التطورات الاقتصادية المتلاحقة في الاقتصاد المصري خلال العقد الماضي وحتى الآن فرضت الاهتمام بدراسة المشروعات الصغيرة، في تفاصيلها سواء الحجم والتوطن والنشاط الاقتصادي والتشغيل والأجور والمعوقات التي تقف حائلا دون انطلاق المشروعات الصغيرة لتصبح أكثر انتاجية، وفي هذا الصدد قدمت الباحثة الدكتورة عالية المهدي وكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية لشئون الدراسات العليا بحثاً تحت عنوان «اتجاهات التشغيل والأجور في المشروعات الصغيرة» الى مؤتمر «العمال والتحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في مصر» الذي عقد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. وتقول الباحثة أن الأسباب التي دفعت الى الاهتمام الملحوظ بطبيعة التطورات التي مر بها الاقتصاد المصري والتي استدعت ضرورة فهم آلية عمل المشروعات الصغيرة، وهذه التطورات كما تراها الباحثة هي أولا: حوالي «99%» من المنشآت الاقتصادية العاملة في مصر يقل عدد المشتغلين فيها عن 50 عاملاً، ومن ثم فإن السمة الغالبة لحجم المنشآت الاقتصادية يدخل في اطار المشروعات الصغيرة، أو المشروعات المتناهية الصغر، ثانيا أنه مع بدء تطبيق برنامج التثبيت الاقتصادي والاصلاح الهيكلي أصبح التوجه العام للدولة يسير نحو تراجع دور الحكومة وشركات القطاع العام في خلق فرص عمل ونحو الاعتماد بصورة أكبر على وحدات القطاع الخاص في القيام بدور أكبر في الانتاج والتشغيل والتصدير، ولما كان دافع المشروعات الاقتصادية في مصر يؤكد صغر الحجم النسبي للوحدات الاقتصادية كان دور هذه المشروعات يعد حيويا ومؤثرا في خلق فرص، توليد انتاج، تكوين رأس مال، وتصدير، ثالثا: الواقع يشير الى وجود عقبات وقيود مؤسسية وبيروقراطية متنوعة تحد من قدرة المشروعات الصغيرة في النمو، وتدفع نسبة كبيرة منها على العمل بصورة غير رسمية والبقاء بعيدا عن الأجهزة الضريبية والجهات الرقابية، رابعا: المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر يمكن وصفها بأنها مشروعات «يتيمة» فلا توجد جهة محددة ترعاها أو توجهها ولهذه الأسباب جاء اهتمام الحكومة المصرية وبعض أجهزتها، وعدد كبير من الجمعيات الأهلية بهذا القطاع إلا وهو المشروعات الصغيرة، والمشروعات المتناهية الصغر. ما هي المشروعات الصغيرة؟ تقول الباحثة: أن وزارة التخطيط تعرف المشروع الصغير بأنه ذلك الذي يوظف أقل من 50 عاملاً بينما تعرفه وزارة الصناعة بأنه الذي يوظف أقل من «100» عامل ولا يزيد حجم رأسماله الثابت عن نصف مليون جنيه، كما عرفه بنك التنمية الصناعية بأنه الوحدة التي يتراوح عدد المشتغلين فيها ما بين 10 و100 عامل، ويتراوح رأسماله ما بين 50 ألفاً ومليون جنيه، وتقول الباحثة إن هذه التعريفات يشوبها العديد من الصعوبات المماثلة لتلك الموجودة في الدول النامية والمتقدمة. توضح الباحثة أن هذه المشروعات في مصر تشكل كل الاعمال التي تعمل في اطار منشأة محددة المكان «ورشة، دكان، مصنع، كشك ثابت» أو تشمل من يعمل في صورة صاحب عمل أو عامل لحسابه الخاص، متنقل أو متجول، أو شخص يدير نشاطه خارج منشآت، وتقول: أنه يتم اشتقاق أعداد المشروعات الصغيرة، ومتناهية الصغر من واقع بيانات التعداد العام للسكان والمنشآت وهو التعداد الذي يقدر مرة كل عشر سنوات، وكذلك من مسوح العينات الخاصة، وهذه يتم اجراؤها من قبل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء، وتخلص الباحثة الى أن صغر حجم المنشآت في مصر هو السمة الغالبة على مدار ثلاثة