يصعب تصنيف هذا الكتاب ضمن خانة الكتب العلمية ولا الكتب الفلسفية معه انه يستقي معلوماته واطروحاته من العلم والفلسفة حيث يحاول مؤلفه الجمع، وفق اسلوب يقترب من اسلوب المنهج العلمي بين افكار وتصورات عدد من الفلاسفة والعلماء الذين لاقت آراؤهم ونظرياتهم رواجا واسعا خصوصا في المجتمعات الغربية ومحاولته هذه القصد منها تبسيط العلم لغير المتخصصين. يبدأ الكتاب بالتعريف بالمنهج العلمي وما يميزه عن باقي المناهج المعرفية، حيث يرى المؤلف ان هذا المنهج ينطلق من فرضية وجود الانسان على الارض بوصفه جزءا ماديا منها، وجميع الافتراضات التي ينطلق منها هي ما تمليه عليه حواسه الخمس، فيما يشكل مجموع البشر مجتمعا كل فرد فيه مستقل بذاته ومرتبط بالافراد الآخرين من خلال حركة التاريخ اما المعادل الفلسفي لذلك هو اننا كبشر نمثل المادة في وعيها لذاتها ومجمل ما تتلقاه حواسنا موجود لكنها تخدعنا كونها محدودة لذلك يتوجب علينا توظيف وعينا لادراك الحقيقة المادية لهذا الوجود، اذن المنهج العلمي براغماتي لكن بابعد ما تراه النظريات البراغماتية الفردية حيث يعتبره المؤلف براغماتيا من منطلق قبوله بوجود الجنس البشري ككل على الارض وليس من منطلق التسليم بوجود عقل منفرد او لحظة زمنية وبعد عرضه المفصل لمنطلقات المنهج العلمي وافتراقه عن المناهج الاخرى التي تشترك جميعا في مبدأ «نسبية المعرفة» يتناول المؤلف الابعاد العملية للمنهج العلمي من خلال دراسته منهج العلم ونسبية المعرفة حيث ان كل فرع من العلوم يمر بمراحل تمثل نقلات نوعية في تحقيق رؤى جديدة للواقع وتنعكس في شكل تغير نوعي في الحياة الانسانية والواقع الاقتصادي للمجتمع البشري الذي مر الى الآن بثلاث ثورات رئيسية هي الثورة الزراعية والثورة الصناعية والثورة المعلوماتية مركزا على نظرية ميكانيكا الكم التي انتجت ثورة في الاتصالات والمعلومات ثم ينتقل الى تلمس مفهوم المكان والزمان وعلاقة الرياضيات بالبحث عن الحقيقة. ان الظاهرة المذهلة هي الحياة والعلم الذي يدرس الحياة يهدف الى دراسة الاحياء بغية الوصول الى فهم اكبر واعمق لظاهرة الحياة وقد حاول داروين في القرن التاسع عشر الخروج بنظرية شاملة تصف المنهج الذي تشكلت من خلاله الكائنات الحية على الارض فيما عرف لاحقا بنظرية النشوء والتطور لكن العقود الاخيرة من القرن العشرين عرفت ثورة حقيقية في منهج الاحياء حيث تحولت بمقتضاها الى علم متكامل يخضع للمنهج العلمي وتفاصيله وتتمثل هذه الثورة في اكتشاف المكون الرئيسي للحياة وهو الحمض النووي والوصول الى معرفة دقيقة لتكوينه وما يحويه من مركبات تمثل البرامج التي تنهض عليها الحياة والفضل في اكتشاف مركب الحمض النووي يعود الى العالمين: «كريك» و«وواتسون» اللذين حازا على جائزة نوبل لاكتشافهما وقد انتهى العلماء في العام 2000 من تصنيف خريطة المورثات البشرية بالكامل او ما يدعى الجينوم وهذا الانجاز هو من اعظم ما حققه العلم في القرن العشرين. والمعروف اننا نرث من والدينا 23 زوجا من الكروموزومات والكروموزوم هو عبارة عن مركب عضوي مؤلف من سلسلتين متشابكتين وطويلتين من الحمض النووي وكل سلسة تنتظم على شكل سلم، محيطه من السكر والفوسفات ودرجاته مكونة من ثلاثة مركبات وجميع تلك المركبات تأتي من اربعة مركبات عضوية هي: الادينين، وسيتوسين، وجوانين، وثايمين، وتختلف الكروموزومات في اطوالها وتحتوي على عدد كبير من الجينات حيث الجينة هي الجزء من الكروموزوم القادر على استنساخ نفسه وكما درجت الكتب العلمية عليه فان الكروموزومات تشبه بكتاب مكون من 23 مجلدا يحتوي كل مجلد على عدة آلاف من الفصول تدعى جينات وهذه الفصول مكتوبة باستعمال لغة من اربعة احرف تأتي كل جملة فيها على شكل كلمات مكونة من ثلاثة احرف ولكل مجلد من كتاب الجينات نوعان من المواصفات مأخوذان اما من الام او من الاب ولو حاولنا كتابة احرف الكتاب بشكل مسلسل لاحتاج ذلك الى اكثر من مليون ونصف وكتاب الجينات هذا يستطيع ان ينسخ نفسه وان يقرأ نفسه كذلك. ويتساءل المؤلف عما يعنيه هذا الاكتشاف بالنسبة للانسان العادي مؤكدا ان المعرفة الكاملة لخريطة الجينات البشرية ستكون ذات فوائد لا تحصى في مجالات الطب والوقاية لكن المحاذير