على مسافة ستة أميال قبالة سواحل مدينة هارويتش الانجليزية تقبع، في مياه بحر الشمال، منصة ضخمة من الاسمنت والفولاذ، كانت برجا للمدافع المضادة للطيران، بناه الاسطول البريطاني، وتخلى عنه بعد الحرب العالمية الثانية، ليصبح بعد ذلك منطقة تنادي بنفسها كأقليم ذي سيادة، مستقل بنفسه! لكن هذا الرصيف الخرب المتداعي اصبح الآن يأوي واحدا من اكثر المشروعات اثارة في عصر الانترنت وهي شركة «هافنكو» التي تعد اول ملاذ بحري آمن للبيانات في العالم. قبل عامين تحالف شاب متمرس في تقنية المعلومات يدعى ريان لاكي مع مجموعة ضمت كتاب شيفرة اميركيين ومقاولين بريطانيين لانشاء شركة «هافنكو» وكانت الفكرة الرئيسية هي الاستفادة من سيادة «سيلاند» المعلنة ذاتيا لكسب المال باستغلال القيود المتزايدة المفروضة على حرية الانترنت. وتمثل سيرفرات «شركة هافنكو» لزبائنها ملاذا للمعلومات تضمن فيه حرية التعبير وحرية الحفاظ على خصوصية المعلومات وحرية عدم الكشف عن مصدر البيانات في الفضاء الحاسوبي. فقد حل نذير شئوم على الحريات الخريف الماضي كنتيجة مباشرة لتفجيرات 11 سبتمبر. والقوانين الجديدة التي اقرتها الولايات المتحدة في حالة صدمة بعد الاحداث، خولت العملاء الفدراليين القيام بالاغارة على شركات الانترنت واغلاق العديد من المواقع التي تنشر معلومات تعتبر مفيدة للارهابيين. حتى قبل 11 سبتمبر كان الكثيرون يلقون باللائمة على الانترنت في اعطاء «الاشرار» حرية الوصول الى معلومات خطيرة وتسهيل الامر على المجرمين لكي يغطوا آثارهم. وأشارت السلطات القانونية بأصابع الاتهام بشكل رئيسي الى استخدام تقنيات التشفير القوية ومقدرة انظمة البريد الالكتروني التي تحمل اسم «ريميلر» على اعادة ارسال رسائل الزبائن بحيث يختفي عنوان وأثر المرسل. واستشرافا لهذه الاجراءات الصارمة التي بدأت تفرض على حريات الفضاء الحاسوبي بدأ لاكي وزملاؤه بالبحث عن ملاذ خارج نطاق نفوذ الحكومات. حتى انه فكر في احدى المراحل مع شريكه سين هاستينجز ببناء جزيرة اصطناعية لا تطالها يد القانون لكنهما صرفا النظر عن الفكرة نظرا لارتفاع تكلفتها. ثم تحولا الى الانترنت للبحث عن الافكار. وعندها عثروا على سيلاند وارسلوا خطة مشروعهم التجاري الى «حكومة» سيلاند، وهكذا ولدت شركة «هافنكو» في يوليو عام 2000. يعود تاريخ سيلاند الى عام 1967 عندما قام ضابط سابق في الجيش البريطاني يدعى روي بيتس وزوجته جوان باحتلال منصة المدافع المهملة التي كانت تدعى «برج رافس»، وفي ذلك الوقت كان موقع البرج يعتبر مياها دولية، وهكذا أعلن بيتس في الثاني من ديسمبر عام 1967 المنصة دولة مستقلة ذات سيادة ونصب نفسه اميرا عليها ليصبح لقبه «امير سيلاند». ولم يرق الامر لبريطانيا، وفي عام 1968 ارسلت وزارة الدفاع طائرة مروحية لاخلاء «المحتلين» الجدد. وقرر بيتس الدفاع عن امارته، وأطلق اعيرة نارية في الهواء كاشارة تحذيرية، وتم اعتقاله على الفور وأعيد الى اليابسة لتجري محاكمته. لكن في تلك القضية التي يصفها السيلانديون الآن بالمحاكمة التاريخية، قرر قاضي المحكمة العليا بأن المنصة البحرية كانت خارج المياه الاقليمية البريطانية التي كانت تمتد على عرض ثلاثة اميال في حينه. وشرع سكان سيلاند على الفور في سك القطع النقدية وصنع الاختام الرسمية واصدار جوازات السفر الخاصة بدولتهم المستقلة. في عام سنة 1987 وسعت بريطانيا نطاق مياهها الاقليمية إلى عرض 12 ميلا لتصبح سيلاند بذلك تابعة لها. ولا تعترف الحكومة البريطانية الحالية بسيادة سيلاند ويقول الناطق باسم الداخلية البريطانية ان اي شركة مقيمة هناك. سوف تخضع للقانون البريطاني بما في ذلك قوانين تقييد حريات الانترنت. لكن سيلاند