عندما صادق رئيس هيئة الأركان العامة، بعد ظهر يوم الجمعة، على دك أسس مبنى السلطة الفلسطينية (العمارة) في الخليل، كان يعرف أن المطلوبين لا يتواجدون داخل المبنى. لقد جاء هذا الهدم في إطار سياسة منهجية ، موجهة، متعاقبة، سياسة لم تعترف بها إسرائيل حتى اليوم. ظاهريا، يجري الحديث بشكل عام عن كتلة إسمنتية بنيت من الحجارة والرمل والطين، وهي مواد تفتقد إلى أية قيمة قياساً مع المعاناة التي يواجهها البشر خلال العامين الأخيرين. ولكن وراء المهارة التي أبداها سلاح الهندسة في عمله في وضع العبوات في الأماكن الصحيحة، التفجير القوي، الذي يظهر جيدا في الصور، والذي يشبع غريزة الجوع إلى الانتقام، ومن ثم هجوم الجرافات الضخمة، بهدير مجنزراتها وتحت ستار من الغبار الكثيف لاستكمال المهمة يستتر أكثر من ذلك، ويمكن القول ان ما حدث هنا يعتبر عملا تاريخياً. لقد عرفت هذه الأرض في تاريخها العديد من الأقوام. وكان البريطانيون هم أكثر احتلال منظم. لقد عرفوا بأن السلطة يجب أن تقام وأن تكون ملء الأنظار. ولذلك أقاموا في عشرات النقاط، في مختلف أنحاء البلاد، داخل المدن وعلى مفارق الطرق الهامة، مبان متشابهة، جيدة التحصين، مغطاة بطين متشابه اللون، البني الداكن، فبثوا بذلك رسالة موحدة إلى الجمهور: السلطة قائمة، يوجد مالك للبيت وهو يتواجد هنا وليس في مكان آخر. في عام 1948 دخل الأردنيون إلى المباني البريطانية في الضفة. وفي غزة دخلها المصريون. وفي عام 1967، استبدلتهم إسرائيل. فقد كانت هذه المباني مقرات للجيش الاسرائيلي وللشاباك والحكم العسكري والإدارة المدنية التي ورثته. وفي عام 1994، دخل إلى تلك المباني رجال السلطة الفلسطينية. إذا كان هناك من توقع هجوم جموع الفلسطينيين على هذه المباني المقيتة، التي رمزت إلى الاحتلال، ويحدث فيها الدمار الذي أحدثته الجموع الباريسية عندما هجمت على الباستيل، فقد أخطأ. لقد جلس ضباط السلطة بارتياح على الكراسي التي خلفها ضباط الجيش الاسرائيلي. وبقيت السجون وغرف التحقيق كما كانت، ناهيك عن المكاتب. لقد سنحت لي فرصة التقاء الجنرال ناصر يوسف، قائد الشرطة الفلسطينية في غزة، فور جلوسه في مكتب سابقه. كان يمسك العصا بيده، فهي رمز السلطة. وكان يشعر بالفرح كالطفل الذي يتسلل إلى سرير والديه. مبنى السلطة في الخليل كان يقوم على قمة الجبل الذي يشرف على المدينة كلها. من يقف هناك يسوده الاقتناع بأنه يسيطر على المدينة. هكذا شعر أنصار ليفنغر وبيني كتسوبر (من زعماء المستوطنين) الذين بدأوا مشروعهم الاستيطاني في ساحة المبنى. ومن المؤكد أن عرفات شعر كذلك، عندما هبطت مروحيته في الساحة بعد توقيع إتفاق الخليل. كل من تواجد هناك لن ينسى الطقس الاحتفالي: لقد كان يعج بالرموز العسكرية والرسمية المناسبة لاستقبال محرر المدينة. حسب المنطق التاريخي كان يجب على الاحتلال الإسرائيلي لعام 2002 أن يدار مثل كل احتلال آخر، بما في ذلك الاحتلال الاسرائيلي لعام 1967: أن يقوم أحد الجنود بانزال علم السلطة السابقة من على سطح المبنى ورفع علم السلطة الجديدة مكانه. لكن إسرائيل اختارت طريقة اخرى، هذه المرة: تخريب السلطة بدل استبدالها. لقد دمرت العمليات العسكرية الاسرائيلية، في السنة الأخيرة، كل المباني البريطانية، أو غالبيتها. إذ اتخيل انه تبقى منها بناء واحد: مقر الشرطة في أريحا. فهناك يشرف سجانون بريطانيون على حراسة مجموعة من المطلوبين الذين يحظون بمعاملة خاصة، اولئك هم بقايا الحصار الذي فرضه الجيش الاسرائيلي على مقر عرفات في رام الله. فبوجودهم هناك، ينقذون المدينة والمبنى البريطاني. حكومة شارون تعري الفلسطينيين من كل رموز سلطتهم، وترفض من جانب آخر، أخذ السلطة إلى أياديها. إنها أول احتلال، يرغب بالدمار. إننا نحب هذه البلاد أكثر منهم. ولذلك يحق لنا، كما يبدو، هدمها بلا حساب. قائمة المباني التي تم التفكير بهدمها، هذا الأسبوع، تشمل، إضافة الى مباني السلطة، بناية إحدى الجامعات، المعادية بلا شك. ولكن ما ذنب المباني؟. إن السبب الأساسي لدافع الهدم هذا، باستثناء الغريزة، هو سبب سياسي: بما أن حكومتنا ليست قادرة على التوصل إلى اتفاق داخلي حول ما سيحل بدل سلطة عرفات، فإنها تقوم بإيداع المستقبل، مستقبلهم، ومستقبلنا بأيدي جنود سلاح الهندسة. يصعب التقدير بأن هناك من يصدق بجدية أنه ستنمو من بين هذه الخرائب، الديمقراطية الفلسطينية التي يحث الرئيس بوش، بتحمس، على إقامتها. لقد علمنا آباؤنا أن من بين الخرائب تنمو عادة، أعشاب الشومر والأشواك، ليس أكثر. عن« يديعوت أحرونوت»