بين الشعر والقصة والرواية تنقلت تجربة الكاتبة السورية أنيسة عبود، لكن روايتها «النعنع البري» التي فازت بجائزة المجلس الأعلى للثقافة ، في القاهرة، كانت الأهم من بين نتاجاتها الغزيرة التي تجاوزت الثمانية أعمال، وهاهي اليوم تضعنا أمام عنوان غامض ومثير في روايتها الثانية «باب الحيرة» التي صدرت لتوها عن دار كنعان بدمشق، فأي العوالم جاسها قلم الأديبة وكيف ؟ إذا كانت الأبواب فواصل العوالم، وستر الأسرار والخبايا التي تستثير الأسئلة، فإن «باب الحيرة» ينفتح على غريبين تحت سماء واشنطن الماطرة، وعلى شهوة مربكة آخر الليل، تستعيد وقعها أولى شخصيات الرواية رولا وهي تقول: «لأعترف لا أدري ما هو السبب ؟ أهو العطر الذي وضعته، والذي راح يبث حولي عالماً غامضاً كأنك تسير في غابة أفريقية والمطر يزخ وأنت عليك ان تحتمي بشجرة وارفة، كان علي ان اقترب أكثر منه وهو يحمل مظلة صغيرة...» ص7. وبهذه الفاتحة التي تبدأ بسؤال وذاكرة مثيرة للكشف، تواصل الرواية عبور بواباتها الممتدة على تلك المساحات الشائكة والملتبسة، التي تؤسسها العلائق الإنسانية على غزارتها واختلاف تنوعها، من علاقة الأنا بنفسها وذاكرتها وأخيلتها، إلى علاقة الأنا بالآخر والمحيط الاجتماعي، مرورا بعلائق الخلق والإبداع وعلاقة المبدع بالعوالم والشخصيات التي يبتكرها، ومن علاقة الحاضر بالماضي إلى علاقة الشرق بالغرب، وصولا إلى العلاقة بالعولمة والأمركة . تستثير هذه العلائق المتنوعة، شبكة واسعة من الموضوعات والبئر الإشكالية، التي يتقاطع في صلبها الخاص بالعام والمحلي بالعالمي : الحب والحرية والموروثات الاجتماعية الضاغطة عالمية المبدع العربي، تلوث البيئة والتصحر وسرقة المياه، اغتصاب الأراضي العربية من اللواء إلى فلسطين فالجنوب اللبناني وتخاذل الأنظمة العربية أمام مخططات العدو، سياسات أمريكا العدوانية اتجاه شعوب العالم الفقيرة والحروب الإتنية والطائفية التي تفتعلها على أراضيهم، هجرة المثقفين العرب والتجنس والانصهار في الحياة الغربية، العولمة والعادات الاستهلاكية . وقد رسمت الكاتبة عبر موضوعاتها هذه فضاء موسوما بالأسئلة والألم، شمل مساحات جغرافية مترامية الأطراف وبيئات اجتماعية مختلفة، اختارت لربطها ببعضها حبكة مشوقة، وهي دعوة مجموعة من التشكيليين العرب لحضور مؤتمر دولي حول الفن في أميركا . في هذه الحبكة شكلت ذاكرة الشخصيات النابضة بالحياة التي ابتكرتها الأديبة الحوامل الرئيسية لبنية الرواية ومحركاتها، وهي شخصيات نسائية بالدرجة الأولى، اثنتان منهما قامتا بدور السارد الداخلي للرواية وهما زينب ورولا، الأولى فنانة تشكيلية سورية، أبوها خضر مناضل ومدرس تاريخ، نزح من اللواء، وسجن مرتين أثناء الوحدة وأثناء الانفصال، بعدها ترك تدريس التاريخ وتحول إلى الصيد، أمها امرأة متسلطة وسليلة أسرة إقطاعية كانت متعاونة مع الاستعمار، أخوها الصغير أخذه البحر والباقي أخذتهم البلدان الاشتراكية سابقا وتحولوا إلى تجار، حبيبها وخطيبها الضابط وائل قتله الأخوان المسلمون، فعاشت فترة طويلة تجتر مراراتها إلى أن تعرفت وأحبت مهندس الجسور آرام المتزوج، أما رولا الدكتورة في علم البيئة، فهي مناضلة من الجنوب اللبناني، أسرت في أنصار وهجرها الرجل الذي تحب، تزوجت بالقوة وعاشت بالإكراه مع رجل