أفضل صورة شاهدها العالم لم يلتقطها مصور محترف بل رجل علم هو رائد الفضاء الأميركي السابق وليام اندريرز، وأظهرت الصورة التي التقطت عام 1968 من مركبة «أبولو 8» ـ أول مركبة مأهولة في مدار القمر ـ كوكب الأرض طالعاً فوق أفق القمر. كانت تلك أول صورة تظهر الأرض كجوهرة بيضاء وزرقاء متألقة في خواء الفضاء الأسود. سرعان ما أصبحت أثراً كلاسيكياً ملهماً للشعراء ورمزاً لنزعة الايكولوجيا. ويقول يان آرثر بيرتراند، 56 عاماً، وهو مصور فرنسي جوي يعمل منذ عشرة أعوام على التقاط الصور لكوكبنا من الجو: «انها حقاً أجمل صورة ملتقطة على الاطلاق» وقد التقط بيرتراند اكثر من 100 ألف صورة للأرض خلال العقد الماضي فقط، مسلطا الضوء على انماط وخاصيات العالمين الطبيعي والصناعي. وفي هذا العدد الهائل اختار 155 صورة مثيرة وكبرها إلى قياس يتجاوز، عرضه المترين وجمعها في معرض مجاني في الهواء الطلق تحت عنوان «الأرض من الجو: تصوير فوتوغرافي لكوكبنا». ويستمر المعرض حتى أواخر سبتمبر في حديقة متحف التاريخ الطبيعي بلندن، وسيقوم بعد ذلك بجولة في أنحاء بريطانيا، وفي الوقت ذاته تعرض نسخ الصور نفسها في فرنسا وبولندا والسويد وألمانيا وقريباً أيضاً في النرويج وروسيا وهنغاريا ولبنان. لكن عمل بيرتراند يتجاوز بكثير كونه مجرد صور جميلة، فلقد اخذ المصور المستقر في باريس على عاتقه مهمة القيام بمشروع صعب للغاية لا تحده حدود يتمثل في توثيق بيئة الأرض في سجل تسترشد به أجيال المستقبل، وارفاق الصور بنصوص واحصائيات تمنحها سياقاً بيئياً واضحاً. ويقول بيرتراند: «مهمتي تقديم صورة قوية جداً تستثير استجابة عاطفية من المتلقي، والنصوص المرافقة مهمة جداً، ومن دونها لا تساوي صوري شيئاً ولا تقدم الرسالة المطلوبة». والرسالة المحددة هي التنمية المدروسة واحترام البشر والطبيعة على قدم المساواة عن طريق تغيير عادات الانتاج والاستهلاك ويقول بيرتراند ان البشر تركوا علامتهم في كل مكان على وجه الأرض، وبالأخص في الخمسين سنة الماضية فالنمو السكاني والتطور التكنولوجي أحدث تغييرات دراماتيكية في أجزاء كبيرة من المناظر الطبيعية على كوكبنا. وتغطي موضوعات معرض بيرتراند الفوتوغرافي سلسلة هموم البيئة وحقوق الانسان بما في ذلك التغير المناخي، الرعاية الصحية، انتاج الأغذية، التلوث، الكائنات المهددة بالانقراض واستعمال المياه والفقر والأمية والمبيدات الحشرية وتلال القمامة ومصادر الطاقة وحقوق المرأة وقضايا تعداد السكان والصيد المحرم للحياة البرية والتصحر وغيرها من القضايا التي تقلق المهتمين بمستقبل البشرية والأرض. بيت زجاجي ومن بين المعروضات صورة لبيت زجاجي فنلندي في الشتاء مضاء على نحو غريب بأضواء اصطناعية، تؤكد على العلاقة الشائكة في احيان كثيرة بين الطبيعة والزراعة، حقل حنطة أميركي يبعث على التأمل في تجارة الزراعة والجدل الدائر حول التكنولوجيا البيولوجية. صورة التقطت في ألمانيا لرفوف مليئة بنماذج متنوعة من الزجاجات تثير قضية زجاجات المياه والحاويات البلاستيكية وبلاء الادمان على المشروبات الكحولية كما تظهر صورة أكبر مزرعة رياح (توليد الطاقة بطواحين الهواء) بحرية قبالة شواطئ الدانمارك لتثير قضية تطوير بدائل للوقود، وصورة أخرى لسوق في كينيا تباع فيه البضائع المتبرع بها في الغرب تسلط الضوء على الهوة الاقتصادية بين الأمم الغنية والفقيرة. ويخطط بيرتراند لمواصلة العمل على هذا المشروع بقية حياته. ويقول: «من المستحيل انهاء المشروع ما نراه هنا هو البداية فقط، وسيأتي مصورون آخرون بعدي لمتابعة العمل». ولمساعدة المصورين العلماء المهتمين في مراقبة الأماكن التي زارها، يقدم بيرتراند احداثيات جغرافية دقيقة لصوره، معظم صوره ملتقطة في طائرات مروحية حلق بيرتراند فيها أكثر من 3 آلاف ساعة، ويقول بيرتراند: «انا آسف لست مصوراً جوياً، بل مصورا يستخدم المروحيات» وهو يعتبر طائرات الهليوكبتر «دمى سحرية» تمنحك حرية الوصول إلى المواقع النائية والقدرة على التحويم فوق منظر طبيعي معين لفترات طويلة، خلافاً للطائرة العادية التي يتعين عليك فيها ان تختلس الصورة اختلاساً اثناء تحليقك السريع فوق المكان. بدأت رحلات بيرتراند التجريبية التي تضمنت إلى الآن عشرات البلدان في وسط فرنسا حيث كان في شبابه يدير محمية طبيعية وفي سن الثلاثين انتقل إلى كينيا مع زوجته آنا لدراسة الأسود في محمية «ماساي مارا». وهناك انتج أول كتبه المصورة السبعين، ومن خلال عمله كملاح لمنطاد يحمل السياح في رحلات قصيرة للاستمتاع بمناظر الحياة البرية طور بيرتراند حباً للتصوير الجوي. ويقول: من يشاهد المعرض يدرك ان الرؤيا بعين الطير تكشف عن جمال العالم، لكن بالنظر عن كثب يتضح وجود مشاكل خطيرة تهدد كوكبنا يقرأها المتلقي في الحقائق والاحصائيات المقدمة مع الصور ليفهم الاسباب الحقيقية وراء المخاوف حول حالة العالم. «الصورة قوية جداً وأنا اتحدث بصوري الفوتوغرافية. الكرة الأرضية بحد ذاتها عمل فني ونحن جميعاً جزء من الطبيعة التي تعكس أرواحنا». ومن منظور بيرتراند فإن أقوى صورة في معرضه هي صورة مدينة بريبيات الأوكرانية وهي مغطاة بالثلوج، فتلك البلدة الواقعة على بعد ثلاثة كيلومترات من مفاعل تشيرنوبل الذي تم اغلاقه غدت مدينة أشباح، بعد ان اخليت من سكانها البالغ عددهم خمسين ألفاً. لكن أحاسيس بيرنارد ازاء كوكب الأرض ربما تتجسد في الصورة الرئيسية المستخدمة للترويج للمعرض، وتظهر الصورة الملتقطة من فوق مستنقع في السحر الاستوائي في فيوكاليدونيا قلباً أخضر متشكل طبيعياً. علي محمد