من الذي يخشى المحكمة الجنائية الدولية؟ انها اميركا هي التي تخشى هذه المحكمة فهي لم ترفض التوقيع على اتفاقية تأسيسها في لاهاي فحسب، وانما ايضاً هناك مشروع قانون مطروح على الكونغرس الاميركي يسمح لاميركا باستخدام القوة من اجل ا نقاذ اي مواطن اميركي يمكن ان تجرى محاكمته امام تلك المحكمة. ولقد شعر الهولنديون بالاهانة بسبب هذا السلوك الاميركي. فهم يستشيطون غضباً مما يسمونه «قانون غزو لاهاي» ويمزح اصحاب روح الدعابة بينهم واصفين بالذكاء قرار عدم «تدمير المخابيء الالمانية التي تعود إلى ايام الحرب العالمية الثانية».. فلو كان جنود البحرية اقدموا على النزول إلى الشاطيء في شيفينينغين، لكان قد تملكهم الرعب بسبب مناظر هواة التعري اكثر مما تملكهم بسبب عناصر الاعاقة المتداعية. هل ينبغي ان تقلق واشنطن؟ ان هذا لا يليق باكبر دولة على الارض. فسلطة المحكمة الجنائية الدولية لا تبدو مشروعاً للسيطرة على العالم. ففي السعي وراء المعتدين والعناصر الشريرة الاخرى، تحظى المحكمة بسلطة قضائية على مواطني الدول التي انضمت إلى اتفاقية تأسيسها او على الخارجين عن القانون الذين ارتكبوا جرائم على ارض الدول الاعضاء، وهذا كله في حال عدم نجاح قضاء تلك الدول في التعامل مع هذه العناصر الاجرامية قانونياً. فعلى سبيل المثال، لان العراق ليس عضوا في هذه الاتفاقية، فلا يمكن للمحكمة ان تتعامل مع طيار اميركي اخطأ وقصف مدرسة لتدريب الممرضات باعتبارها احد قصور الرئيس العراقي. ولن تستطيع المحكمة التعامل مع الليفتنانت وليام كالي، الذي تمت محاكمته بسبب تورطه في مذبحة اهدرت ارواح اعداد كبيرة من المدنيين الفيتناميين في بلدة ماي لاي. وبمجرد ان يبدأ تطبيق نظام المحكمة، فإن اي شخص تتشابه حالته مع حالة كالي في المستقبل سيكون بعيداً عن سلطة المحكمة ولا يمكننا مقاضاته. لماذا اذن هذا الانزعاج الاميركي؟ دعنا نوسع قاعدة السؤال. لماذا لا تقوم دول مثل روسيا او الصين او الهند او اسرائيل بالانضمام إلى الموافقة على قيام المحكمة؟ الاجابة بسيطة للغاية، فهذه الدولة مختلفة بالشكل الكافي عن الدول السبع والستين التي وافقت على تشكيل المحكمة. فالولايات المتحدة هي الدولة العظمى الوحيدة في العالم، والصين وروسيا والهند ستكون دولاً لها ادوار رئيسية في العالم في المستقبل، اما اسرائيل فلم تتمتع بلحظة سلام واحدة منذ قيامها عام 1948. فبالنسبة لاسرائيل، يعد استخدام القوة اما حقيقة واقعة او امكانية قائمة دائماً، ولا عجب ان الاسرائيليين لا يريدون ان يتحكم اجانب في خياراتهم العسكرية بأثر رجعي. ربما يعترض المناصرون لاقامة المحكمة ويقولون: «نحن سنتعامل مع الاستعمال غير القانوني للقوة وفحسب، مثل عمليات القتل الجماعي او الاعتداء الصريح». رباه ما معنى «الاعتداء»؟! هل يعني ان تبادر بالهجوم؟ ليس بالضرورة. فالهجوم الاحترازي امر مشروع للدفاع عن النفس عندما يقوم الطرف الآخر بحصار مرافئك ويأخذ في حشد القوات على حدودك. لقد امضت عصبة الامم، التي سبقت الامم المتحدة على الساحة الدولية، اعواماً طويلة تحاول خلالها تحديد معنى الاعتداء. في واقع الامر، يقوم مفهوم اي محكمة جنائية دولية على منطق متذبذب، يفترض ان قوانين الحرب بعد قوانين محددة كما هي حال قوانين الهجوم والاعتداء او القتل في المجال المدني. انظر إلى مفهوم النسبية في التعامل والتمييز في المعاملة بين المدنيين والعسكريين. ففي الحرب العالمية الثانية، قام الحلفاء بتدمير المدن الالمانية واليابانية وتسويتها بالارض، مما ادى إلى مقتل مئات الالوف من المدنيين، وتم التعامل مع هذه العمليات كما هي كعمليات تدميرية لم يتم تضخيمها لان قدراً اكبر من «التمييز» كان سيؤدي إلى اطالة امد الحرب وازهاق ارواح اضافية من جنود الحلفاء ومدنييهم. فهل كان ينبغي محاكمة ايزنهاور ومكارثر؟ لا؟ وماذا عن هؤلاء الطيارين الغربيين الذي قاموا بتدمير الجسور ومحطات توليد الكهرباء في العراق وصربيا والذين اخطأوا واصابوا حافلات ركاب بعدما اعتقدوا خطأً انها ناقلات جنود؟ وماذا عن الاسرائيليين الذين يطلقون الصواريخ على المناضلين؟ هل ينبغي لهم ان ينتظروا تصريحاً للضبط والاحضار؟ ان الامر هنا يتمثل في عدم وجود اجماع على مثل تلك القضايا الحيوية. ومن ثم فإن الدول التي تعيش في ظروف اكثر خشونة من السويد وبلجيكا لا تريد ان تسلم مصير مواطنيها لقضاة دوليين. وبالمقابل فنحن نقبل الاحكام القضائية لمحاكمنا القومية لانها تفرض القوانين التي تشكل اجماعاً اخلاقياً تم تشريعه عن طريق برلمانات ديمقراطية.غير ان الشرعية الضعيفة للمحكمة الجنائية الدولية ليست هي نقطة ضعفها الكبرى. فالمشكلة الحقيقية تكمن في القوة. فعل سبيل المثال يمكن النظر إلى محكمة نورمبرغ او محاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة. فهاتان المحكمتان نجحتا لان الحلفاء والناتو انتصرا في الحرب اولاً.ومن دون وجود القوة العسكرية التي حسمت الحرب، لم يكن من الممكن ان يقف هرمان غورنغ او سلوبودان ميلوسيفيتش وراء القضبان.اما المحكمة الدولية لمجرمي الحرب فليست لديها هذه القوة، فهي لا تملك قوات او بوليساً.وستظل معتمدة في بقائها على «اقتراض» القوة من الدول. ولكن عند المحك، فإن اللاعبين الرئيسيين على الصعيد الدولي يستطيعون دعم مصالحهم القومية وليس الاخلاقيات الدولية. ولذلك سيبقى حلم وجود قانون فوق الدول حلماً بعيداً. هل هذه تعتبر نهاية مغرضة؟ ستكون هذه النهاية خاطئة اذا تم تسليم احد الجنرالات الالمان او الروس إلى المحكمة. وفي الوقت ذاته، لن يحتاج كل من توم ديلاي عضو الكونغرس الاميركي، وجيس هيلمز، عضو مجلس الشيوخ، إلى ان يتجاهلا وضع تلك المحكمة. ترجمة: حاتم حسين عن «تايم»