لا تحتاج الفنانة المصرية المعروفة محسنة توفيق لكثير من التعريف لأنها في النهاية فنانة ملتزمة على الصعيد الانساني والوطني وقد قدمت خلال مشوارها الفني العشرات، من الادوار والشخصيات في هذا المجال وهي اليوم تزداد تمسكاً بموقفها الملتزم وهي تتابع ما يجري كل يوم في الاراضي العربية المحتلة لتقول وبصوت عال سنقاوم ونحارب لأن ارادة الشعب الفلسطيني هي الاقوى من كل ادوات البطش والارهاب الصهيوني. محسنة توفيق التي زارت دمشق مؤخراً قدمت في ندوة رؤيتها الفنية والابداعية حول مفهوم المرأة والمقاومة وكيف يمكن للفنان ان يكون ملتزماً وناجحاً في الوقت نفسه ثم التقتها «البيان» في محاولة متجددة للتعرف على افكارها واحلامها وهواجسها في هذه الفترة من عمرها الانساني والابداعي. تقول الفنانة المصرية محسنة توفيق: عندما يصل الفنان الى النضج والعمق والتكون الانساني يصبح الفن جزءاً منه لأن الفن بالتأكيد هو جزء من احساسنا بالحياة وكما ان الاحساس بالحياة ينعكس على احساسنا بالفن والناس والوطن والقضية يبقى السؤال مطروحاً كالتالي: هل تتاح لنا امكانية تجسيد هذا الاحساس خاصة واننا لسنا في موقع المسئول او موقع القرار كما اننا لا نشكل قدرة وقوة انتاجية معبرة فعندما يتاح لنا تقديم فن يعبر عن احساسنا سيكون بالتأكيد الامر مختلفاً للغاية لأن الموقف سيكون اكثر قرباً منا كفنانين ملتزمين. ـ لهذا السبب تصرين على المقاومة كرد فعل فني تجاه ما يحدث في الاراضي العربية المحتلة؟ ـ بالتأكيد سنبقى نقاوم ونرفض ونقطع العلاقات مع العدو الصهيوني والشعب المصري ومعه بقية الشعوب التي قامت انظمتها بالتطبيع السياسي مع العدو سيستمرون بالضغط لقطع كل اشكال العلاقات مع هذا العدو ولوقف كل اشكال التطبيع والتعامل معه حيث يفترض ان تكون الشعوب قادرة على تحقيق هذا الامر لانه ينطلق من قاعدة واقعية كما انه ضرورة شعبية والمأزق الذي وضعتنا فيه الانظمة العربية في مواجهة العدو الصهيوني الذي وصل الى درجة كبيرة جدا من الوقاحة والفجور والعنجهية والمغالطات الساخرة بالاضافة الى التعامل معنا وكأننا لسنا اصحاب هذه الارض في ظل هذا الواقع لا يجوز ابدا ان نستمر في اقامة علاقات مع عدو يأكل جزءا من لحمنا في سبيل ترسيخ مشروعه الاستيطاني لأننا اليوم نواجه اكثر انواع الاحتلال عنفا وهمجية ولابد من التوحد للنجاح في هذه المواجهة الشرسة. ـ علي هذا الاساس كيف تصفين علاقتك بالفن والمواقف الوطنية الحقيقية؟ ـ لا شك انها معادلة صعبة جدا ومكلفة في الوقت نفسه واعترف بأنني دفعت ثمن هذه المعادلة وقد جاءت على حساب الكثير من الفرص الفنية لان تكرار وجود الفنان في البدايات يؤكد ويوسع شهرته وهو اذا توقف عندها سيكون بمواجهة امر أخطر وعندما يبعد عن الساحة الفنية سينساه الجمهور بالتأكيد وهذه هي ابسط المشاكل التي يواجهها الفنان خصوصا وانه عندما لا يتم اختياره للادوار الاولى وكما يحدث عن انطلاقته حيث يكون في مرحلة الانتشار لذلك عندما يبدأ بمواجهة الحصار بعد سنوات من الانطلاقة وعندما يعزل بعد سنوات اطول عندها يكون الاخرون قادرين على خنق وجوده وحصاره ووقفه وهكذا تكون عودته من جديد صعبة وغير بسيطة على الاطلاق. وبالنسبة لي اعتبر نفسي محظوظة بلا شك فالسمات الخاصة بي كممثلة اسهمت في أن احفظ في ذاكرة الجمهور الى حد ما لذلك عندما عدت بشكل تدريجي وعندما يشاهدني الجمهور من حين لاخر اشعر ان ذاكرتهم تتشبث بي وتتعلق باستمرار بوجودي معهم حتى وان خف او قل ظهوري الفني بعض الشيء فهذه المواقف تؤدي بلا شك الى تفاعلات داخل كيان الانسان لا يتوقعها هو بالاساس حيث ان هذا الضرر يكون مصاحبا له من دون ان يدري او ينتبه الى قضيته في