تعدادات متتالية، فقد قدر عدد المشروعات أقل من 50 عاملاً بحوالي 7.99% من اجمالي المنشآت، أنه حدث تراجع نسبي في أعداد المشتغلين بالوحدات الصغيرة، وهذا قد يفسر على أنه ارتفاع تدريجي بسيط في حجم المنشآت الخاصة، وتقول الباحثة: أنه من حيث توزيع المنشآت والمشتغلين بها تبين أن قطاع تجارة الجملة والتجزئة وقطاع الصناعات التحويلية والخدمات بأنواعها سواء المالية أو العقارية أو الصحية أو التعليمية هي القطاع الأكثر أهمية في تركيز المشروعات الصغيرة. وتشير الباحثة الى أن عدد الوحدات الاقتصادية الصغيرة قد تزايد مما يقدر بحوالي 2.9 مليون وحدة في عام 1988 الى 3.34 ملايين وحدة في عام 1998، وأن النسبة الغالبة «81%» للوحدات الصغيرة هي وحدات غير رسمية بمعنى أنها لا تقوم بالالتزام بوجه أو بآخر بشروط الترخيص، والتسجيل أو الاشتراك في التأمينات الاجتماعية، كما أنه في داخل الوحدات غير الرسمية تمثل الوحدات التي تعمل خارج منشأة حوالي 45% من اجمالي العدد. وحول توزيع هذه الوحدات ما بين الريف والحضر، تقول الباحثة: أن نسبة كبيرة من هذه الوحدات تتركز بالمناطق الريفية، وتفسر هذا بأنه مؤشر لاتجاه قوة العمل بالمناطق الريفية لممارسة أنشطة غير زراعية من ناحية، ولاتجاه تيار الهجرة الداخلية من الريف للحضر الى التراجع بصورة ملموسة حتى أن صافي تيار الهجرة الداخلية يكاد يقترب من الصفر. وتلاحظ الباحثة أن الوحدات المملوكة للإناث أكثر تركزا في مجالي التجارة والخدمات بينما الوحدات المملوكة للذكور أكثر انتشارا ما بين الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتلاحظ الباحثة كذلك أن الوحدات الرسمية الصغيرة تميل للكبر نسبيا اذا ما قورنت بالوحدات غير الرسمية، فحوالي «25%» من الوحدات الرسمية يعمل بها 5 عمال فأكثر، وتلاحظ الباحثة أيضا أن المشروع الصغير سواء كان رسميا أو غير رسمي يتسم بضآلة حجم رأسماله، وتتضح هذه الصفة أكثر في حالة الوحدات غير الرسمية، فهي تعتمد على الجهد العضلي لأصحابها بدرجة أكبر من اعتمادها على حجم التكوين الرأسمالي في المشروع. ظروف التشغيل وتحديد الأجور تقول الباحثة: أن الظروف المادية المحيطة بالمشتغلين بالمشروع الصغير تتنوع بحسب حجم المنشأة، ونوع النشاط، ودرجة الرواج أو الركود في السوق، ونوع البيئة التي يمارس فيها المشروع نشاطه، هل هي صحية، هل تتوافر بها شروط الأمن الصناعي والصحي، هل يحصل العامل على أجر مناسب لكفاءته وانتاجيته، كيف تحتسب أجازاته. وتقرر الباحثة منذ البداية أن العاملين بالوحدات الاقتصادية الجائلة لا يتمتعون بجزء كبير بالمزايا التي قد يحصل عليها العاملون بالمنشآت أو الوحدات الثابتة مثل البيئة الصحية الملائمة، والتغطية التأمينية والاجتماعية والصحية. وحول مستوى الأجر وأسلوب تحديده في المشروع الصغير تقول الباحثة: أن أعلى نسبة تركيز للمشتغلين تتضح في شريحة الأجر الذي يتراوح ما بين «10 ـ 20» جنيهاً يوميا وأن عدد الذين أعلنوا عن أجورهم لا تتجاوز ثلث من شملتهم الدراسة، وأن الاعلان عن الأجر يشوبه القصور في حالة الإناث، وأن النسبة الأكبر من الإناث تتركز في شريحة أجر ما بين «5 ـ 10» جنيهات يوميا. وحول الضمان الاجتماعي تقول الباحثة: أن المتغيرات التي يتم الاستعانة بها للدلالة على وجود ضمان اجتماعي تتمثل في وجود عقد عمل وتأمينات اجتماعية للعامل، وتشير الباحثة الى وجود ارتباط وثيق ومعنوي بين وجود عقد عمل والاشتراك في نظام التأمينات الاجتماعية للعامل، وتقول: أن العامل الذي يرتبط بصاحب