع الحصة الاكبر في نفقات الوجود العسكري الاميركي. وبين الترحيب الكويتي والحذر التقليدي لدول اخرى تتباين مواقف الدول الخليجية تجاه الوجود الاميركي في المنطقة. فالمملكة العربية السعودية، التي تعد اهم دولة خليجية بالنسبة لمصالح السياسة الاميركية والتي لها مع الولايات المتحدة علاقات امنية طويلة الامد، يبدو انها ليست مع الاتجاه الكويتي او الاتجاه الحذر فهي تؤيد الوجود الاميركي وما يتبعه من سلاح اميركي لكنها في الوقت نفسه تتسم سياساتها بالحساسية تجاه هذا الوجود. ونتيجة لذلك فان مهمة التدريب العسكري الاميركية تتعامل بطريقة وثيقة مع الجيش السعودي كما تعد جزءا من وزارة الدفاع والطيران السعودية. ويقول مسئول بالسفارة الاميركية لدى الرياض ان بعثات التدريب تشكل العمود الفقري للعلاقات العسكرية بين البلدين. وهذا التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة لايعني ان المملكة العربية السعودية ترتب اولوياتها وفق التصور الاميركي وابرز برهان على ذلك التقارب السعودي الملحوظ مع ايران خاصة بعد مجيء الرئيس محمد خاتمي الى الحكم في طهران. الحرب على الارهاب الحادي عشر من سبتمبر 2001 تمثل هجماته، قبل اي شيء اخر هجوما على رموز اميركية، فمركز التجارة العالمي يمثل رمزا شعبيا والهجوم على البنتاجون يمثل رمزا عسكريا والهجوم الذي كان مخططا له على البيت الابيض يمثل رمزا للحكومة الاميركية. واذا صح ان تنظيم القاعدة هو الذي وقف حقا وراء كل ذلك فانه يريد ان يبعث برسالة مفادها ان امن الاراضي الاميركية معرض للخطر مالم يشعر المسلمون بالامان في اراضيهم. ومن المؤكد ان التاريخ سوف يكتب الكثير في المستقبل من التحليلات حول الحرب الاميركية ضد الارهاب. ومن اجل اهداف هذه الدراسة يبرز سؤال محوري: كيف اثرت هذه الحرب على السياسات الاقليمية والتحديات ومستقبل الوجود العسكري الاميركي في الخليج؟ وبعد اشهر قلائل من الهجوم في 11 سبتمبر على الرموز الاميركية اكدت كل الدلائل ان الحرب تركز على قضايا استراتيجية مهمة من بينها «صراع الحضارات» تلك النظرية التي ظهرت في العالم العربي في اعقاب حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفييتي حتى قيل ان الاسلام والعرب هم اعداء الغرب، وان تصريحات اسامة بن لادن لقناة «الجزيرة» كانت تصب في هذا الاتجاه، وعاد الرئيس بوش لكي يؤكد ان الحرب على الارهاب وليست على الاسلام. ومثلما اكتشف الرئيس الاميركي الاب بوش ان هناك رابطة بين حرب الخليج والصراع العربي ـ الاسرائيلي، فان بوش الابن اكتشف وجود رابطة بين الحرب على الارهاب والصراع القائم في الشرق الاوسط فشركاء التحالف العرب والمسلمون لايستطيعون المشاركة في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الارهاب مالم تتخذ الولايات المتحدة موقفا متوازنا تجاه الفلسطينيين الذين يعتبرون ضحايا للقمع الاسرائيلي. وبدأت ادارة بوش ترفع يدها عن عملية السلام في الشرق الاوسط وتركت لرئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون مهمة التعامل مع الانتفاضة الفلسطينية على هواه، ولكن بعد اسبوع من هجمات 11 سبتمبر اعلن بوش تأييده لاقامة دولة فلسطينية مستقلة. وعلى الرغم من كل ما حدث فان العرب والمسلمين يظلون الطرف الخاسر في الطريقة التي تعالج بها الولايات المتحدة قضية الارهاب، فلايزال التنكيل والتعذيب وعمليات القتل والابادة للفلسطينيين على ايدي ارييل شارون مستمرة ولاتزال الادارة الاميركية بعيدة عن بلورة سياسة تعكس حدا ادنى من امكانية النجاح في معالجة صراع الشرق الاوسط.