في مركز الحروق الاكبر في الهند بمستشفى فيكتوريا في بانغالور، يتكرر مشهد مروع بانتظام. امرأة تعاني من حروق بالغة يتم ادخالها المستشفى من قبل زوجها واقاربه. تدعى المرأة ان موقد الجاز انفجر في المطبخ، ويقوم الطبيب بتسجيل افادتها. وبعد ساعات او ايام، تموت تلك السيدة وتقوم الشرطة باغلاق ملف القضية باعتبارها حادثة عادية وقعت قضاء وقدراً. تقدم دراسة اجريت مؤخراً وهي الاولى من نوعها، دليلاً دامغاً على ما يعرفه الكثيرون في الهند، وهو ان العديد من هذه «الحوادث» هي في الواقع جرائم قتل مرتبطة بالمهر او حالات انتحار قسرية او اعمال عنف رهيبة ضد زوجات لا يستطعن تلبية مطالب ازواجهن واقاربهن بالمزيد من المال. فمن المعروف ان الزوجة هي التي تدفع المهر في الهند، حسب عاداتهم وتقاليدهم المتوارثة. وتشير الدراسة إلى انه وعلى الرغم من القوانين الهندية الصارمة ضد المهر والحملات الاعلامية من قبل المنظمات النسائية، الا ان الحوادث كهذه تشهد ارتفاعاً في عموم الهند. الأسوأ من ذلك، كما يقول الخبراء، هو ان المجرم ينجو بفعلته دائماً دون عقاب اما لأن الشرطة وخبراء الطب الشرعي لا يحققون في القضايا او لأن الفساد المستشري يدفنها في مرحلة لاحقة. ويطالب نشطاء في مجال حقوق النساء واطباء ومحامون وقضاة بتطبيق صارم للقوانين القائمة. وبخلاف ذلك، فإن آلاف النساء سيعانين من موت وحشي وملايين غيرهن سيواصلن تحمل العنف والترهيب. اجرى الدراسة بالديف راج شارما، وهو خبير طبي قانوني في قسم الطب الشرعي بمستشفى الكلية الطبية الحكومي في شانديجار باقليم البنجاب، وزملاؤه. وتظهر تحليلاته لـ 385 حالة وفاة ناجمة عن الحروق في المستشفى الذي يعمل به بين عامي 1994 و2001 ان غالبية النساء الـ 292 اللواتي توفين لم يكن ضحايا لحوادث في المطبخ. والادهى من ذلك هو ان الارقام هذه تعتبر في ازدياد. ففي عام 1994 كانت الحروق مسئولة عن 12% من حالات الوفاة التي جرى فحصها في المستشفى. وفي عام 2001، قفز الرقم إلى حوالي 30%. غير ان تقارير الشرطة التي فحصها شارما خلصت إلى نتيجة مفادها ان 97% من النساء تعرضن للحروق في حوادث وقعت في المطبخ، وفي العادة بسبب موقد جاز منفجر. ومع ذلك، فإن الكاز لم يكن حتى مستخدماً في المطابخ في بعض البيوت. وفي حين ان غالبية حوادث المطابخ تسبب حروقاً على الذراعين والصدر والبطن، فإن العديد من هذه النساء كانت تعاني من حروق بنسبة 80 ـ 90%. ويتساءل شارما قائلاً: «كيف يمكن ان تكون تلك الحروق عرضية. واكثر الاشياء المنذرة بالخطر هو ان النساء الشابات هن اللواتي تستهدفهن هذه الاعمال. وهن نساء متزوجات حديثاً، او في الاعوام الخمسة الاولى من الزواج». وفي البيوت الهندية التقليدية، تتعلم البنات الطبخ عندما يكن في سن الثالثة عشرة، وهي الفترة التي يمكنك فيها ان تتوقع حدوث معظم الحوادث. اما في الغرب، فمعظم ضحايا الحروق تكون من الاطفال وكبار السن. وعلى النقيض من ذلك، فإن نسبة 4% فقط من حالات الوقاة التي درسها شارما كانت لفتيات اصغر من 15 عاماً. والرقم هذا يقفز إلى 16% بالنسبة للنساء اللواتي تتراوح اعمارهن بين 16 ـ 20 سنة، وهي السن التي تتزوج فيه غالبية الفتيات، وإلى 28% بالنسبة للنساء اللواتي تتراوح اعمارهن بين 21 ـ 25 سنة. والمعلومة الاحصائية الخطيرة هي ان كل امرأة متزوجة منهن تعرضت للحرق في منزل اهل زوجها. ويقول شارما ان هذه المعلومة «تتحدث عن نفسها بنفسها». اذن لماذا، في ظل هذه الادلة الدامغة، ينجو المذنب بفعلته بشكل دائم تقريباً؟ يقول مادافامينون، وهو من ابرز الخبراء القانونيين في الهند ونائب رئيس جامعة غرب البنجال الوطنية للدراسات القضائية في كالكوتا ان المشكلة لا تتمثل في القوانين المناهضة للمهر، فهي قوانين صارمة بما فيه الكفاية وانما تتمثل في التحقيق. تبدأ المشكلة بافادة المرأة على فراش الموت. ويقول إل. ثيرونا فوكاراسو من كلية سانت جون الطبية في بنغالور، الذي اجرى العديد من فحوصات بعد الوفاة على ضحايا الحروق عندما كان رئيساً لقسم الطب الشرعي في مستشفى فيكتوريا: «ان هناك اعتقاداً يقول ان الشخص الذي ينازع الموت لا يكذب. وهذا افتراض شرعي». وفي الحقيقة ان الزوجة التي يحضرها في العادة زوجها واهله إلى المستشفى تمتنع عن قول الحقيقة خوفاً من الحاق الاذية باهلها او ابنائها اذا ما دخل زوجها او اي من افراد اسرته السجن. وحتى ان اعترفت الزوجة بحقيقة ما جرى، ووجهت الاتهام إلى زوجها واهله، فإن هذه الادلة لا تعتبر كافية بحد ذاتها وان كانت المحكمة تضطر في هذه الحالات إلى فتح القضية واخذ الاعترافات تلك بعين الاعتبار. ولأن الشرطة غالباً ما تبدأ تحقيقها بعد وقوع الوفاة، فإن الادلة الداعمة للاتهام تكون قد اختفت من مسرح الجريمة، ويتم اعتبار الوفاة قضاء وقدراً وينجو الفاعل من العقاب. ترجمة: ضرار عمير عن «اسكواير»