ايضا كثيرة وتتعلق القدرة الجديدة على التحكم في النسل والمزاوجة الهادفة الى تطوير انسان جديد اكثر قدرة جسدية واكثر ذكاء وكذلك في قدرة الهندسة الوراثية على استنساخ انسان مستقل ومن ناحية اخرى تجرى عمليات تكوين الحمض النووي صناعيا وفي مواجهة كل ذلك يتساءل المؤلف عما اذا وصل علم الاحياء الى الدائرة الضيقة التي يجمع المجتمع الانساني على منع تجاوزها. ويدرس المؤلف ظاهرة وعي الانسان، ملاحظاً ان ما نطلق عليه اسم العقل والذكاء ما هما في الواقع إلا انعكاس لقدرة الفرد على المعايشة والتعامل والتأثر المتبادل مع حركة التاريخ الاجتماعي، ويتم ذلك من خلال ادراكه لممارسات سابقة وتنظيرها، مستخدما اللغة، ومن ثم الانطلاق منها الى ممارسات اكثر تطوراً، والى التنظير وتطوير اللغة مرة اخرى، وهكذا من خلال التفاعل المستمر لحركة التاريخ والنمو الاجتماعي الدائم يتم تطوير القدرة العقلية والذهنية للفرد، وعليه فإن ممارسات الوعي الانساني تتم عبر جدلية النمو الاجتماعي المتفاعلة مع البعد الزمني، وقد اظهرت احدى التجارب التي كررت مراراً ان الوعي منفصل عن ادراكنا المباشر، ويظهر ان التساؤل حول القيمة الكبرى التي نضيفها الى مفهوم الوعي يبقى مشروعاً وكذلك التساؤل عما اذا كان الوعي هو مصدر للمعرفة ام مجرد اداة للتكيف مع الواقع المعيشي وليس له علاقة بأية حقائق. ويأخذ بعض العلماء بالمبدأ الانثروبي،القائل بأن الانسان هو المنطلق الاول للمعرفة وبالتالي فإن الوعي يعتبر وعاء لحقيقة مطلقة، لكن كيف يكون ذلك والوعي بذاته ليس شيئاً مطلقا، انما الوعي في النهاية هو ما هو الا حالة ظهرت من خلال نشوء الانسان وتطوره، اضافة الى ان الوعي لا ينسجم مع استنتاجات نظرية الكم، وبالتالي فإنه ليس وعاء لحقيقة مطلقة، وهناك رأي يقول بأن منهج العلم ليس المنهج الوحيد للوصول الى المعرفة كون المعرفة تنبع من الممارسة، والممارسة عملية مستمرة عبر التاريخ الانساني، وقد افرز تراكم الخبرة الانسانية الكثير من القيم والمفاهيم التي انبثقت وتراكمت من دون اللجوء الى المنهج العلمي بشكل مباشر، وهذا يقود المؤلف الى القول بأن المنهج العلمي طريقة لاختزال الطريق الى المعرفة. ان ما يمكن ملاحظته في هذا الكتاب، هو ان الطبيعة العلمية لموضوع الكتاب قادت المؤلف الى عرض عام ومبسط للنظريات العلمية خصوصا في علم الفيزياء الذي شهد، ولايزال يشهد، قفزات هامة وواسعة على يد نيوتن وماكس بلانك واينشتاين وسواهم، وتطلب ذلك البحث في الطرق التي سلكتها فيزياء القرن السابع عشر، ثم التطورات المتلاحقة في القرن العشرين بدءاً من فرضيات اينشتاين التي يتوقف المؤلف عندها، والتي ترجع الى الربع الاول من القرن العشرين، لكن الملاحظ ان تتبع مسار التطور العلمي في الفيزياء والرياضيات يتطلب جهداً خاصاً علميا وفلسفيا، بل ويتطلب في ظل معطيات التغيرات العلمية المتسارعة قدراً كبيراً من التخصص ولتغطية ذلك لجأ المؤلف الى شيء من التعميم لدى مناقشته بعض القضايا الفيزيائية، بل والى استنتاجات متسرعة، مثلا لدى مناقشة مسألة المرجع، او ما يسمى في الفيزياء جملة المقارنة، ان اعتماد نيوتن على جملة مقارنة مرتبة مع الارض لا يعني كما يقول المؤلف ان «نظرية نيوتن خاطئة ولا تعكس الواقع المادي بدقة» فالمسألة في العلم ليست كما هي في الميتافيزيقا قائمة على الصح والخطأ بل قائمة على الحدود ومجالات التطبيق، ففرضيات نيوتن تصلح للتطبيق في مجال وحيز معين، وهو ما اصطلح الفيزيائيون على تسميته الميكانيك الكلاسيكي، بينما في مجال الميكانيك النسبي تطبق فرضيات اينشتاين وقوانين النسبية الخاصة والعامة، كما ان الميكانيك الكوانتي يحتل اليوم مساحات هامة في التطبيق، واشاطر المؤلف قوله ان هذا الميكانيك اهدى البشرية ليس فقط ثورة جديدة في الواقع المعيشي وانما تحدياً لكل المناهج المعرفية والقناعات السابقة. اخيراً يعتبر الكتاب في مجمله للتعرف على المنهج العلمي بوصفه طريقا للمعرفة وحصولها وليس للحقيقة وتأكيدها، اعتمد فيه المؤلف اسلوبا مبسطاً يمكن القاريء غير المتخصص من التواصل معه والافادة منه وهو بذلك يسهم في اغناء المكتبة العربية بكتب تبسط العلم وتشارك في فتح الحوار على مستويات متعددة. عمر كوش