يدعوها الناس بالاسواق الشعبية ويقول عنها شاعر مغمور صاحب محل في احدى زوايا هذه الاسواق «بالمتحف الشعبي» التي بدأت باجتذاب افراد الطبقة الوسطى الى جانب الفقراء ومحدودي الدخل، لتلبية احتياجاتهم باسعار رخيصة. ويوضح شاب يدعى كريم سبب تواجده في احد الاسواق الشعبية ان لديه محلاً للالبسة المستعملة في احد الاسواق التجارية في الضاحية الفقيرة من عمان «عمان الشرقية» وانه ونظرا لقلة ذات اليد ولعدم قدرة المحل على توفير ارباح كافية «لتغطية الايجار والشئون الاخرى» فقد ارتاح لفكرة مشاركته في مثل هذه الاسواق نظرا لانها توفر له ربحا اسبوعيا معقولا من المال يمكن له «ان يساهم في دفع بعض الفواتير والضرائب». ويضيف كريم الذي يحمل شهادة الدبلوم في الرياضيات والتي وضعها على احد رفوف غرفته ان المواطن بدأ يعتاد على حياة الضنك التي خلقتها الظروف الاقتصادية الصعبة في البلاد، فعمد بعد ذلك الى اصطياد الفرص السانحة من اجل تحسين مستواه «الغذائي والمعيشي» وليس الاقتصادي ـ على حد قوله ـ مشيرا الى ان المواطن صاحب الصلة اذا لم يستفد من هذه الفرص مثل الاسواق الشعبية او حتى يشكل بنفسه فرصا مثيلة، فانه بالتأكيد لن يستطيع مواصلة حياته بصورة انسانية كريمة. في منطقة «سيارات الشام ـ عمان» منذ ليلة الخميس تبدأ الحركة تدب في اوصال مجمع العبدلي بحيث تتحول المنطقة الى خلية نحل ينشغل فيها الاعضاء بترتيب سوقهم الذي سيعج بالمواطنين والمتسوقين من الفقراء وغيرهم صباح الجمعة الى ساعة المساء حيث ينفض المشتري والبائع الى حاجاته الاخرى بعد ان يكونا قد لحفتهما الشمس الحارة خصوصا في هذه الايام، والبرد القارص في فصل الشتاء والامر عند الباعة والمشترين سيان المهم لدى الفئة الاولى ان تبيع ما لديها من بضائع والمهم لدى الفئة الثانية ان تشتري هذه البضائع بثمن بخس دراهم معدودة. سوق الجمعة الذي في وسط مجمع العبدلي سيتحول منذ صباح الجمعة الى ساحة كبيرة موزعة بين الباعة حسب بضائعهم ودرجة الاقبال عليهم من حيث اسعارهم وجودة بضائعهم وشدة الطلب عليها من كافة شرائح المجتمع سواء اهالي المنطقة القريبة او من باقي مناطق عمان الى المحافظات الاخرى. ويؤمن الباعة «بتزاحم الرزق عند تزاحم الاقدام» ولان هذه الاقدام ليست صاحبة خطوات واسعة وقادرة فان كلا من البائع والمشتري تعاقدا على ان «يرزّق» هذا البائع، ويرحم ذاك المشتري. وقد اعتاد المسئولون عن السوق على الطريقة المثالية لتوزيع البسطات و«العربيات» وبصورة متناسقة بحيث يستطيع المواطن التنقل بينها بيسر وسهولة. اما عن رواد السوق فهم من اصحاب الدخل المحدود وشريحة الطبقة الوسطى الذين انهكتهم الاوضاع الاقتصادية المتردية في البلد، حيث يؤم كل هؤلاء المكان بحثا عن سلع رخيصة الثمن وعلى وجه الخصوص في اوقات بدء الموسم الدراسي او في الاعياد. ولهذه الاسواق بالنظر الى روادها ميزة مثيرة للغاية وهي انها استطاعت ان تجمع في آن معا السيدة من الطبقة الوسطى والبرجوازية «الليدز» مع الخادمة او مدير المؤسسة وموظفه البسيط.. وكل يبحث عما يشتريه. اضافة الى استغلال بعض الجنسيات غير العربية لهذه الاسواق ـ وسوق الجمعة في العبدلي بالتحديد ـ لبيع ما يملكونه وما جلبوه معهم من بلادهم على ان اكثرهم تواجدا الصينيين. ونظرا لوجود معظم مواقف الباصات والسرفيس لكافة انحاء المملكة شمالا وجنوباً قرب «سوق الجمعة» فان ذلك ما يزيد من اغراء المواطنين الذين لا يملكون ما يقل حاجاتهم الكثيرة في