عبر تجربتها الفنية تميزت الفنانة واحة الراهب بتنوع اهتماماتها الفنية التي توزعت بين التمثيل والاخراج والكتابة الدرامية حيث عكس ذلك رغبة في التجريب والبحث عن ذاتها وقد حاولت من خلال هذه التجارب ان تقدم هواجسها ورؤيتها واسلوبها الخاص. وللتقرب من عالم الفنانة والتعرف الى جوانب تجربتها المختلفة في التمثيل والاخراج والكتابة التقينا الفنانة الراهب وكان معها هذا الحوار: ـ هل يمكن ان تحدثينا عن عملك السينمائي الذي قمت بكتابته واخراجه؟ ـ عملي الجديد هو فيلم روائي طويل من انتاج المؤسسة العامة للسينما وهو يحمل خصوصيتي في الشكل والمضمون واسمه «رؤى حالمة» والاهم في هذا العمل انني عبرت من خلاله عما اختزنته بداخلي بزخم اكبر من خلال كتابته واخراجه، فالمخرج عندما يكتب نص العمل فإن اسلوبيته الى الكتابة، وتصبح الجملة حاملة تعابير صورة، كما تحمل بصمة اسلوبية المخرج بالوقت نفسه. موضوع الفيلم عن المرأة دون ان افصلها عن محيطها، وهو يتحدث عنها من خلال شرائح اجتماعية ثقافية بخصوصية نفسية وخلفية سياسية هي الاجتياح الاسرائيلي للبنان، فهناك شخصية نسائية اساسية هي فتاة تعيش قهر المجتمع والعائلة فتنكفيء على ذاتها بدلاً من خوض التجربة العملية، وتلجأ الى التعويض على ذلك من خلال احلام كابوسية، بينما الشخصية الثانية هي شخصية الاخت المتمردة التي تتحدى التقاليد وتنشد الحرية، وهناك الشخصية الثالثة الضائعة بين الشخصيتين السابقتين وهي تعكس حالة انفصام تعبر عن انفصام المجتمع، ويحمل الفيلم افكارا كثيرة عن القهرالاجتماعي، وضياع الشخصيات وطاقات البشر وقد اعطاني الاجتياح الاسرائيلي للبنان المفتاح لتركيب الافكار التي اريد أن اقولها، فبدون تطوير مجتمعاتنا وخاصة المرأة التي تربي الاجيال، وبدون اطلاق طاقاتها لا يمكن ان نواجه الاحتلال، لان ذلك يتطلب تطوير قوى المرأة والرجل معا خاصة في ظروف العولمة التي تجتاح العالم وتتطلب تنمية قدراتنا الذاتية ومواكبة الحداثة. يطرح الفيلم قضية المثقف المستلب المكبل والعاجز الذي يحاول تحقيق افكاره الثورية بوسائل خاطئة، فهناك الرجل المثقف الايجابي والاب المتسلط الذي يضطهد وهو حنون ضائع بين التحرر والمحافظة وهذا الرجل ظل منذ الستينيات غير قادر على تحقيق افكاره لانه ظل مشغولا بالشعارات وكانت الرواسب اقوى منه، اذ انعكست على تربيته وعواطفه، لان التربية الذكورية تمنعه من اظهار عواطفه. ـ تهتمين بالدراما الاجتماعية خاصة ما يتعلق بقضايا المرأة، فما هو سبب هذا الاهتمام؟ ـ انا امرأة وسينمائية ابحث في القضايا الانثوية ولدي القدرة على ادراك المشاكل الحقيقية التي تعيشها المرأة، اذ انني اعايش همومها الانسانية وارصد مشاكل الاخرين، وارى بعين حادة وارصد التفاصيل، لأن المرأة اقدر على ادراك التفاصيل، واحاول ان احقق هذه الرؤية من خلال شخصيات تشترك معي بنفس الرؤية وتؤمن بنفس الايمان واذا لم اجد هذه الشخصيات احاول ان اتعامل مع المتوفر بالحد الادنى، كما انني اتعامل مع الممثلة كما اتعامل مع الممثل ولا افرق بينهما، فالفنان