يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يتوجه الى الرأي العام الناطق بالانجليزية ليوضح له من خلال مساهمات شخصيات كبيرة، العديد منها يشارك في الاحداث وعمليات صنع القرار، الأسرار الكامنة وراء انفجار الانتفاضة الفلسطينية في وجه القمع الاسرائيلي. وعلى امتداد صفحات الكتاب يتم تحليل أسباب الانتفاضة ونتائجها وتأثيراتها المحتملة على السلام في منطقة الشرق الاوسط. ويلفت نظرنا التعمق في مناقشة دور الولايات المتحدة في الصراع والنتائج الكارثية لعملية اوسلو والضربات الوحشية التي وجهتها حكومتا باراك وشارون للفلسطينيين، كما تستحق التوقف عندها طويلا تلك المناقشة النقدية الجادة التي يقدمها المساهمون في الكتاب للاستراتيجية التي تبنتها القيادة الفلسطينية في غمار الانتفاضة الثانية . رحلة طويلة وفريدة قطعتها «اليسون فير» من مقر اقامتها في ولاية كاليفورنيا، على الساحل الغربي للولايات المتحدة الى الشرق الأوسط، وبالتحديد الى الأرض الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية للأردن. «أليسون فير» صحافية أميركية تركت موقعها كرئيسة تحرير لإحدى المجلات الاقليمية بكل ما يرتبط بهذا الموقع ـ مهنيا ومكانيا ـ من أسباب الهدوء بل والدعة والاستقرار، وآثرت، باختيارها أن تذهب الى الشرق الأوسط، وفي القلب منطقة الصراع التاريخي ـ الدموي أيضا بين اسرائيل (الاحتلال) والفلسطينيين (المقاومة). اختارت غزة بالذات بوصفها أرض المشكلات والتوتر والفقر والمخيمات والغضب الشعبي الساطع والعارم إزاء ما تردت اليه الأحوال بعد سنوات طالت من الاحتلال. كانت غزة موقعا قتاليا بالدرجة الأولى، يقاتل فيه الناس ضد اغتصاب الأرض واحتلال التراب ومصادرة ممتلكات الناس وآمالهم ومستقبل أبنائهم على السواء. تذكارات من حجر لهذا اختارت الصحفية الأميركية «أليسون فير» أن تكتب تحقيقا مسهبا عن الأحوال تحت عنوان محدد ومتميز هو: غزة: تقرير من الجبهة. وبهذا الموضوع أسهمت في متن هذا الكتاب وقد استهلت سطوره بحديث من مدينة «خانيونس» التي عاشت فيها لحظات حاسمة من تجربة بالغة الخطورة، لا من منظور التوتر أو احتدام النقاش، ولكن من منظور الموت والحياة، شاهدت الجندي الاسرائيلي رابضا مع رفاقه فوق برج عسكري وهم يصوبون مدافعهم ليصيبوا أهدافا بشرية وشاهدت منازل وقد اخترقت جدرانها طلقات الرصاص، شاهدت أطفالا حفاة يركضون بين حطام البيوت المهدومة والأراضي المحروقة وكانت تتابعهم عيون الآباء والأمهات تكاد تصرخ في ألم مكتوم ويطل من حدقاتها شواظ من غضب مكظوم. . والغريب أن الكاتبة الأميركية راودها وسط هذا الحطام والركام سؤال أكثر غرابة: ترى هي يسمح لي الاسرائيليون أن أحمل معي الى الخارج تذكارات من معدن أو حجر من أكوام هذا الركام أو الحطام؟ بل أصابتها نوبة من توتر عصبي شديد وهي تتطلع الى أعلى حيث أبراج دوريات الحراسة الاسرائيلية، ها هم عسكر الصهاينة رابضون في الأبراج العالية، رفعوا النظارات المكبرة يراقبون كل شئ، حركات الناس وسكناتهم بل وينتهكون خصوصياتهم وحرماتهم، ولذلك فعندما شعرت الزائرة الأميركية أن كل حركاتها موضوعة تحت الرقابة فهمت بحق كيف يشعر أهل المكان، الفسطينيون بذلك المزيج المدمر والغريب من الغضب المخلوط بالاحباط. غضب عما أفضت اليه نتائج الجبروت العسكري الصهيوني واحباط إزاء التدهور الذي أصاب المعايش والخدمات، أبسط الخدمات التي يحتاجها «الكائن البشري» في قطاع غزة. مع هذا كله فعندما احتاجت «أليسون فير» الى بطاريات لتشغيل الكاميرا التي تملكها، وعندما توجهت الى دكان صغير في المخيم تبتاع ما تريد، بادر الغزاوي الفقير صاحب الدكان الى اعطائها البطاريات، ورفض أن يتقاضى ثمنا في المقابل، فمن أي نوعية يتشكل هؤلاء الناس؟ مع ذلك فقد انطلق يحادثها عما فعله الاحتلال، ويطلعها على ثقوب الطلقات التي أصابت متجره البسيط الصغير وصحبها الى حيث مسكنه القريب وقد أصبحت جدرانه مثل ثقوب غربال قديم من جراء الرصاص، ثم حدثها عن أطفاله الذين يحمد الله على أنهم لم يصابوا بقنابل المدافع الاسرائيلية وإن ظلوا يعانون من صدمة القصف وهول التجربة وشظف الحرمان، بعدها قال لها الرجل من غزة: يا سيدتي كل ما نريده هو أن نعيش في سلام فلماذا تفعل اسرائيل هذا؟ ولماذا تفعل أميركا هذا أيضا؟ أهلاً وسهلاً! في هذا السياق تكتب الصحافية أليسون فير قائلة على صفحات الكتاب: ترى كيف أجيب محدثي الفلسطيني؟ قصارى ما حاولت هو أن أفسر له أن الأميركيين لا يعرفون حقيقة ما يحدث هنا (في غزة والضفة على أيدي الاسرائيليين) بمعنى أن الصحف ميديا والتلفزيون لا تنقل لهم هذه الحقائق، وعليه يتصور الأميركان أنهم بإزاء قضية متشابكة محفوفة بالتعقيد ومن ثم فقد ينأون بأنفسهم واهتماماتهم بعيدا عنها. تواصل الكاتبة الأميركية حديثها فتقول: ومن عجب أنني لم أجد أن الناس في غزة لا يتعاملون معي بموقف العداء بوصفي أميركية على الرغم من أنهم يدركون جيدا دور أميركا في المعاناة التي يكابدون، وبالمناسبة فكلمة «معاناة» هي التي دأبوا على استخدامها كي يصفوا لي كيف يعيشون ومع هذا كله فهم يبتسمون في وجهي ويشدون على يدي وعندما يسمعون أنني من أميركا لا يلبثون يطالعونني بكلمة: «أهلا وسهلا». تمضي الصحافية الآتية من أميركا لتوضح لقارئيها وقارئي هذا الكتاب كيف أن العنصرية، والعنجهية الاسرائيلية لا توقر أحدا ولا تحترم ميثاقا ولا أعرافا في القانون الدولي ولا غيره، تحكي عن فريق أوفدته الأمم المتحدة للتحقيق في انتهاكات حقوق الانسان في غزة فإذا بالفريق الدولي (المحايد) يتعرض لاطلاق الرصاص عليه من جانب الجنود الاسرائيليين. . . هكذا عيني عينك كما يقولون ـ ولدرجة أن سفير كندا شخصيا تعرض لاطلاق الرصاص. تحكي عن فنان سينمائي أميركي كان يعد فيلما وثائقيا عما يجري في «خان يونس» فإذا به يتعرض بدوره لوابل من رصاص العسكر الصهاينة. والمهم أن السينمائي الأميركي عمد الى ترك الكاميرا تدور فسجلت مشهدا واضح الدلالة وقد لا يحتاج الى تفسير أو تعليق: المخرج يتحرك أمام الكاميرا فيتابع خطى أطفال فلسطينيين يشقون طريقهم ـ أو يحاولون ـ وسط النفايات المتراكمة، كانوا خمسة أو ستة، يسيرون في هدوء ولا يقذفون أحجارا باتجاه دبابة اسرائيلية كانت رابضة عند المنعطف القريب، كان الهدوء مخيما والأحوال أكثر من عادية وحين واصل الأطفال الفلسطينيون مسيرهم إذا بطلقات الرصاص تلعلع وتدوي في أرجاء المكان، لم يصب أحد لكن الكاميرا سجلت المشهد، سجلت بالذات سلوك الاستفزاز من جانب عسكر الاسرائيليين. وعندما التقت كاتبتنا بالسينمائي الفنان، بل هو الفدائي الآتي من أميركا طرحت عليه السؤال: هل حددت وقتا معينا لانجاز فيلمك الوثائقي؟ اجابها ببساطة: سأظل أعمل هنا لغاية ما تنفد نقودي أو حتى أتعرض لرصاص الاسرائيليين، أيهما أسبق من الآخر. ثم تعلق «اليسون فير» قائلة: لم تكن المسألة مجرد نكتة، فالذي حدث فعلا انه أطلق الاسرائيليون الرصاص على مراسلة أميركية تعمل لحساب وكالة «أسوشيتد برس» أكثر من هذا حدثني صحفي آخر عن الرصاص الذي أطلقه الاسرائيليون على طاقم الأخبار التابع لشبكة فوكس الأميركية، لقد نجا أفراد الطاقم بأعجوبة من الموت وإن كانوا قد سجلوا الحادث بالصوت والصورة وحين بعثوا بها الى أميركا، رفضت إدارة شبكة «فوكس» أن تبثها على الهواء ولهذا علق الصحفي قائلا: المشكلة ليست أطقم العمل التي تؤدي مهمتها في تغطية ما يحدث في فلسطين بأمانة واتقان في الاداء المهني، المشكلة تكمن أساسا فيما يحدث هناك داخل أميركا، في مكاتب الذين يتخذون القرار في كبرى شبكات التلفزة بالولايات المتحدة. وتضيف الكاتبة الأميركية تقول: مما يفسر حقيقة التحيز الذي يشوب موقف الميديا الأميركية أن المراسلين في القدس وتل أبيب يحصلون على معلوماتهم من خلال «الحقائق والأرقام» التي يزودهم بها ناطقون عسكريون اسرائيليون والمعلومات الواردة من مصادر اسرائيلية تأتي مطبوعة، وعلى خلاف أي معلومات ترد من مصادر فلسطينية. إنهم يعرفون الحقيقة أنت تقرأ سطور الكاتبة الأميركية فيروعك قولها ان هناك كثيرين في اسرائيل (وربما في أميركا) يعرفون حقيقة ما يدور ولكن هذه الحقائق تستعصي أو تكاد تستعصي على الفهم بل على السرد، لماذا؟ لأنها أصبحت من القسوة والبشاعة لدرجة لا تكاد تصدق، ثم ان هذه البشاعات أضحت كثيرة، ومتواترة وشائعة لدرجة يتعذر معها حصرها من أجل الكتابة عنها. وفي هذا الصدد تقول أليسون فير: هناك الكثير مما يمكن أن نحكي عنه ولكن من عساه يصدق هذا كله؟ سيقول البعض ان اسرائيل لا يمكن أن تكون على هذا القدر من القسوة ومن عنجهية الغرور .. وقد يقولون ان اسرائيل ربما يكون لديها أسبابها ولقد زرت مخيمات صغيرة حيث لم يجد أطفال ونساء سوى خيام يعيشون فيها وسط النفايات، هؤلاء قوم اعتادوا أن يعيشوا في بيوتهم من قبل في «خان يونس» ولكن الاسرائيليين قرروا أن يشقوا طريقا وسط تلك البيوت من أجل دواع «أمنية» وكانت النتيجة أن انشطرت حياة هؤلاء الناس .. فهل كان الهدف هو ترويعهم؟ أو كان الهدف هو مجرد إنفاذ ما قررته اسرائيل؟، من يستطيع إجابة مثل هذه التساؤلات؟ إن الغزاة الطغاة لا يأبهون الاجابة عن أي تساؤلات وعليه أحضروا جرافاتهم فهدمت بيوت الفلسطينيين واجتثت ما كانوا يملكون من أشجار النخيل ومن بيارات البرتقال. وإذ نصل الى السطور الختامية من هذا التحقيق الصحفي الذي يحتويه كتابنا تودعنا كاتبته الصحفية الأميركية أليسون فير بهذه العبارات التي ننقلها حرفيا الى القارئ الكريم: لقد ظل الفلسطينيون يناشدون شهورا من أجل أن يأتي اليهم فريق دولي لحمايتهم من الاسرائيليين فيما ظلت الولايات المتحدة تحول دون أن يوضع هذا المطلب موضع التنفيذ فلماذا؟ ومن الذي يتصور، مجرد التصور أن في مثل هذه الخطوة ما قد يهدد «أمن» اسرائيل؟ ولكن سوف يسرك أن تعلم أن المجتمع الدولي لم يتجاهل الفلسطينيين ... بل تفضل بتزويدهم بخيام بغير قاع ولكنها تقفل من أعلى بلسان (سوستة) محكمة الاغلاق كيما يعيش فيها الناس .. في الوقت نفسه يحق لنا أن نتساءل (في أميركا) كم من أموال المعونات نعطيها اليوم لاسرائيل؟ هل كان المبلغ 8 ملايين دولار؟ أم كان 16 مليونا؟ ... ولسوف نعطيهم مثل هذا المبلغ غدا واليوم الذي يليه والذي يليه ثم ... الذي يليه أيضا .. ماذا إذن عن الفلسطينيين الذين التقيت بهم في غزة وخان يونس؟ قدموا لي قدحا من الشاي وجلسنا معا وسط مخلفات النفاية وقالوا لي أن أبلغ أميركا أن تكف عما تفعله إزاءهم ولسوف أحاول ولعلك تحاول أنت ايضا. نظرية المكيروويف الغريب أن الكل يرفع شعارات السلام أهل الارض المحتلة ينشدون سلاما كي يربوا أطفالهم وحكومات اسرائيلية متعاقبة رفعت شعارات السلام، وضرورات الأمن وقسمت لعبة السياسة داخل الكيان الصهيوني الى حمائم وصقور والأميركان بدورهم اخترعوا مقاولة أو مشروعا أطلقوا عليه الاسم الأثير المشهور: «عملية السلام». ويبقى السؤال المطروح: أي سلام، والسلام لمن؟ ومن فصول الكتاب ما يجيب قائلا: إنه سلام الأقوياء. وترد الاجابة في الفصل الخامس من كتابنا وهو بقلم غلين روبنسون من جامعة كاليفورنيا وهذا الاسم يرتبط بتاريخ طويل من الدرس والبحث الأكاديمي حول قضية الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي وقد أسفر هذا الاهتمام عن كتاب مهم في هذا المجال يحمل عنوانا موحيا يقول: بناء دولة فلسطينية: الثورة المنقوصة. أولى الاشارات من غلين روبنسون تتعلق بعبارة توماس فريدمان «الاستفزازية» كما يصفها كتابنا التي يقول فيها الصحافي الأميركي الشهير: - إن ما يحدث في الضفة والقطاع ما هو إلا حرب ياسر عرفات. والمقصود أن العمليات الفدائية التي تتم هناك ويذهب ضحيتها أفراد عسكريون وغير عسكريين من اسرائيل إنما تتم على يد الفلسطينيين الكارهين للسلام ضد الاسرائيليين المحبين للسلام. في هذا السياق يقول كاتبنا. إن هذا المنحى من التفكير يدل على جهل فاضح بل صاعق بالتاريخ وبالسياسة الفلسطينية. وفي هذا السياق أيضا يطلق كتابنا على هذا المنحى من التفكير السائد ـ كما يعرف الجميع ـ في أروقة السياسة الأميركية وفي دوائر الميديا الأميركية وصفا بالغ الطرافة والدقة هو: نظرية الميكروويف. ان ربة البيت المستعجلة المشغولة تستخدم هذا الفرن الكهربائي (الميكروويف) لكي تحصل على طعام ساخن في بضع ثوان، ليس عليها سوى أن تضغط على زر وينتهي الأمر. والمعنى أن السياسة والميديا في أميركا تتصور أن ما على ياسر عرفات سوى أن يمد أصبعه فيضغط على زر ما فإذا بالعنف يتوقف واذا بالفدائيين الفلسطينيين وقد كفوا عن شن غاراتهم الهجومية على قوى وقوات المحتل الصهيوني وبنفس المعيار فهم يتهمون عرفات بأنه أحيانا يمد أصبعا آخر ويضغط على زر مغاير فإذا به يولد شحنة كهربائية في الميكروويف الفلسطيني الذي يغطي أراضي الضفة والقطاع ومن ثم ينطلق الفدائيون، الجهاديون، الاستشهاديون، الانتحاريون، سمّهم ما شئت فالمضمون أهم والنتيجة أولى بالرعاية ينطلقون الى حيث يبثون الرعب في فرائص الاسرائيليين. والحاصل أن هذا الفصل من كتابنا يحذر من مغبة البحث عن سلام لا ينهض على أسس من التكافؤ أو ما يشبه التكافؤ بين طرفي الصراع. والحاصل أيضا أن سلام أوسلو ـ وما قبله وما بعده ـ يؤكد أن ميزان التكافؤ شديد الاختلال لصالح الطرف الاسرائيلي الذي يملك أوراقا كثيرة منها القوة العسكرية ومنها السند الأميركي ومنها وجود المستوطنات ومنها واقع الاحتلال ذاته فيما لا يملك الطرف الفلسطيني غير تردي الأحوال المعيشية لشعبه وسوى الصدور العارية الجسورة لشبابه في مواجهة مدافع اسرائيل. من هنا تأتي الأهمية التي تتسم بها اعادة ترتيب البيت الفلسطيني من اصلاح السلطة واقرار مبدأ الوحدة الوطنية بين فصائل المقاومة وتكريس مبدأ التنسيق بين النضال العسكري الفدائي والعمل السياسي والدبلوماسي فضلا عن تمتين وتدعيم المؤازرة الاقليمية العربية التي تدعم حركة التحرير الوطني الفلسطينية.