اذا كانت السنوات الثلاثين الماضية باليمن قد أدت الى التوسع الأفقي والرأسي في تعليم الفتيات، الا ان التسرب في المراحل الدراسية المبكرة جعل نسبة الحضور للفتيات اقل بكثير ، من الذكور. ويعتبر التعليم المدخل الرئيسي لادماج المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها من المجالات التي لاتزال حكراً على الرجل. وتشدد العديد من الهيئات والمنظمات الى ضرورة الاهتمام بالتعليم للمرأة اليمنية من أجل دفع التنمية في المجتمع اليمني. وتشير الاحصائيات الى ان نسبة مشاركة الفتاة اليمنية في التعليم العالي متدنية جدا اذ لم تبلغ سوى حوالي 12% الى نسبة الذكور. وتشمل تلك النسبة متابعة الفتيات للتعليم العالي بالجامعات والمعاهد والمدارس وهي نسبة تقل عن نسبة عدد الطالبات. في التعليم الأساسي النسبة المقدرة بحوالي 35% حسب احصائيات المسح التربوي لعام 1999 ـ 2000 وكذلك تقل عن نستبهن في التعليم الثانوي المقدرة بنحو 26% من عدد الطلاب طبقا للمسح ذاته. مما يعني ان هناك معوقات تحول بين الفتاة وانخراطها في مواصلة مراحل التعليم المختلفة وهذه العوامل متعددة منها ما يعود الى الأوضاع الاقتصادية ومنها ما يرجع الى العادات والتقاليد الاجتماعية او لاسباب اخرى على ان معرفة هذه الاسباب والوقوف عليها مسألة ضرورية حتى يتسنى للمراهقين على دور التعليم في مشاركة المرأة داخل المجتمع وفي تنميته وضع تصوراتهم ومقترحاتهم التي من شأنها تغيير هذه الوضعية الدونية للمرأة. ويبدو ان هذا كان الهاجس الاساسي الذي يقف وراء دراسة انجزت مؤخراً حول بحث طموحات وتطلعات الفتيات اليمنيات بعد الثانوية العامة وحاولت هذه الدراسة الميدانية التي انجزها الدكتور احمد سالم البريكي ضمن اطار جهود المجلس الأعلى لشئون المرأة «اللجنة الوطنية للمرأة» وبدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان ان تكشف عن حدود المعوقات الذاتية عند الفتاة اليمنية التي تحول بينها وبين مواصلة التعليم العالي. وحاولت الدراسة ان تقدم رؤية علمية تحليلية لقضية مواصلة الفتاة اليمنية لدراستها من عدمها بغية ابراز العوائق والصعوبات التي تمنع بعض الفتيات من مواصلة تعليمهن وركز البحث على جانبين لابراز هذه الاشكالية، الجانب الاول نظري اتبع فيه الباحث المنهج التاريخي الوثائقي الخاص بتعليم الفتاة، والاخر ميداني تحليلي اتبع فيه اسلوب التصميم العشوائي في عينات الدراسة على أساس تصميم عينة لكل مدرسة ثانوية «الصف الثالث ثانوي» بشكل مستقل ثم تصميم اطار على صعيد كل محافظة من المحافظات المدروسة ثم على مستوى كل المحافظات المدروسة وعددها ست محافظات مختلفة هي «أمانة العاصمة، عدن، حضرموت، اب، تعز، أبين» وبلغ عدد المدارس المبحوثة 25 مدرسة ثانوية واجمالي عدد الفتيات المبحوثات 898 طالبة موزعات على المحافظات الست موضوع الدراسة. وكشفت النتائج وتحليلها لتلك العينة من الفتيات في المرحلة الاخيرة من الثانوية العامة ان هناك اجماعاً على مستوى كافة المحافظات المدروسة فيما يخص رغبة الفتيات في الاستمرار في الدراسة بعد الثانوية وكانت نسبة الراغبات في مواصلة الدراسة هي 78% وهذه النسبة كانت نسبة اجماعية على مستوى جميع المحافظات المدروسة غير دوافع واسباب رغبة الفتيات في الاستمرار في الدراسة بعد الثانوية اختلفت من فتيات الى اخريات ففي حين عبرت 46% من العينة ان تلك الرغبة عائدة الى طموحات ذاتية اكد 20% منهن ان الدافع هو الحصول على فرصة عمل «وظيفة جيدة» ما يؤكد رغبة الفتاة اليمنية في تحسين وضعها الوظيفي والاجتماعي اما اللواتي عبرن عن عدم رغبتهن في مواصلة الدراسة والاكتفاء بالقدر المحصل عليه من التعليم لسن سوى قلة قدرت نسبتها بـ 22% لاسباب ذاتية اما عدم رغبة الاسرة في استمرار بناتهن في التعليم وفق ما افادت به عينة الطالبات المبحوثات فهي اقل من تلك النسبة السابقة