يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يتوجه الى الرأي العام الناطق بالانجليزية ليوضح له من خلال مساهمات شخصيات كبيرة، العديد منها يشارك في الاحداث وعمليات صنع القرار، الأسرار الكامنة وراء انفجار الانتفاضة الفلسطينية في وجه القمع الاسرائيلي. وعلى امتداد صفحات الكتاب يتم تحليل أسباب الانتفاضة ونتائجها وتأثيراتها المحتملة على السلام في منطقة الشرق الاوسط. ويلفت نظرنا التعمق في مناقشة دور الولايات المتحدة في الصراع والنتائج الكارثية لعملية اوسلو والضربات الوحشية التي وجهتها حكومتا باراك وشارون للفلسطينيين، كما تستحق التوقف عندها طويلا تلك المناقشة النقدية الجادة التي يقدمها المساهمون في الكتاب للاستراتيجية التي تبنتها القيادة الفلسطينية في غمار الانتفاضة الثانية . لا نظن ان الاستاذ روبرت فيسك بحاجة الى تقديم: هو الكاتب الصحفي الانجليزي الذي تقطر سطوره شرفا وتنضح كلماته بفكر موضوعي منصف وخاصة فيما يتعلق بعدالة قضية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي. فاز روبرت فيسك سبع مرات بأرفع الجوائز السنوية للصحافة البريطانية ويعد من خبراء الشرق الاوسط حيث يعمل مراسلا لصحيفة «الاندبندنت» وقد ساهم بكتابة الفصل رقم 17 من بين فصول الكتاب المهم الذي نعرض له في هذه الصفحات. وقد اختار لهذا الفصل عنوانا مثيرا لكل اهتمام بل ومعبرا منذ الوهلة الاولى عن الموقف الذي يصدر عنه هذا الكاتب الصحفي البريطاني المرموق تقول عبارات العنوان: ـ هذا مكان مملوء بالأذى والدم وسوف يظل مرتبطا الى الابد باسم.. ارييل شارون. الصرخة يبدأ الفصل السابع عشر من كتابنا بتأملات فيسك التي يؤرخ لها بيوم السادس من فبراير من عام 2001 تعود التأملات الى الاحداث والمواقع التي ارتبطت بمأساة - بالأدق مجزرة - صبرا وشاتيلا. دامت المذبحة ثلاثة أيام كما يقول روبرت فيسك كان آخرها يوم 18 سبتمبر من عام 1982 وكان موقعها بالطبع ذلك المخيم الفلسطيني التعس الحظ في قلب العاصمة اللبنانية بيروت.. هنالك يمضي فيسك في تأملاته قائلا: ـ كان يصحبني يومها لورين جنكتر مراسل الواشنطن بوست.. أميركي خشن الملامح صلب المراس من ابناء ارياف كولورادو بالولايات المتحدة.. ما زلت اذكر كيف توقف زميلي الاميركي وقد انتابته مشاعر الصدمة والاشمئزاز وفجأة ملأ رئتيه بأكبر كمية من الهواء وصاح في فراغ الهواء الثقيل الذي يزكم الأنوف هاتفا بكلمة واحدة: «شارون(!)». كان صوته عاليا لدرجة تردد معها صدى الاسم بين الجدران المتداعية التي كانت تعلو الجثث المتناثرة في ارجاء المكان. بعدها أضاف الصحفي الأميركي قائلا: هو المسئول عن هذا الدمار اللعين. والذي حدث - كما يضيف صاحبنا «روبرت فيسك» بعد ان انقضت 4 أشهر تشكلت لجنة تحقيق صاغت تقريرها بعبارات أكثر دبلوماسية خلعت فيها لقب «جنود» على سفاحي مذبحة صبرا وشاتيلا وقررت أن شارون، وكان ايامها وزيرا للدفاع (في اسرائيل) يتحمل المسئولية.. وهكذا أوصت لجنة «كاهان» المذكورة اعلاه بازاحته عن المنصب. واستقال شارون لكن ها هي الأحوال تتغير.. لقد ادى تواطؤ شارون مع قوات الكتائب اللبنانية الى مجزرة شنيعة راح ضحيتها ما يصل الى 2000 فلسطيني.. كانت الكتائب بقيادة ايلي حبيقة ولكن كان شارون هو الذي اتاح لأفرادها سبل الوصول الى المخيم الفلسطيني المنكود وقد أورد تقرير لجنة كاهان شهادات ادلى بها الضابط الاسرائيلي آفي غرابوفسكي، وكان هو القائد الثاني لوحدة دبابات تولت محاصرة مخيم صبرا وشاتيلا وذكر الضابط انه شاهد بأم عينيه