اذا لم يتلفها اعتداء عنيف، تشهد الخلايا موتا مبرمجا يطلقه الجسم لتأمين بقائه. في الواقع، هذا «الانتحار» الخلوي المدهش هو ضمانة للصحة الجيدة. عندما نكون مجرد خلية، يتجلى الموت بوجهين «النخر، نوع من التفتت الناشئ عن عدوان عنيف، او موت الخلايا المبرمج، وهو عملية تدمير ذاتي معقدة يستحثها الجسم من أجل تأمين بقائه. وكما تضحى الاشجار بأوراقها، كي تحترس من البرد، كذلك الجسم، فكي يبقى في حالة صحية حسنة، عليه افناء مئة مليار خلية كل يوم. ليس ذلك على نحو مباشر، لا، بل بدفعها الى الانتحار ويتيح ذلك للجسم التخلص من الخلايا التالفة، وايضا وبشكل خاص توازن المئة مليار انقسام خلوي، التي تجدد البدن. يبدو هذا الموت المبكر، المبرمج، كتضحية ـ وتلك مفارقة ـ تؤمن بقاء البدن كله. واقعيا، تتلقى الخلية، في كل لحظة من حياتها، معلومات من كل اتجاه، فتدمجها، تتصرف بالنتيجة. ولكن، من بين هذه الاشارات المرسلة اليها، يمكن ان يحمل البعض امرا مقتضبا باسلوب: «انتحري»، ويتعامل بعضها الآخر مباشرة، وبشكل أدق، مع السيرورات التي تدفعها للبقاء حية. في الواقع، كل الخلايا مزودة بمستقبلات وبمنظومات تنبيه مكرسة لتلقي رسائل موت وحياة تأتيها من الخارج. الموت لخدمة الحياة عندما تأمرها هذه الاشارات باقتضاب كي تدمر ذاتيا، يمكن للخلايا ان تستجيب بأقصر الآجال، عبر شلال حقيقي من التفاعلات الكيميائية التي تحدث في وسطها. تنكمش الخلية، وتتفتت نواتها، ويبقى غشاؤها سليما، غير انه يشكل تقببات تنتهي بالانفصال، ولا يبقى على منظفات البدن، والملتهيات الكبيرة «الخلايا البلعمية ان لم يكن الخلايا المجاورة، الا اخلاء المكان بامتصاص وهضم الخلايا المحتضرة. موت نظيف. يساهم الجزء الاعظم من خلايا الكائن الحي في النهاية الذاتية على نحو فاعل.. لماذا؟ لاحظ العلماء منذ منتصف القرن التاسع عشر ان تكون المضغة نفسه، لدى كل الأنواع المدروسة، موسوم بالانطفاء الشامل للخلايا. الا ان تفسير هذه الظاهرة لم يأت الا بعد قرن لاحق: يشكل الموت الخلوي جزءا لا يتجزأ من برنامج نمو المضغة. انه وسيلة «نحت» البدن، مثلا، خلال التحول من الشرغوف الى الضفدع، يعمل موت الخلايا على «ازالة» الذيل والغلاصم. نمو الجنين ولدى الجنين البشري، فان موت الخلايا هو الذي يفصل الاصابع ببرمجته موت الانسجة التي «يلصقها» معا في البداية. الانبوب الهضمي، والكليتان، والعظام.. كل الاعضاء خاضعة لهذه العملية، هذه السيرورة التي تتدخل حتى في التمايز الجنسي. في الواقع، لدى المضغة بدايات اعضاء جنسية ذكورية وانثوية. ذلك الى ان يمارس «الابوبتوز» عمله، فيزيل الانسجة الخاصة بأحد الجنسين. في الحقيقة، اكتشف حديثا ان الموت المبرمج، ومنذ أيام الحمل، يساهم في تكوين مختلف الطبقات الخلوية التي تبنى المضغة. له ايضا دور في الجهاز العصبي. ففي الدماغ، تمد الخلايا العصبية استطالاتها ـ المحاوير والتغصنات ـ باتجاه الخلايا الاخرى لوضع الوصلات ولكن، اذا لم تتلق الخلية العصبية في الوقت المناسب اشارة هدفها الكيميائية التي تشير لها فيها بأن الوصل قد تم فعلا وان المعلومة تسري بشكل صحيح، فانها تدمر ذاتيا. ولما كانت الخلايا الهدفية لا ترسل جميعها الاشارات نفسها، فان على تلك التي تقيم وصلا مع خلايا اخرى غير مناسبة ان تنحذف من تلقاء نفسها. وهكذا، فان ما يقرب من نصف الخلايا العصبية يموت لأنه لم يقدر على عقد تماس صحيح مع اخرى، مخلية المكان لشبكة صحيحة الوصلات. موت الخلايا المبرمج هو في قلب الدماغ. تخضع اللمفيات، خلايا الجهاز المناعي، للمصير نفسه. حارسات البدن هذه المزودة كل منها بمستقبل خاص يتيح لها كشف المعتدي. وكي تكون الحراسة فعالة، يلزم اذن ان يكون لكل لمفية مستقبل نوعي لكل معتد. ولكن، هنالك عدد كبير من الفيروسات، والجراثيم، والمستضدات اي المركبات العضوية التي تحرض الجهاز المناعي اثر دخولها البدن لتشكيل اضداد نوعية تجاهه من كل نوع ولا يستطيع البدن ان يعرف ما هي قبل ان يلتقيها. كيف يحمي نفسه من تهديد متعدد الاشكال مجهول؟ لجأت الطبيعة الى اسلوب بارع للغاية: ولدت بالمصادفة، من خلال تركيب بعض العناصر فقط، الى مالا نهاية، اكبر تنوع ممكن من اللمفيات. وهكذا، أيا كان الدخيل، يجد الجسم فرصة لاعتراضه. ولكن، ماذا يحدث لو ان هذه العملية «لم تعد تؤدي مهمتها؟.. يدرس العلماء هذه المسألة منذ عشر سنوات، وقد تبين لهم انها تؤدي دورا أساسيا في الامراض، بدءا بالسرطان. كانوا ينظرون الى هذا الداء فيما مضى على أنه «مرض التكاثر»، واليوم هناك وجهة نظر جديدة. الخلايا السرطانية هي في الواقع تلك التي فقدت القدرة الطبيعية على التدمير الذاتي. النتيجة: يمكنها التكاثر في كل الاتجاهات، والنزوح نحو أجزاء اخرى من الجسم وتشكيل ابتثاثات. اخيرا، اذا كان موت الخلايا المبرمج يشكل حجر الزاوية في العديد من المرضيات، فهل يمكن ان يصبح اساسا للعديد من العلاجات؟.. مثلا، قد يبدو من المفيد تحريض موت خلايا الأوعية الدموية التي تغذي الأورام او ايقاف موت الخلايا العصبية المحرومة من الاكسجين عقب انسداد وعائي. فكرة مغرية، ولكن محفوفة بالمخاطر. في الواقع، غالبية الآليات التي تضبط موت الخلايا «ليست مكرمة له حصرا. ومن هنا ضرورة الحذر البالغ بالنسبة للباحثين. اذن، «الانتحار» الخلوي ضروري للحياة. هل له دور في موت البدن نفسه؟ لا، الا عند حدوث خلل في عمل الابوبتوز يؤدي الى مرض يصيب احدى الوظائف الحيوية. موت البدن الطبيعي ناجم عن شيخوخة الخلايا. وهذه حكاية اخرى. محمد الدنيا