يعزز بدء العمل في اقامة الجدار الفاصل بين الضفة الغربية واسرائيل، عملية التحفيز التي تحدث لدى الكثير من الاسرائيليين والتي تحثهم على الانقطاع عن كل ما هو فلسطيني. انهم يرغبون الابتعاد أولا، عن مراكز التخريب الفلسطينية، ولكن، أيضًا، عن الوضع الاقتصادي اليائس، عن الفقر المدقع الذي يلامس الجوع، عن تظاهرات العمال والعاطلين عن العمل وضوائق السكان الذين يخضعون لحظر التجوال، غالبية الوقت.وينبع الحث والانقطاع عن الشعور الاسرائيلي بأن المذنبين الوحيدين المسئولين عن الأوضاع القاسية للفلسطينيين هم قادتهم، وفي مقدمتهم ياسر عرفات، الذين رفضوا الحلول السخية التي عرضت عليهم في كامب ديفيد وقصدوا بعد ذلك طريق الارهاب. ومن هنا يستنتج، ظاهرياً، وكأن هذا الوضع لا يعنينا. وينجم عن ذلك التنكر المطلق، من قبل الحكومة الاسرائيلية، من جهة، ومن قبل الجمهور الواسع، من جهة أخرى، صم الآذان كي لا تسمع الصرخات الآتية من وراء الجدار الفاصل.اننا نتحمل، حاليًا، المسئولية الأمنية في كل المناطق «أ» ونتعامل مع السلطة الفلسطينية كأنها غير قائمة بعد. وعندما يجري الحديث عن قضايا مدنية، فقط، تصبح السلطة الفلسطينية، فجأة، مطالبة بالتصرف كما لو لم يحدث أي شيء خلال السنة الأخيرة، وكما لو أن غالبية مؤسساتها لم تتهدم. من سيعنى بالحياة اليومية؟ لا يهمنا. من جانبنا يمكنهم الاختناق. نحن لا نحكمهم بعد، وانما نشرف على الأمن في المناطق فقط. توجه الاحتلال المتكامل، هذا، دون تحمل أي مسئولية سيرتد علينا، قريبا، كالبوميرانج. فبناء الجدار، مهما كان عاليا ومتيناً، لا يغير حقيقة أنه طالما لم يعلن عن اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ( أو أي كيان سياسي آخر) في المناطق، فان اسرائيل تتحمل مسئولية ما يحدث هناك. واذا كانت اسرائيل قد هدمت السلطة الفلسطينية فان عليها الاهتمام باقامة هيئة أخرى يكون بمقدورها تحمل مسئولية ادارة الحياة اليومية هناك، فوراً. ويمكن لهذه الهيئة أن تكون ادارة مدنية اسرائيلية، أيضًا، لكنه سبق أن أعلنت المصادر الأمنية انه يتحتم على اسرائيل رفض ذلك بشدة بسبب التكاليف المالية الباهظة. الوضع الجديد الذي تولد في السنة الأخيرة انهيار السلطة الفلسطينية وذوبان اتفاقيات اوسلو أعادنا الى وضعية أرض اسرائيل الكاملة ذات الجيبين الفلسطينيين الكبيرين، الأول في الضفة الغربية والثاني في قطاع غزة، الخاضعين للاشراف الأمني الاسرائيلي. وسواء شئنا أم أبينا، فان ضائقة السكان الفلسطينيين في المناطق تؤثر بشكل مباشر على حياتنا داخل اسرائيل. واذا لم يتم ذلك على المدى الفوري، فسنشعر به خلال الأشهر القريبة.ان الوضع الذي يعيشه أكثر من 70%، من سكان قطاع غزة، وأكثر من 50%، من سكان الضفة الغربية، بلا عمل، والوضع الذي تعاني فيه عشرات آلاف العائلات من وصولها الى حافة الجوع، لا بد وأن ينفجر. في اسرائيل يأملون تواصل توجيه غضب الحشود نحو السلطة الفلسطينية، وبعض قادتها الفاسدين. ولكن ما الذي سيحدث اذا فهمت هذه الحشود، في المرحلة المقبلة، أنه ليس هناك من يتوجهون اليه لأن السلطة لم تعد قائمة بعد؟ ما الذي سيحدث اذا وجه العاطلون عن العمل والجياع للخبز غضبهم نحونا؟ اذا شعروا من خلال يأسهم أنه لم يعد هناك ما يمكنهم خسارته، وحاولوا رغم كل الأحزمة العسكرية الآمنة التسلل بآلافهم الى اسرائيل كي يذروا الدمار والتخريب عندنا؟ الواقع المعقد الذي تولد مجددا، يربطنا ثانية، حتى لو كان رغماً عنا، بمصير وبظروف حياة الفلسطينيين في المناطق. اذا ساءت حالتهم، ساءت، في نهاية الأمر، حالتنا نحن أيضاً، واذا تحسنت أوضاعهم، نشعر بالارتياح. لقد عدنا الى حالة التوأم السيامي الرهيب، الذي يمكن لطبيب جراحة عبقري، فقط، فصلهما عن بعضهما. وكل اسرائيلي يردد ازاء الفلسطينيين باستهتار «فليختنقوا»، لا يفهم أنه يحكم بالاختناق على نفسه، أيضاً. عن «يديعوت أحرونوت»