مصرع خمس نساء وأراد أن يحتج على القتل ولكن قائد كتيبته نهره بقوله: نحن نعرف ما يدور.. قد لا يروق لنا ولكن لا تتدخلوا في مثل هذه الأمور. وهكذا يقول روبرت فيسك دفنوا الضحايا الفلسطينيين في مقبرة جماعية، ودفنوا معهم سمعة شارون التي كانت قد لطخت من قبل بفعل مسئوليته المباشرة عن مصرع 50 مدنيا فلسطينيا لقوا حتفهم على يد وحدة الكوماندوز رقم 101 التي كان يتولى قيادتها. لكن شارون وقد أصبح رئيسا لوزارة اسرائيل ما لبث ان اكتسب سمعة جديدة.. ها هي الميديا الأميركية تدشنه قائدا مهما وكبيرا وصديقا لأميركا بل ها هو الرجل رقم واحد في البيت الأبيض وقد خلع على شارون - وليس غيره - اللقب الذي جعل العالم في حال من الدهشة والاستياء - لقب رجل... السلام. كيف لا وشبكة «سي.إن.إن» الأميركية بجلالة قدرها باتت تصف شارون بأنه جنرال من قدامى المحاربين رغم جسده الاشبه بالبرميل وقد استطاع ان يبني لنفسه سمعة الرجل الذي تزول العقبات من امامه بل والرجل الذي يعيد الآن تشكيل رقعة اسرائيل. مع هذا كله.. فلا يزال هناك افراد من امثال «روبرت فيسك».. ما زالوا شهودا وأحياء وشرفاء لا يتورعون عن ان يقولوا كلمة حق في وجه الزيف والتشويه الرخيص للحقيقة والاجتراء المستفز عليها. من هنا فلا يزال الصحفي البريطاني متمسكا بالحقيقة التي يجسدها عنوان مقالته التي سبق ونشرتها «الاندبندنت» عشية انتخاب شارون رئيسا لوزارة اسرائيل.. ومؤداه كما أسلفنا، ان البقعة التي شهدت مصرع مئات من ابناء الشعب الفلسطيني الابرياء في مخيم صبرا وشاتيلا.. ستظل ناطقة بما شهدته من مجازر وما اريق على ارضها من انهار الدماء.. وتظل مرتبطة كذلك باسم سفاح اسمه ارييل شارون.. والى الابد. عرب اسرائيل من بين الاسماء المشاركة في فصول الكتاب يظهر اسم يعرفه العالم العربي ويخاصة قارئي جريدة «البيان» حق المعرفة.. اسم الدكتور عزمي بشارة، الاكاديمي البارز والمثقف الفلسطيني الذي شاءت له اقداره ان يعيش ويعمل وينشط في داخل الكيان الصهيوني الذي قام منذ عام 1948 اي في المجتمع الذي ما زال يحمل اسم: عرب اسرائيل او بالادق العرب داخل اسرائيل. مساهمة الدكتور عزمي بشارة لم تتم على شكل دراسة قدمها كي توضع بين فصول الكتاب: لقد جاء اسهامه من خلال سطور الحديث الذي ادلى به في مقابلة صحفية مع الاستاذ «معين رباني»، الذي قدمه الكتاب بوصفه مدير مركز البحوث الفلسطيني الاميركي في مدينة رام الله. وقد تمت المقابلة - كما يضيف كتابنا - باللغة العربية يوم التاسع والعشرين من يناير عام 2001. وبديهي ان اهمية الدكتور عزمي بشارة لا تقتصر فقط على انه اكاديمي وباحث وكاتب، ولكنها ترجع كذلك الى ان الرجل لم يخلد الى البرج العاجي حيث البحوث والمقولات والطروحات والنظريات لقد قرر عزمي بشارة ان ينزل الى الشارع، وأن يتعاطى مع الشأن العام وسط مجتمعه الفلسطيني الذي تسيطر عليه مباشرة اسرائيل وان يعمل بالسياسة وان يشارك في تنظيم حزبي للعرب داخل اسرائيل هو التحالف الوطني الديمقراطي المعروف باسم «التجمع» ومن ثم يدخل الانتخابات ويصبح عضوا في الكنيست عن هذا التشكيل الحزبي العربي. ولأنه مفكر وحركي وسياسي ومناضل فهو يخوض في الفترة الأخيرة معركة تقديمه الى المحاكمة وتجريده من عضوية البرلمان. المقابلة تحمل عنوان «فلسطينيو اسرائيل» وبين ثناياها وسطورها يطرح الدكتور عزمي بشارة رؤية ويسجل اراءه ويلفت انظارنا الى حقائق ما كانت لتتضح سوى من خلال مفكر وسياسي ومناضل عاش ولا يزال يعيش بل ويعايش جوهر الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي ويكاد يلامس وتره العصبي المرهف الحساسية من واقع اسرائيل - الداخلي. ويمكن تلخيص هذه الرؤى والآراء على الوجه الموجز التالي: ـ ان الفترة بين عامي 1948 و1966 شهدت معاملة فلسطينيي 1948 وكأنهم طابور خامس ضمن الكيان الصهيوني وكان قادة هذا الكيان ينظرون اليهم على انهم يشكلون خطرا محدقا بأمن «الدولة» الصهيونية، بعد ذلك تحولت الامور الى حيث كان الهدف هو محاولة استيعاب افراد هذا المجتمع العربي الفلسطيني الذي شاءت حظوظهم ان يستمروا داخل اسرائيل بعد نكبة الاغتصاب في عام 1948. وكان هذا الهدف معناه القضاء على الهوية القومية الفلسطينية - العربية لافراد هذا المجتمع ودمجهم ضمن اطار اسرائيل «الدولة» والحاصل ان هذا الهدف لم يتحقق فقد انطلق العرب هناك من حقيقة انهم يعيشون في ظل كيان اسمه «دولة» لليهود وليس دولتهم ومن ثم فالتمييز الذي مورس ضدهم تمييز هيكلي وجذري ومؤسسي باعتبار ان في وجودهم، مجرد وجودهم، فضلا عن الثقافة (العربية) التي ينتمون اليها ويصدرون عن اعرافها وقيمها، في كل هذا ما يهدد كيان اسرائيل ومبرر قيامها من الاساس حيث ان هذا المبرر يتعارض بالضرورة مع الهوية الفلسطينية ومع التاريخ الفلسطيني. من هنا يضيف عزمي بشارة، فالمواطن الفلسطيني من عرب 1948 يتعرض لتمييز مزدوج اولا لأنه ليس يهوديا وثانيا لأنه عربي وفي وجودهم كعرب ما يؤدي الى تذكير اسرائيل بأصول الصراع وبالشأن القائم والمتجذر الذي لا يزال يحمل العنوان الذي لا يزول وهو: قضية.. فلسطين. ـ وبغير فهم هذين العاملين من عوامل التمييز ضد عرب 1948، فلن يتسنى للمحلل السياسي أن يفهم ديناميات الحركة والتأييد والتضامن بل والتلاحم الذي يربطهم مع نضالات اقرانهم من سائر أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة وفي القطاع ولا شعورهم ايضا بالتضامن وعمق الانتماء واصالة الوشائج التي تربط بينهم وبين سائر أبناء الأمة العربية بشكل عام. ـ ان هذا التمييز المزدوج يعبر عن نفسه في اجراءات وسلوكيات شتى من جانب اسرائيل في مقدمتها اجراءات مصادرة الاراضي حيث تقصد اسرائيل الى فصم الرابطة - التاريخية وربما العاطفية التي تربط العرب في داخلها مع الاراضي التي امتلكوها وتوارثوها. ان هذه المصادرة لا تعود فقط إلى اتباع احتياجات الدولة ولا حتى ما يزعمونه احيانا من مقتضيات الأمن.. انها مصادرة ترجع اساسا الى اعتبارات «أيديولوجية» وهذا هو السبب الذي يفسر لماذا تمت مصادرة 85 في المئة من أراضي العرب حتى بعد ان أصبحوا مواطنين داخل اسرائيل. والغريب ان صدرت ستة قوانين تقضي بهذه المصادرات ولكن دون ان يأتي في أي واحد منها ذكر لكلمة «عربي» رغم ان كل هذه الأراضي كانت مملوكة لافراد من العرب. «سواقط القيد» من جوانب التمييز ضد العرب جانب اعتمادات الميزانية، ان حكومة اسرائيل تنفق على تعليم الصبي العربي نصف ما تنفقه على تعليم الصبي اليهودي رغم ان الاثنين ـ من ناحية الشكل (والبروباجاندا طبعا) ـ مواطنان في كيان سياسي واحد. وثمة مصطلح يكشف بدلالة واضحة عن حقيقة التمييز الذي يعانيه العرب في اسرائيل.. هذا المصطلح هو «القرى غير المعترف بها» وقد يرادف مصطلحا تعرفه البيروقراطيات العربية وهو «سواقط القيد». ورغم ان المصطلح غريب ويفتقر الى أي معنى او منطق، لاسيما في «دولة» يقال انها تتبع الاساليب الحديثة في ادارة شئون رعاياها، إلا أن هناك بالفعل قرى عربية كان قد تم تأسيسها قبل عام 1948 وما زالت قائمة ولكن حكومات اسرائيل تتعامل معها كأنها ليست