في الاصدار الجديد لدار «ميريت» للنشر، القاهرة 2002، عبر كتاب «سماء أخرى» للشاعر اللبناني عقل العويط، تدخل تجربة شعر الثمانينيات مرحلة الظهور والنموذجية وقراءة النقد. أي ان الأوان قد جاء في وقته المناسب لأسباب سنعرضها باختصار: أولها ان الثمانينيات كمرحلة تاريخية قد دخلت عقدها الثالث. وثانيها ان مرحلة الشعر السبعيني كانت قد طغت على المشهد الشعري العربي لأنها كانت الامتداد أو التغيير قياسا بمرحلة الستينيات. ثالثها، وهو الأهم، ان اكتمالاً معيناً قد امتازت به تجربة الثمانينيات العربية في الشعر. ولكل هذه الأسباب فهذا هو وقت الشعر الثمانيني، وهو الوقت الملائم لتلمس اقتراحه الشعري ونماذجه وتبلوره. في نشرها لمختارات شعرية لشاعر ثمانيني انتبهت دار «ميريت» الى الظاهرة التي تأخذ طريقها الى العلن والصوت الخاص. وفي المقام الأول ان الشاعر هو الذي اختار قصائده كإشارة منه الى ما يمثله ويعبر عن تجربته جوهريا. يضاف اليها قراءة ادوارد الخراط لشعر العويط، والممثلة اضاءة على تجربته.. فما هي الملامح العامة التي يمكن التقاطها في تبلور شعر ثمانيني عند عقل العويط موضوع المختارات تحديدا وما هي بعامة دلالات المختبر الشعري الثمانيني وانعكاسها على قصائد «سماء اخرى»؟ الاشكالية التي وقفت بوجه الاقتراح الشعري الثمانيني، هي كيفية معاودة الاتصال بتجربة شعر الستينيات، والاشكالية هنا تقنية، عدا عن كونها مفهوماً نقدياً. فلقد كانت قناة الاتصال في تجربة السبعينيات مكرسة احتفاليتها، بوجه عام، في حدود منطق الايقاع والتفعيلة. لقد غلب الصوت التفعيلي على تجربة السبعينيات، مع استثناء عباس بيضون وبول شاؤول ووديع سعادة. هنا كانت المشكلة الأبرز في الاقتراح الثمانيني: كيف يمكن معاودة الحوار مع الرواد، المحدّثين، دون المرور بالاجتهاد السبعيني؟ القراءة هنا حول شاعر بعينه، وكذلك الأخذ بالاعتبار الحيز المهني الصحافي. لهذا سينصب الكلام على عقل العويط، وفي مختاراته التي أصدرتها «ميريت» وكيف أعاد العويط الحوار «مجدداً» مع أسلافه الشعريين؟ العويط تجاوز العتبة، عتبة الاجتهاد القريب المتمثل بطغيان البلاغي على العاطفي مثلما نرى في تجارب شوقي بزيع ومحمد علي شمس الدين وغيرهما من أصوات السبعينيات التي عوّمت البلاغي الصوتي على الداخلي الكتابي. فإذا كان الاقتراح السبعيني يتمثل في علاقة المنطوق بالمتلقي، وما ينسحب منه على تجسيم الملفوظ مقابل انعدام التكوين، فإن عقل العويط آثر الهمس من الأنا الى الأنا، لا وسيط، لا سمسرة على حساب القول: هاك نبذة عني أيها الموت فقد ترفع الكلفة بيننا ومن يعرف قد أدعوك لتكون ضيفاً لوجودي قد أغفّيك لتتقمص الخيال والزمن قد أشعلك بهوس تمجيد الطفولة وبالعشيقة الحياة ربما توصي لي بالممالك دون سواي ربما تصرف انتباهك عن مشاعر الكبت النقطة الثانية في حوارية العويط تتمثل في الانشاد والتنامي، الأخيرين اللذين اتخذا شكلاً منبرياً في الاقتراح السبعيني، يعيد العويط الحوار ذاك من خلال تثبيت التنامي على خلفية الأنا التي لا تخاطب إلا أنا مثلها، ولتكن، هذه المرة، عاشقاً ومعشوقاً: تأوهاتكِ لينةٌ شعاع يشق دربه إلى أول الفجر عنبٌ مهيّأ ليشمّس تحت المغيب وتفوحين من حناياك في عتمة هائلة لم أشأ ان أرشدك الى الصحو فمن يوقظ نائمة يقظة وهل أعمى يرشد سكرى الى الهاوية؟ بيّنة وغامضة كسبيكة ذهب وبكِ أنا بين الوهم والحسّ في الجانب الخطابي من شعر السبعينيات لم تعد الذات مكانا للمعرفة، بل الجماعة، وهو ما عزّز الصوت والنبر والملفوظية، ومع تضاؤل الذات كمكان للمعرفة، انعدمت امكانية الرؤية كسمت ذاتي. نرى في تجربة العويط تمحوراً ذاتياً وكيف لهذا التمحور لا أن ينتج المعرفة وحسب، بل يهدمها إذا أراد: «ويحزن حزن الليل الذي يحزن لأنه لا يكون أكثر، وحزن الماء الذي يتخلّى عن النبع ولا يعود اليه. شأن الشاطيء يتلمس جسد اليابسة ولا يكون اياها. واليابسة تلك مهما استبدّ بها الشوق لن تعرف ان تسترخي في البحر كغيمة منتحرة. شأن المدينة تغلق الأبواب والنافذة قبل ان تشرب الحرارة. وشأن الحزن يحزن الجسد ولا يتمالك أن يرتجف من ذاته المرتبكة ومن شدة الرحلة أيضا». يتأكد مثالا بعد مثال كيفية تعاطي العويط مع أسلافه الستينيين، فهو أعاد التكوين الناتج عن تقاطع الأنا بالآخر، وكذلك تثبيت التنامي كإشارة قصوى عن مركزية الأنا. والعويط في حواره مع الرواد إنما يطالب بحصته، بالجزء المستحق له من الوراثة الشعرية، في قلق تأثر من الطراز الذي يعتبر هارولد بلوم علاقة ابتكار وضرورة تفرضها الموهبة من خلال قلق التأثر. قلق التأثر هذا هو الذي دفع بشاعر كالعويط لتجاوز الاجتهاد السبعيني، إذ انه لم يمارس معه قلقاً تأثرياً أو قلقاً معرفياً. بل قفز الى الآباء، الاقوياء، محاوراً مطالباً بحصة من الملك وانه هنا، زارعا قدمه في أرض الشعر. هذا الاقتراح الذي طرحه العويط يمثل جزءا من اقتراحات شعراء الثمانينيات، خصوصا ان هذا الشعر يدخل الآن أوانه ومكانه، إن في القراءة أو النقد على حد سواء. عهد فاضل