لا تزال تقف متحدية. ويجادل رئيس الدولة الحالي مايكل بيتس، ابن روي، بأن القانون الدولي يجيز توسيع المياه الاقليمية لتطويق دولة اخرى وان ادعاءات بريطانيا واهية ولا اساس لها من الصحة. وهذا هو الوضع الراهن، والوضع القانوني لسيادة سيلاند ينتظر على المحك في محكمة قانونية، ولاشك ان هذا المحك اصبح وشيكاً الآن بعد ان استقرت شركة «هافنكو» في سيلاند. وقد امضى لاكي الاشهر الستة الاخيرة على متن المنصة المائية التي لا يتجاوز حجمها حجم ملعب تنس، منشغلاً في ادارة سيرفرات شركة «هافنكو» مستعيناً فقط بوصلة انترنت تعمل بالاقمار الصناعية وهاتف متحرك للاتصال بالعالم الخارجي، وتصل امدادات الطعام والشراب في بريطانيا كل اسبوع. وتبدو فكرة البحث عن الحرية في مكان مضحك مثل هذا فكرة غربية في ظاهرها. لكن لاكي يسعى وراء الحرية الرقمية التي لا يعيقها ضيق المكان ـ الحرية التي تمنح القدرة على فعل ما يشاء في حرمه سيرفر الانترنت الخاص به بعيداً عن عيون الحكومات والمنظمين والمنافسين وكل من يريد حشر انفه في عمل لاكي الخاص. ويقول لاكي ان القوانين الراهنة الخانقة تنطوي على انتهاك سافر لحقوق الانسان وتقييد الحريات الرقمية على هذا النحو الصارم يعكس اختلالا كبيرا في ميزان القوى بين الفرد والحكومة. ومن الواضح ان لاكي ليس وحيداً في هذه الآراء فهناك عدد متزايد من الشركات والمنظمات وناشطي حرية التعبير يلجأون إلى شركته «هافنكو» لكي يفعلوا ببياناتهم ما يحلوا لهم وبابقائها سرية او نشرها دون اظهار المصدر او توزيعها عبر الانترنت دون الخوف من الرقابة. وهم مستعدون لدفع المال مقابل ذلك، مما يجعل هافنكو من شركات الانترنت القليلة جداً التي تكتسب المال كما يقول لاكي. ويمتلك الزبائن حرية حفظ او نشر أي معلومات يريدونها على سيرفرات هافنكو طالما انهم يطيعون الحد الادنى في سياسة الاستخدام المقبول التي تتبعها الشركة، والتي تتيح اي شيء تقريباً باستثناء صور الاطفال الاباحية. ولقاءالمال المدفوع يحصل الزبائن على راحة البال والطمأنينة إلى ان بياناتهم ستظل محمية مهما كلف الامر. ويقول لاكي: «اذا شعرت ان احد زبائني تم الضغط عليه بالاكراه في المحكمة لتسليم المعلومات فإنني سوف امتنع عن تسليمهم اي معلومة». مضيفاً بأنه ليس هناك اي قانون يجبره على فعل ذلك. واذا جاءت ساعة الحسم، وأغارت السلطات على سيلاند فإن لاكي كما يقول، سوف يدمر السيرفرات ولا يدعها تقع في الايدي الخاطئة. وعلاوة على ذلك ان زبائنه ليسوا مسئولين قانونياً، لان حرية الوصول إلى البيانات سيكون خارج نطاق سيطرتهم. ولا يبدو لاكي خائفاً من تحدي سلطات فرض القانون حيث يقول: «لو طلبت مني الاستخبارات الاميركية المركزية امراً، سوف ارفض الاذعان لهم وسوف اعلن على الملأ انني لم اتعاون معهم، وذلك سيمنحني الكثير من الشهرة والمجد في اعين زبائني». وتؤوي سيلاند الآن مواقع لجماعات سياسية محظورة في بلدانها بما في ذلك موقع «تبيت أونلاين» موقع الحكومة التبيتية في المنفى. كما ان الشركة تملك سيرفرات تبعث الرسائل الالكترونية مع اخفاء مصدرها وعنوان مرسلها. ويرى بعض الخبراء ان نجاح هافنكو محفوف بمخاطر كبيرة لان الحكومة لن تسكت طويلاً على الامر اذا تجاوز الامر وحده. وربما يكون الاختبار الحقيقي وشيكاً جداً اذا قامت الشركة فعلاً، كما سبق ان اعلنت باستضافة موقع «ديسيس» البرنامج الخطير الذي يشل عمل انظمة مكافحة القرصنة المركبة على اجهزة تشغيل اقراص الفيديو. وهذا البرنامج محظور في الولايات المتحدة وصناعة السينما الاميركية تلاحقه قضائياً اينما ظهر ولن تكف يدها عنه في سيلاند. وهنا ستكون المعركة الحاسمة في سيادة مملكة سيلاند البحرية. علي محمد