ثمة قصة جرت مع امرأة كبيرة في السن، اسرائيلية عجوز، ذهبت حائرة الى موظف البنك وقالت «لي عندكم عدة حسابات توفير وصناديق تقاعد، اصنع لي معروفا، أعطني كل الحسابات». «ماذا حصل؟» فوجيء الموظف «هل وقعت كارثة في العائلة؟». قالت المرأة، «لا» وتجاعيد الخجل ارتسمت على وجهها، «هذا ليس متعلقاً بالعائلة، انه الوضع. أشعر الآن بما يشعر به اليهود في كل الأجيال: لا شيء آمن، أريد ان احتفظ بثروتي عندي، باليد، تحت الوسادة، أو، وهذا أكثر أمانا، بعيدا عن هنا، بعيدا عن كل ما يحدث هنا، في المكان الذي يمكنني الاعتماد عليه، أنا لا أعرف، ربما حساب بنك في سويسرا أو شقة صغيرة في نيويورك، شيء ما يمنحني الأمن». الحديث بهذا النمط يجري في هذه الايام في الكثير من فروع البنوك، انه يجري في ظل هرب رأسمال كبير من اسرائيل الى الخارج، في وزارة المالية يدعون ان تهريب رأس المال ينبع أساسا من جشع البنوك الاجنبية وحيتان رأس المال الأسود. قد يكون هذا صحيحا، ولكن فضلا في ذلك يوجد في اسرائيل نفسها، اسرائيليون من الطبقة الوسطى، العمود الفقري للمجتمع الاسرائيلي، الذين وفروا طوال حياتهم بالعمل الشاق، الشيكل تلو الشيكل، وفجأة وجدوا انفسهم مضطرين لمواجهة الدمج الفتاك بين عدم الاستقرار الأمني وعدم الاستقرار الاقتصادي. عشر سنوات ـ منذ 1992 ـ وهم يتحدثون هنا عن «الأمن الشخصي» فقط في سياق العنف الفلسطيني. لم يكن أحد يتوقع أن يكون أمنه الشخصي مثار شك، كذلك في الراتب أو الوديعة في البنك. تتحدث الاعلانات في الصحف عن شقق بأسعار لقطة في براغ وباريس وتورنتو، وعن استثمارات مضمونة في الاسواق المالية في نيويورك. تبدو ظاهريا انها موجهة الى الطبقة الاسرائيلية الثرية، هذه التي استنفدت كل الأرباح التي تعد بها السوق الاسرائيلية والآن تمد يدها للعالم الكبير. ولكنها عمليا موجهة الى الاسرائيلي القلق الخائف الذي فقد ثقته بالجهاز الاقتصادي، انها تغريه بالهرب من هنا، ان لم يكن بجسده فعلى الأقل بأموال توفيراته. في كل دولة اخرى تعيش حالة حرب، كانت حملة تهريب رأس المال هذه ستواجه بشجب عام، كما ورد أعلاه، طائرات المقامرين الذين يخرجون ليلة ـ فأخرى الى كازينوهات رومانيا وبلغاريا وهنغاريا وتشيلي واليونان، محملة بالدولارات. ولكن اسرائيل هي دولة تدعي الليبرالية، ومن اجل ان تكون فيها وطنيا تماما يكفي ان تضع ملصق الأزرق ـ ابيض على زجاج السيارة. الحكومة الاسرائيلية لم تنجح حتى اليوم في مواجهة التدهور الاقتصادي. منذ البداية رأى شارون بالاقتصاد موضوعا هامشيا، مهملا، ذبابة مزعجة يجب ابعادها. انه لم يشأ ان يعترف بحقيقة ان الاثنين مرتبطان ببعضهما البعض: كل تدهور في الوضع الامني يجر تدهورا في الوضع الاقتصادي، والعكس صحيح. كل تدهور في الوضع الاقتصادي يُصعب على قدرة الصمود الامني. لقد خاض المواجهة مع عرفات كما لو لم يكن لاسرائيل مشكلة اقتصادية ولم يُدر الاقتصاد أبدا، ان تدخله في اجراءات تقليص الميزانية كان مترددا ومتأخرا. صحيح انه فعل ما فعله القليلون قبله ـ دخل الى ازمة مع الاصوليين على خلفية تقليص الميزانية، ولكنه لم يوقف التدهور. في مساء يوم الخميس استدعى شارون اليه وزير المالية ومحافظ بنك اسرائيل. طلب منهما اسكات نزاعهما المتبادل، طلب لطيف بحد ذاته، كذلك أصدر بيانا عن تقليص فوري بـ 2 مليار شيكل آخر في الميزانية منها تقليص بمليار شيكل من جهاز الامن، التقليص غير القائم في هذه الاثناء، سوى في بيان احتفالي للصحف. مثلما تفيد الاستطلاعات، لا يوجد للدولة قيادة اقتصادية يعتمد عليها الجمهور، هذه مشكلة صعبة، وفي الواقع السياسي القائم، غير قابلة للحل. الحكومة الاسرائيلية تشغل نفسها في هذه الاثناء بقرارات سريعة، الاصلاحات في الضريبة التي أوصت بها لجنة رابينوفيتش متواضعة جدا على المدى البعيد ـ 200 شيكل علاوة للجمهور الجدير جدا بالتشجيع، أصحاب الدخل العائلي بـ 20 ألف شيكل، ولكن على المدى البعيد فهي قائمة على الثلج، من الواضح للجميع انه من اجل محاولة التوصل الى استقرار اقتصادي المطلوب من الحكومة اجراء تقليص آخر بالمليارات في تقليصين يعتبران بقرات مقدسة: الرفاه والأمن. التقليص في الأرباح مرتبط بالمس بالجمهور الضعيف، والدوس على صف من الأصابع السياسية. ولا يدور الحديث فقط عن تقليص: يجب تغيير مبنى الميزانية بحيث يشجع الحاصلين على المخصصات في الخروج الى العمل والتحرر من الارتباط بسخاء الدولة. خاصة الاشخاص الأصحاء جسديا مثل طلاب المدارس الدينية. كل تقليص حقيقي في الأمن يستدعي المس بشروط التقاعد وشروط خدمة الجنود النظاميين. وهذا القول ورد مئات المرات ولكنه لا يزال صحيحا: الاسلوب الذي فيه كل ضابط تمويل أو ضابطة علاقات عامة يسرحون في جيل 45 وبدرجات عالية وسخية جدا حتى جيل الـ 120، يشوه مبنى الأجر ويسلب النقود من صندوق الدولة الاسرائيلية. لا يوجد شيء يمكن تقليصه، يقول وزير الدفاع، ومن الأفضل له ان يتجول مرة في مواقف السيارات المكتظة في معسكر هيئة الاركان، وسيجد هناك سيارة عسكرية لكل رائد، وسائق لكل عقيد. عن «يديعوت احرونوت»