العمل بعقد عمل وتأمينات اجتماعية يعد في حالة عمل رسمي لانطباق شروط العمل الرسمي عليه، أما العامل الذي لا يتحقق لديه هذان الشرطان فإنه يدرج ضمن مجموعة العمال غير الرسميين حيث يفتقدون لمقومات الأمان الاجتماعي الأساسية. وتتساءل الباحثة بصدد عدم توافر الضمان الاجتماعي عن الأسباب التي أدت الى تضخيم ظاهرة العمل بصورة غير رسمية، وتحاول الباحثة الاجابة فتقول: أن نسبة غير قليلة من هذه الوحدات تمارس أنشطة جائلة وهامشية وهو ما يجعل ارتباط العامل بصاحب العمل بعقد أو تأمينات أمر غير واقعي، حيث أن صاحب العمل لا يضمن استقرار النشاط حتى لنفسه، وأن نسبة لا تقل عن «30%» من أصحاب العمل من الأميين وأنهم لا يتعاملون مع العاملين لديهم من خلال تحرير عقود أو الاحتفاظ بوثائق، وغالبا ما يكون الاتفاق شخصياً ويتدعم بالتعامل ومرور الوقت، كما أن قانون العمل القائم بما يتضمنه من مواد مختلفة يحول دون منح صاحب العمل الحق في الاستغناء عن العمال في حالة الضرورة الاقتصادية مثل حدوث تراجع الطلب على المنتج أو الخدمة، وفي ظل جمود مواد القانون يصبح تحرير عقد عمل أمر غير رشيد من ناحية صاحب العمل، ويصبح العامل مضطراً لقبول العمل بدون عقد عمل، هذا فضلا عن ارتفاع تكلفة الاشتراك في التأمينات الاجتماعية حيث تقدر نسبة المقطع من الأجر بحوالي 30 أو 40% من قيمة الأجر يتحمل ثلثيها صاحب العمل وثلثها الباقي يتحمله العامل لذلك فإن تحرير عقد عمل والاشتراك في التأمينات يعد حالات محدودة فضلا عن أن الأجر المذكور في العقد يأتي محددا عند مستوى أقل من الأجر الفعلي. وحول درجة الاستقرار في العمل تخلص الباحثة الى أن نسبة العمالة العارضة وهي العمالة غير الدائمة تبلغ ما يقرب من 28% في حجم المشتغلين وأن العمالة النسائية أكثر استقرارا في عملها من عمالة الذكور حيث ترتفع نسبة العمالة النسائية الدائمة والمؤقتة وتتراجع نسبة العمالة العارضة والموسمية، وغالبا وبالمقارنة ما بين عامي «1988 و1998» حدث تحول سلبي في درجة الاستقرار. ملاحظات عامة وأخيرا تلاحظ الباحثة أولا: أن صغر حجم الوحدات الاقتصادية هو الصفة الغالبة للمشروعات الانتاجية والخدمية والتجارية في مصر، ثانيا: أن صغر الحجم سواء من حيث عدد المشتغلين أو حجم رأس المال يترك أثرا واضحا على طبيعة العلاقة ما بين صاحب العمل والعاملين لديه مفاده أن العمل يكون غير مقترن بعقد عمل أو بالتزام من جهة صاحب العمل بالاشتراك في نظام التأمينات الاجتماعية أو توفير الرعاية الصحية، ثالثا: أن صغر الحجم يرتبط أيضا بانخفاض مستويات الأجور، وتواضع ظروف العمل وضعف امكانيات الأمن الصناعي والصحي، رابعا: أن أجور الاناث العاملات بالمشروعات الصغيرة تتسم بشرائح دخل أكثر تدنيا من الذكور، خامسا: الإطار التشريعي المحيط بالعمل يعد غير ملائما أو مشجعا على قبول صيغة أكثر رسمية في العلاقة ما بين صاحب العمل والعامل فقوانين العمل والنقابات والتأمينات تحتاج الى مراجعة شاملة حتى يمكن أن تنطبق على القاعدة العريضة من العمال التي تعمل بعيدا عن هذه القوانين، سادسا: أن تحسين ظروف العمل ومستويات الأجور في المشروعات الصغيرة لابد أن يسبقه برامج تدريب مناسبة حتى يمكن رفع كفاءة وانتاجية عنصر العمل بالوحدات الصناعية التي يتركز بها نسبة كبيرة من المشتغلين فالاعداد المهني المناسب يساعد على زيادة انتاجية المشروعات الصغيرة ومن ثم يساعد على تحسين البيئة المحيطة بالعامل داخل الورشة أو المصنع، وفي الوقت نفسه يسهم بشكل مباشر في زيادة دخله الحقيقي.