موجودة اصلا.. أو كأن اهلها - العرب طبعا - ينتمون الى كوكب آخر.. لا توصيلات من الطرق الممهدة ولا من امدادات المياه ولا شبكات الكهرباء.. بل هو التجاهل التام لهذه المجتمعات والقرى العربية فيما تستقدم اسرائيل ـ كما هو معروف ـ مهاجرين من بولندا وروسيا وغيرهما وسرعان ما تنشئ لهم قرى ومرافق وتوصيلات وامدادات! ـ طبعا تحرص الادارات الصهيونية على أن يظل هذا التمييز (العنصري) ضد العرب امرا مرهفا ومضمرا ومستترا لا يكاد يظهر في متن التشريعات الرسمية او القوانين التي يتعين اعلانها وقد تجد من يراجعها او ينتقدها في المنظمات والمحافل الدولية من هنا فالتمييز الحقيقي ضد العرب يظل محصورا في مجال الممارسة. هم حريصون مثلا الا يصدروا قانونا يحظر على العربي الكفء ان يتولى وظيفة مهمة او محورية لكنهم في مجال الممارسة لم يعينوا قط اي عربي في مثل هذه المواقع.. لقد اصدروا احدث ميزانياتهم وليس فيها شكل اي تمييز سافر ضد العرب.. لكنهم سوف يلجأون الى ما يسمونه باسم «مناطق الأولوية» وهي دائما اسرائيلية وصهيونية ويهودية في حين ان مناطق العرب ومواقع تجمعاتهم تظل دائما المناطق المتأخرة في سلم الأولويات. في مجال العمل السياسي والتشكيلات الحزبية لم تكن اسرائيل لتسمح بقيام أي احزاب عربية في داخلها في عام 1970 وعندما قامت حركة الأرض في عقد الستينيات اعلنت اسرائيل انها منظمة غير مشروعة.. وجاءت مرحلة التحول بعد مسيرة يوم الارض في 30 مارس عام 1976 وقد شهدت مصرع 6 من العرب واصابة مئات منهم بجراح وهزت الحادثة اركان الادارة الصهيونية. يومها كانت الخشية من تفاقم مشاعر الغضب في نفوس أبناء المجتمع العربي داخل اسرائيل.. ولعلهم كانوا يخشون من ان تتخذ هذه المشاعر مسارات لا يمكن التحكم بها بل ولا سبيل الى رصدها او التعامل معها.. هنالك بدأوا يخففون قبضة القوانين وكان ان سمحوا بتجمعات عربية كان يقصد بها اصلا ان تكون تقليدية ومعتدلة.. لكن العناصر العربية الحركية من المثقفين والساسة المناضلين عمدوا الى استغلال هذا الهامش لكي يرفعوا صوت شعبهم ويعبروا عن آلامه وأمانيه ويؤكدوا عمق روابطهم من داخل اسرائيل الى سائر الوطن الفلسطيني ومنه الى كل أقطار الوطن العربي الاكبر بل والعالم كله. هذا هو السبب الحقيقي الذي يحاكم من اجله الدكتور عزمي بشارة امام المحكمة العليا في اسرائيل رغم انه نائب يتمتع بالحصانة في البرلمان. وهم في هذا يمارسون لعبة الشرعية واللاشرعية ويخلطون الاوراق بينهما حيث الفروق دقيقة مثل شعرة مرهفة. ـ اسرائيل ما زالت تلعب بورقة الديمقراطية بالنسبة للجماعة العربية التي تعيش في داخلها.. انها ليست بحاجة الى تكرار سياسة الفصل العنصري الذي سبق اليها نظام الاقلية البيضاء في جنوب افريقيا، لا لان اسرائيل شغوفة بالعرب هناك بل لان ثمة فرقا نوعيا بين الحال في جنوب افريقيا وفي اسرائيل. في بريتوريا كان السود يمثلون اغلبية سكانية وكان المستوطنون البيض (الافريكانو) هم الاقلية، ولذلك دعت الحاجة وقتها الى اتباع سياسة الفصل - الابارثيد - واسرائيل ليست بحاجة اليها لأن العرب في داخلها ما زالوا اقلية، وليس معنى هذا انها لن تمارس التمييز ضدهم. العكس هو الصحيح سوف يظل التمييز قائما بأساليب شتى وخاصة بعد مشاركتهم في الهبة الشعبية (التعبير للدكتور عزمي بشارة) في اكتوبر سنة 2000 وما اسفرت عنه من ادراك اسرائيل ان العرب في داخلها تعتمل في نفوسهم مشاعر الغضب ازاء ما يلقاه اخوانهم في الضفة وفي القطاع وربما ازاء ما يلقونه هم أنفسهم من تضييق وتمييز.