الحياة واحساسه بالاساس والوطن او انه مد جذوره بشكل اكبر في الارض من اجل ان يقاوم النفي الذي يتعرض له وهكذا تتجذر علاقته بالاشياء اكثر. وبالتأكيد هذه معادلة مدهشة لأن فعل العدوان علينا بسبب الموقف يدفع هذا الأخير الى التغلغل في داخلنا بشكل أكبر وأكثر انسانية وطبيعية وحقيقية وحتى اكثر عضوية وبحيث يتغلغل في دمنا وجلدنا وكياننا ومن شأنه ايضاً ان يقربنا اكثر من الاحساس بالظلم والقهر ومن الاوضاع التي يعيشها الناس البسطاء في عالمنا العربي وفي العالم أجمع. ـ هل هي مصادفة فنية ان تكون بدايتك الفنية الأولى مع مسرحية «جميلة بوحريد» كنوع من الالتزام الفني المبكر؟ ـ في الحقيقة لست أنا من اخترت هذا الدور وإنما تم اختياري للعب هذا الدور، وصحيح انني فنانة مؤمنة بخط سياسي وطني وقومي لكنني لست ممن يختار أدواري، فأنا مثلاً لم أختر يوسف شاهين كمخرج، بل هو اختارني كممثلة في فيلم «العصفور» ولهذا السبب حرصت قدر الامكان ولفترة طويلة على تمثيل الادوار التي تحمل الحد الأدنى من المنطق الفني وتجنبت تمثيل الادوار الهابطة والسخيفة التي لا تحمل أي معنى. ومع ذلك يمكنني القول ان هذا الأمر لم يكن التزاماً بموقف سياسي أو غيره بل هو تجنب لحالة الاسفاف الفني والابتعاد عن الفن الرديء بكل معنى الكلمة، وهنا اعترف ايضاً بأنني لست من اختار الوجود في الاماكن والأدوار والشخصيات التي وجدت فيها وقدمتها وإنما هي المواقف التي وضعت فيها وقد تطابقت مع وجداني الانساني، وكما ان المخرج لم يختر محسنة توفيق لمواقفها ومبادئها، وإنما لأنها فنانة جيدة من الناحية الفنية وقادرة على تجسيد الادوار فأنا لم أكن «بهية» لأنني متمسكة بمواقف قومية ولم أكن «جميلة بوحريد» لأنني متحمسة للثورة الجزائرية بل لأنني أمثل بشكل جيد وجميل وهم أرادوا لأعمالهم النجاح لكن هنا لابد من القول ان بعد «بهية» و«جميلة بوحريد» حصل نوع من التلامس والتجاذب الروحي بيني وبين هذه الشخصيات وهناك الكثير من الناس الذين يحصل معهم تماس بين حياتهم واحساسهم بالأحداث والأشياء التي تمر بهم. ـ هل يمكننا القول انك تواجهين اليوم نوعاً من الحصار؟ ـ المسألة هي معاناة من نتائج الاقصاء السابق ومن احتمال ان تكون الاجهزة الفنية حذرة من التعاون الفني العادي يعيش دائماً من دون مشاكل أما بالنسبة لي اعتقد ان المشكلة هي الآن في أوضح تجلياتها، ففي مراحل سابقة أدى استمرار وجودي وعلاقتي بالفن والناس والحياة لأن أكون خارج اطار الحصار، كما أعتقد انني حاليا أعيش حالة حصار وقد اعتادت التركيبة الفنية على شخصيتي بهذا الشكل، ولم يعد هناك تجاذب عنيف في التعامل معي. ـ لهذا السبب خياراتك الفنية مازالت صعبة حتى الآن؟ ـ أكثر من نصف الأعمال التي قدمتها لا أعتبرها الأجمل والأعمق بالنسبة لي كما انها ليست ما أتمنى القيام به لقد قدمت ما يتم انتاجه وما تم طلبي للتمثيل فيه وربما أكون عاشقة للسينما لكنها لا تأتي اليّ وإنما تذهب الى افراد وفنانين لهم وجود ونفوذ أقوى مني، أما كلمة تنازل فأعتبرها غير واضحة ومفهومة بالنسبة لي لأنه لو كنا في ظل انتاج فني جميل وعميق لكنا تحدثنا عن التنازلات لكن مع انتاج غير مصنف بالأساس في خانة الجمال والعمق عندها من حقي القول بكل صراحة ان أحدنا يقدم أعمالاً متواضعة. وفي النهاية أعتقد ان كلمة تنازل يمكن ان تقال لمعتقل سياسي يطلب منه التنازل عن مبادئه مقابل اعادة حريته اليه لكن بالنسبة للفنانين عن ماذا سيتنازلون ومن ناحيتي لا أعتقد بأنني سوف أتنازل عن أي شيء محترم من الأعمال وهذا وعد أقطعه على نفسي أمام الجمهور لأنني أتمنى عندما يأخذ الله امانته أن يتذكر الناس محسنة توفيق الفنانة والانسانة الملتزمة.