العادة ولكن قرب السوق الى المجمع يسر عليهم كثيرا فما هي الا خطوات قليلة حتى يصل المشتري الى المركبة التي ستقله الى منزله. وهذا ما يجعل الوصول الى السوق سهلا فضلا عن ايجاد نوع من الحيوية لهذا المجمع الذي كان يخلو ايام الجمع من المواطنين والكثير من وسائل النقل وينشّط السوق الشعبية حركة المواصلات والتسوق بعد ان يتحول المكان لنقطة جذب لجميع طبقات المجتمع مما يجلب المنافع حتى لاصحاب المتاجر و«الاكشاك» المحاذية له. اما الامر المميز للسوق فهو تنوع الجنسيات التي ترده سواء من قبل الباعة او المشترين فهناك تجد الاردني والمصري واللبناني والسوري والعراقي. وفي السوق اكثر من ذلك كل شيء من الملح الى البدلات وبدلات العرايس.. كل ما يمكن ان تتذكره موجود فيه، وباسعار ليست تنافسية بل باسعار تحطم دوما السقف وتجعل من قدرة المواطن على الشراء ممكنة، وممكنة جدا. المواطنة ام محمد العبد ربه اسرة متواضعة الحال وتبلغ من العمر ما يقارب الخمسين عاما اكدت لدى سؤال «البيان» عن السبب في اختيارها لهذا السوق بالذات دون الاسواق الاخرى بان الامر مرتبط بالعديد من العوامل اما العامل الاول والاهم هو ان لدى السوق كل ما يمكن ان تحتاجه الاسرة وباسعار زهيدة للغاية، اما السبب الاخر فهو لان السوق في المجمع فهي لن تضطر لان تحمل ما تشتريه مسافات كبيرة وبهذه فانها ليست بحاجة الى سيارة خاصة او استئجار تاكسياً لكي يحمل امتعتها فيضيع رخص ثمن البضائع بالمبلغ الذي ستدفعه بالمواصلات. فيما يتمحور السبب الثالث في كون السوق يقام يوم الجمعة ولهذا فانها ـ في العادة ـ تذهب اليه في الصباح الباكر وقبل ان تستفيق اسرتها من نومها وتعود وقد جاءت لهم بطعام الفطور وعلى هذا اعتادت منذ فترة طويلة. وتسكن ام محمد في احد الاحياء القريبة من مدينة صويلح احدى ضواحي مدينة عمان الشعبية، حيث تمر وسائط مواصلات كثيرة من امام الشارع الذي تسكنه. اما الحاج سعيد العيسى والذي يزيد عمره على الستين عاما فانه وكما قال تعرف الى السوق منذ فترة طويلة وهو لا يأتي اليه باستمرار ولكن كلما احتاج الى شيء وخصوصا الملابس. ويضيف احيانا يكلفني البحث عن بنطال او قميص مدة طويلة وربما اكثر من ساعة واحيانا اجد مرادي سريعا فاخذه واعود الى البيت. وقال وهو يشير الى قميص يلبسه ان كل ما يحتاجه يجلبه من السوق. ولم توافق احدى السيدات اللواتي يبدو على مظهرهن «العز» او هو ما تبقى من الغنى على اجراء اي حوار، وقد بدى على ملامحها الكثير من الخجل والاستياء معا. ولدى ملاحظة احد الباعة لنا ولسماعه طلبنا من تلك السيدة اجراء الحوار قال: تخجل من ان يراها احد هنا بعد ان كانت قد اعتادت ان ترتاد اسواق الارستقراطيين والبرجوازية. وبحسب مراقبين فان انتشار ونشوء مثل هذه الاسواق يعد مظهرا خطيرا لتردي الاوضاع الاقتصادية للمواطنين وزحف الطبقة الوسطى الى الفقيرة والمحتاجة. وما يلفت النظر هنا بدء «نزول» التحف وبعض مما كانت تملكه الطبقة الوسطى ـ ايام عزها ـ الى هذه الاسواق وبيعها فيها تلك التحف التي لم تكن تشاهد الا في الاسواق الخاصة بالسياح فقط، والتي تعد الاغلى ثمنا. واكثر من ذلك فانك من المحتمل ان تجد البائع مشترياً والمشتري بائعاً بمعنى ان تقوم احدى السيدات ببيع بعض حاجاتها للمواطنين من قبيل ان تقوم «بفرط» اعواد نبتة الملوخية وتبيع اوراقها بسعر اعلى من سعر الملوخية غير المفروطة، وبسعر ما تبيعه تقوم بشراء بعض حاجياتها من السوق وتعود الى البيت غانمة.