يعتبر سوق شهلين الليلي الواقع شمالي العاصمة التايوانية تايبيه مكانا شائعا لتجمع الشباب والاشخاص الذين تجاوزوا تلك المرحلة من حياتهم بعد العمل. ويقدم السوق المفعم بالنشاط، والذي يعج بالزوار كل ليلة تقريبا جميع انواع الوجبات الخفيفة بالاضافة الى مجموعة واسعة ومتنوعة من الملابس والاثاث واسطوانات السي دي. وبعد ان يملأ الزوار بطونهم واكياس التسوق فان معظمهم يعتبر انه لم يعد هناك سبب للبقاء في المكان ولكن اولئك الذين يبدون استعدادا لاستكشاف المكان بصورة اوسع نطاقا قد يكتشفون ان حي شهلين يضم عنصر جذب آخر. فعلى شارع تايبيه وهو شارع ضيق يقع على بعد دقائق معدودة مشيا على الأقدام عن اكثر الاقسام ازدحاما في السوق الليلي يقع محل كيوهو تشي الصغير لصناعة السكاكين الذي اسسه كيوهو في عام 1869، وعلى امتداد اكثر من 130 عاما وفي الموقع نفسه عمليا كان المحل يقوم بتصنيع المطاوي (سكاكين الجيب) الخاصة والتي كانت تسمى في الأصل بـ «مطواة باشيهلان» ولكنها سميت بـ «مطواة شهلين» منذ ان اعيد تسمية باشيهلان بـ «شهلين» بعد انتهاء الاستعمار الياباني للجزيرة في عام 1945، ويقول كيو منج يانج، البالغ من العمر 33 عاما وهو احد احفاد كيو المؤسس: «هنالك اعداد كبيرة من المطاوي في السوق ولكن هذه هي المطواة الاولى والوحيدة التي ولدت وترعرعت في تايوان، وهذا هو المحل الوحيد الذي يبيعها». كان كيوهو، الذي تعلم اسرار هذه الصنعة من حرفي كانتوني، هو اول من ابدع سكين جيب فريدة لها مقبض على شكل حبة باذنجان ونصل على شكل ورقة خيزران ومن غير المعروف السبب الذي دفعه الى استلهام هذا التصميم الخاص لكن شكل المقبض يسهل الامساك بالسكين والنصل يعتبر جذابا وفاعلا تماما في القطع والتقشير وحتى في الحلاقة. هنالك ثلاثة اجزاء رئيسية تتألف منها هذه السكين، وهي مقبض من قرن الجاموس ببطانة من النحاس وقفل من النحاس ونصل من الفولاذ المكسو بطبقة من الحديد يتم تجميعها بمسامير نحاسية لتشكيل المطواة. ويوضح كيو منج يانج بانه وعلى الرغم من ان الحديد يصدأ، الا ان التصفيح يحمي الجزء الفولاذي القاسي ولكن سريع الانكسار تماما مثلما يحمي الخشب في قلم الرصاص في الداخل، وبالتالي فانه يزيد من عمر النصل. الفوز بالجوائز وكانت مطواة باشيهلان قد فازت بالعديد من المسابقات في مجال صناعة السكاكين ابان الاحتلال الياباني وعلى الرغم من انها اعتبرت باهظة الثمن نوعا ما الا انها كانت شائعة جدا نظرا لجودتها ومتانتها وسهولة حملها وحتى سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كانت لاتزال تستخدم على نطاق واسع من قبل الناس على اختلاف مشاربهم بدءا من صيادي الأسماك وحتى بائعي بذور الفول. وفي اوج هذا النشاط كان هناك حوالي 20 محلا على طول شارع تايبيه تصنع مطاوي شهلين وكان جد كيو منج واشقاؤه الاربعة يعملون بهذه المهنة ومع ذلك لم يكن العرض يستطيع ان يلبي الطلب لكن التحول الصناعي السريع سبب تغيرات رئيسية في السوق وبعد ان بدأت السكاكين المصنعة آليا والمنتجة بكثرة بالظهور، اصبحت المنتجات المصنعة يدويا اقل قدرة على المنافسة السعرية وتحول الكثيرون من العاملين في هذا المجال الى مهن اخرى من اجل كسب لقمة العيش، وعندما كان والد كيو منج هو الذي يدير المحل، اصبح كيو هوتشي هو محل السكاكين الوحيد الباقي في شارع تايبيه. غير ان كون المحل هو المزود الوحيد لمطاوي شهلين المصنوعة يدويا لم يجعل الوضع اسهل. فيشير كيو منج الى ان حرفيا متمرسا مثله يستطيع باستخدام ادوات بسيطة ان يصنع ثلاث مطاو في اليوم كحد اقصى، لكن مصنعا صغيرا يمكنه ان ينتج ثلاثمئة على الاقل ويقول كيو بهذا الخصوص: «الاسوأ من ذلك هو انه لم يكن هناك شيء اسمه حماية حقوق النسخ قبل اكثر من مئة عام وبالتالي فان بمقدور اي شخص ان ينتج بكميات كبيرة هذه المطواة بمقبضها الذي يشبه حبة الباذنجان ونصلها الذي يشبه ورقة الخيزران، ولا يمكن للمستهلك العادي ان يميز الفرق بين السكاكين المصنعة يدويا وتلك المصنعة آليا من حيث الجودة والاتقان ولكن يمكنهم ان يميزوا الفرق في السعر ولا يرون سببا يدعوهم لشراء السكاكين الاغلى ثمنا». تطوير التصنيع وفي ضوء هذا الوضع وانتشار السكاكين التي تستخدم لاغراض عدة في آن واحد، قام كيو منج بتطوير محله وطريقة تصنيعه بحيث باتت تستهدف اولئك الاشخاص الذين يملكون هواية جمع سكاكين الجيب التي تحمل لمسة فنية وشفرات افضل من السكاكين التقليدية، وشملت التحسينات التي ادخلها كيو منج الشاب على محله انتاج تشكيلة اوسع من المطاوي بأحجام مختلفة ومواد متنوعة ويستطيع الزبائن الآن ان يختاروا بين اثني عشر حجما تتراوح في الطول بين ثمانية اعشار البوصة وست بوصات واحتفظ كيو منج بالطرز القديمة من السكاكين ولكنه ادخل نسخا جديدة تحتفظ بالتصميم الاصلي الاساسي مع خيارات من المقابض البلاستيكية او الخشبية وكذلك الشفرات المصنعة من نوعيات مختلفة من الفولاذ وهكذا استطاع كيو منج، وهو من الجيل الخامس من اسرة كيو ان يحافظ على مهنة اجداده المتوارثة منذ اكثر من 130 عاما ويجعلها تتأقلم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين. ضرار عمير