اذ بلغت 19%. وبلغت نسبة العازبات في فتيات المرحلة الثانوية 90% على مستوى جميع المحافظات المختارة وهذه نسبة تؤكد تراجع الزواج بين الفتيات الدارسات وحول الاجابة على ما هي الجهات التي ترشحها الفتيات لاكتساب المهارة منها بعد الثانوية كانت دراسة اللغات والكمبيوتر في المقدمة اذ بلغت نسبة الراغبات مواصلة دراستهن في هذه المجالات على التوالي 26 ـ 35% اما في المعاهد والمجالات التالية «معهد صحي، معهد معلمين، معهد سكرتارية، معهد خياطة وتطريز» كانت النسب متساوية تراوحت بين 8 ـ 7% واكدت 61% انهن يرغبن في الالتحاق بالتعليم الجامعي مباشرة بعد الثانوية فيما اجابت 38% بـ لا. وبلغت نسبة اعداد اسر الفتيات المبحوثات من الاناث اكثر من الذكور على التوالي 55% و45% ما يعزز ويؤكد الاحصائيات الرسمية للجهاز المركزي للاحصاء للتعداد السكاني وبلغت نسبة الذكور العاملين في الاسرة 76% مقارنة بالاناث 24% ما يؤكد نتائج الدراسات حول نسبة مشاركة المرأة اليمنية في العمل. وبلغت نسبة الامهات اللاتي لا يعملن خارج المنزل وسط العينة 85% في الوقت الذي اكدت الدراسة ان نسبة 68% من الاهل يفضلون التحاق ابنتهم في الجامعة وهذا مؤشر على تنامي وتزايد الوعي وسط المجتمع اليمني بأهمية التعليم وان هناك استجابة مشجعة من اولياء الامور لمواصلة بناتهم التعليم الجامعي. مقابل هذه المؤشرات التي تكشف عن رغبة الفتيات اليمنيات وأسرهن في مواصلة التعليم الجامعي هناك عوامل اخرى تحول دون بلوغ تلك الامال والطموحات من 19% عدم رغبة الاسرة في الاستمرار في التعليم 12% عدم قدرة الاسر على الانفاق على التعليم العالي و13% لرغبة الأهل بزواج الفتاة و6% لصعوبة الوصول الى الجامعة فيما كانت اسباب تفضيل الذكور على الاناث متدنية حيث بلغت 2% فقط على ان من الأسباب اللافتة للانتباه في عدم مواصلة الفتاة للتعليم هو الاختلاط في التعليم العالي وبنسبة 17% اما عدم مواصلة الدراسة الجامعية بسبب الدرجات المتحصل عليها في الثانوية لم تتجاوز 1% فقط. يبدو جلياً ان الاسباب التي تحول بين طموح الفتاة اليمنية بالانخراط في التعليم الجامعي وبين واقع الحال هي اسباب على درجة كبيرة من التعقيد والتداخل ترتبط بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ما يعني ان عدم حل هذه الاسباب وازالة المعوقات والصعوبات التي جعلت حضور الفتاة اليمنية في الجامعات والمعاهد العليا متدنية تتطلب معالجة شاملة مثل ضخ مزيد من الاستثمارات في ميدان التعليم العالي من اجل تقريب الجامعة من التجمعات السكانية في الريف والقرى اليمنية وبالمقابل خلق فرص عمل مواتية لاستيعاب مخرجات الجامعة التي لاشك ستكون دافعاً قوياً لاستثمار الاسر لبناتهم في سوق العمل غير انه بالنظر الى الاوضاع الاقتصادية في البلاد وشحة الموارد وانتشار الفساد المالي والاداري كلها عوامل تعيق السير في طريق ادماج المرأة اليمنية في التعليم العالي على النحو المأمول وبالتالي سيظل نمو تعليم الفتاة اليمنية محكوماً بهذه الاعتبارات والمعطيات المحددة لمسيرة تعليم الفتاة اليمنية رغم النداءات التى تتعالى من حين الى اخر وسط الهيئات والمنظمات النسوية الداعية الى تحقيق قفزة نوعية في تعليم المرأة اليمنية ومشاركتها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ما يعني في نهاية المطاف ان الطموحات والتطلعات كبيرة لكن العوائق والصعوبات اكبر خاصة منها تلك الصعوبات والعوائق المسكوت عنها والتي يجري اغفالها على الدوام وهي سلوكيات المدرسين والاساتذة والادارات في مؤسسات التعليم العالي والتي تعتبر من المتغيرات للفتيات لمواصلة تعليمهن ودون ان يلتفت لمثل تلك الممارسات ستكون المعالجة المأمولة معالجة منقوصة وقاصرة لا تأخذ في الاعتبار مجمل الاسباب والعوامل التي تحول دون مواصلة تعليم الفتاة وبالتالي تسقط في نزعة انتقائية.