ثري لكنه عنين وعميل، ابنها البكر مات في القصف وابنتها الثانية فقدت بصرها أثناء مجازر قانا، وبديهي أن هذا التركيب الاجتماعي والنفسي والوجداني المعقد والمتعدد المستويات لهاتين الساردتين هو الذي أثار موضوعات الرواية وأسئلتها الموجعة . تلتقي هاتان الشخصيتان في مطار شارل ديغول متوجهتين إلى أميركا، الأولى لحضور المؤتمر الفني، والثانية لإلقاء محاضرات حول البيئة، وفي واشنطن تتعرف رولا عبر زينب على الفنان الإماراتي كاظم الذي يعشقها وتحبه، لكن تشوهات روحها تمنعها من الاسترسال في هذا الحب، وإذا كانت الرواية قد انفتحت على ذاكرة رولا فإنها انتهت بذاكرة زينب، وعبر هاتين الذاكرتين حفرت الأديبة عميقا واستنطقت بجرأة عالية، تاريخاً مرعباً من القهر الاجتماعي والسياسي والعاطفي والجنسي الذي يثقل كاهل المرأة العربية، تحديدا تلك التي تشعر بكرامتها وترغب في تحقيق ذاتها، وقد لعبت أنيسة لعبة التماهي ما بين الشخصيتين طوال الرواية، بحيث وضعت القارئ أمام سؤال محير هل رولا هي زينب نفسها، أم أنها إحدى الشخصيات التي خلقتها بألوانها وريشتها ثم قتلتها ومعها كاظم في فصول النهاية ؟ ضمت الرواية شخصيات كثيرة أخرى بالإضافة إلى هاتين الساردتين، وهي شخصيات مختلفة من حيث تكوينها النفسي وانتماءاتها وشروط حياتها، فهناك شخصية عمار المتأمرك تماما، وشخصية سامي المهاجر الذي يحن إلى وطنه، شخصية الفنان جورج الأميركي الودود، وأبو ذر الغفاري الذي تستحضره ذاكرة زينب باستمرار مكبلاً بالقيود، شخصية الكاتبة مريم أرملة الدكتور فاضل الذي اغتاله الاخوان، والفنانة السورية عائدة التي هجرت زوجها بسبب خياناته المتكررة لها. وهكذا إلى آخر الشخصيات الحاضرة في صلب الحبكة الرئيسية للرواية أو التي استحضرتها الذاكرة، ونلاحظ أن معظم الشخصيات النسائية التي ابتكرتها المؤلفة، هن نساء فاعلات وذكيات تحولن إلى الإبداع بعد سلسلة من الإحباطات في علاقتهن مع الرجل، مع أن الروائية تشير عبر شخصياتها إلى أن عالم المرأة لا يكتمل إلا بوجود الرجل، وأن الحب في مستوييه الوجداني والجسدي بالنسبة لهن هو فعل تحرر وانعتاق « وإذ راحت أنامله تفك الأزرار عن بلوزتي الزهرية، شعرت أنه يفك الجدران والسنوات والوجوه عن صدري » ص47 تنهض الرواية على تقنية التداعي والقص داخل القص وتداخل عالم الشخصية الباطني بعالمها الخارجي، بمعنى تداخل الأزمنة والأمكنة ببعضها، وتداخل الراهن بالذاكرة، الحوارات الواقعية بالمنولوجات الداخلية والأخيلة، واستخدام آلية التأخير والتقديم، وعبر هذه التقنيات العديدة تفرعت وتشعبت الرواية إلى خطوط درامية غزيرة، كانت تفترق ثم تعود وتلتقي من جديد، بحيث قد يلتبس على القارئ في البداية التمييز و الفصل فيما بينها، إلى أن يعتاد الإشارات الطباعية التي وضعت للتفريق بين عالم وآخر كالأقواس الصغيرة والخطوط القصيرة . بالطبع ليس مستغربا من شاعرة مثل أنيسة، أن تأتي لغة روايتها حية ومؤثرة تفيض بشعرية خالصة، ساعدت صياغاتها على التكثيف والإيجاز، وغذت النص بالكثير من الشحنات الانفعالية وجماليات الكتابة، بحيث يمكننا القول في النهاية أن « باب الحيرة » رواية تمسك بقارئها جيدا، وتتفنن في استثارة انفعالاته وتحريض ذاكرته، ثم تلاحقه طويلا بشخوصها الآسرة وأسئلتها العصية. تهامة الجندي