كائن حساس وانا اتعامل معه بنفس المستوى لكنني اطالبه أن يحترم فنه. انني امرأة حازمة في الاخراج وقاسية رغم انني اكره القسوة، والاخراج مهنة صعبة لا تسمح بالخطأ الذي يمكن ان يؤثر على ميزانية الفيلم، فأنا لا أسمح لأي ممثل ان يضيع الجهود والموارد ووقت الآخرين. ان خصوصية وجهة نظر المرأة تكمن في عمقها النفسي وتنامي الحس الوجداني، فالرجل يركز على الجانب العقلاني، اما المرأة فلديها امكانية اكبر لتقديم ادق التفاصيل للتكوين الانساني او المفارقات الصغيرة التي تحدث على هامش الحياة، والمرأة بحكم معاناتها المزدوجة يتركز عندها البحث عن الحل الاجدى، والعمل على تناول القضايا الصغرى للوصول الى القضايا الكبرى، في حين يتبنى الرجل شعارات كبيرة ولا يحقق لا الشعارات الكبيرة ولا الصغيرة ولذلك فإن المرأة هي الأقدر على تناول القضايا الاجتماعية وخاصة قضايا المرأة، ومن هنا كان اهتمامي بموضوع المرأة. ـ تنتقلين بين التمثيل والاخراج والكتابة الدرامية فما هي اسباب هذا الانتقال والتوزع؟ ـ الفن عملية متكاملة وعندي هوايات لا اشعر معها ان هناك جانباً محدداً يشبع هواياتي، وقد اتجهت نحو الاخراج السينمائي لأنه البوتقة التي تجمع كل الفنون الاخرى، ان لدي امكانات وهوايات مختلفة احاول ان اطورها لكي احقق ما اطمح الى تحقيقه، وفي الاخراج يجب ان تكوني ملمة بكل شيء كالموسيقى والفن التشكيلي لكي تحقق التكامل في جوانب العمل المختلفة ومدى انسجامها وخدمتها للرؤية التي تحاول المخرجة ان تنجزها. ـ رغم وجود اكثر من مخرجة درامية، الا ان حظ المرأة المخرجة ما زال بعيداً عن الاهتمام، فما هي الأسباب برأيك؟ ـ حظ المرأة المخرجة في العالم قليل رغم ان بدايات السينما بدأت مع تجارب نسائية، والسبب في عدم انصاف المرأة المخرجة ان هناك تخلفاً في النظرة وتفرقة عنصرية، فالمهن التي تحتاج الى قدرات قيادية وحكمة وحزم تظل وقفاً على الرجل، لأن هذه الصفات (كما يدعي الرجل) هي مواصفات رجولية وهذا هو الحال في العالم، فالقوانين الاجتماعية والوضعية والمدنية هي ضد المرأة، وقد عانيت معاناة شديدة لكي أحصل على فرصتي في الاخراج وللأسف كان الزملاء المخرجون هم أكثر الناس الذين حاربوني، المرأة المنافسة للرجل تخيفه أكثر من الرجل المنافس، لأنه فيما يبدو تجعله يحس بنقص في رجولته، وهذه ظاهرة مرضية وقد كانت معركة الرجل المنافس قاسية بالنسبة لي فإدارة المؤسسة العامة للسينما القديمة ظلت سبع سنوات تماطل رغم الموافقة على السيناريو وقد انتظرت حتى تغيرت الادارة وأخذت فرصتي في العمل. ـ هل ترين ان المرأة المخرجة هي الأقدر على تقديم أعمال تتعلق بمشاكل وحياة المرأة؟ ـ لا أحد يستطيع ادراك عمق المشكلة مثل صاحبها، والمثل الشعبي يقول: «الذي يعد العصي ليس كمن يأكلها» وحتى إذا لم تكن المرأة تعيش المعاناة فهي الأقدر على الشعور بأحاسيس المرأة ومعاناتها، وهناك تجارب لمخرجين رجال لا يستهان بها حول قضايا المرأة لكن هذا الكم سواء كان للمرأة أو للرجل يظل قليلاً قياساً بحجم المعاناة التي تعيشها المرأة خاصة وانها تشكل نصف المجتمع، الأمر الذي يجعل هذه التجارب تعبر بشكل محدود عما تعيشه وتواجهه المرأة في حياتها اليومية، والرجل مهما حاول التعبير عن عالم المرأة يظل هذا نسبياً مغلقاً أمامه لأنه هو رمز للقهر، ومهما تطور يبقى محكوماً بتربيته الرجولية. ـ ما الجديد الذي حاولت واحة الراهب ان تقدمه في الاخراج أو في الكتابة الدرامية؟ ـ لست راضية بشكل كامل عما قدّمته، دائماً لدي شعور لكي أعمل بشكل أفضل، وهذا الطموح يعزز رغبتي في تجاوز ما قدمته سابقا، ففي فيلمي الجديد لا أعرف النتائج التي ستترتب عليه، إلا انني كوني الكاتبة وأعشق السينما، وتوليت اخراجه فإني أتأمل ان أكون قد حققت شيئاً أقرب إلى روحي من خلال طرحي لنفسي ككاتبة ومخرجة، فأنا أشعر انني أحقق ذاتي في السينما أكثر ولدي شعور أنني لم أحقق ولا جزءاً من طاقتي التي أحس بتجددها على الدوام. ـ يلاحظ ان هناك موجات معينة من الانتاج الدرامي تطغى على الدراما السورية في مراحلها المختلفة فما هو تقييمك لواقع الانتاج الدرامي السوري؟ ـ الدراما السورية حققت بصمة واضحة مع انتشار الفضائيات العربية لدرجة ان الدراما المصرية أحست بالخطر، وللأسف أخذ الانتاج الدرامي السوري يراوح مكانه، كما بدأ الخوف الأكبر من التراجع أمام تكرار هذه الدراما لذاتها عبر اجترار نفس الموضوعات وخاصة موضوعات الفانتازيا التاريخية التي لا تحمل مضموناً قوياً، فهي دراما ذات طابع استهلاكي تعتمد على الابهار وهي تسمح بحرية التخييل، وتعطي مداً أبداعياً يمكن ان يشكل فخاً، وهو إذا لم يستغل في تطوير المدى الابداعي وفي تعميق المضمون يوقع الدراما في النمطية والتكرار، ولو كان هناك تجديد للفكرة والمضمون والأسلوب لكانت هذه الدراما قد استطاعت ان تطور ذاتها، ويلعب زيادة الطلب من المحطات ومن قبل المنتجين على هذه الأعمال بسبب عدم تجاوزها للمحظورات الرقابية، على عكس الاعمال دوراً في الاستمرار في انتاج هذه الأعمال، وعلى الرغم من وجود مطلب جماهيري لتقديم أعمال معاصرة، إلا ان هناك تقصيراً بسبب تشدد الرقابة، وتخوف المنتجين والمخرجين من تبني المواضيع المعاصرة، ولهذا فإن السبب في هذا الهروب إلى الفانتازيا التاريخية هو انعدام الجرأة. ـ ما هو جديد واحة الراهب في التمثيل؟ ـ أحل ضيفة شرف على مسلسل «أبيض أبيض» إذ أؤدي دور امرأة تتقلد مناصب اجتماعية وتقوم باضطهاد زوجها لكنها تتحول فجأة إلى العفوية وتمارس دورها الايجابي كامرأة، وهذا العمل من اخراج حاتم علي، كما احل ضيفة شرف على مسلسل «الفصول الأربعة» حيث أؤدي دور كاتبة عاشت في فرنسا ولديها ذاكرة ضعيفة والعمل من تأليف ريم حنا، واخراج حاتم علي. كما ألعب شخصية «دورة» الفتاة التي درست العلوم النفسية والاجتماعية وقدمت من أميركا وهي صديقة لشخصية أساسية في العمل، إذ تؤدي دور المعالجة النفسية والمستشارة والتي ترى انه تم تجاوز للحدود الانسانية فتأخذ موقفاً ثم تقع في الحب على الرغم من كونها باحثة وجدية، وهذا العمل من تأليف الكاتب خيري الذهبي ويحمل اسم وردة لخريف العمر