اكبر تمثال في العالم ينصب داخل مبنى هو تمثال فولاذي هائل يحمل اسم «البهلوان» لكنه غير موجود في متحف او قاعة عرض فنية كما قد يتوقع المرء وانما هو يحتل مكانا بارزا في مستشفى تشيلسي أند وستمنستر بلندن. التمثال الذي يبلغ ارتفاعه 18 مترا وتكلفته 100 ألف جنيه استرليني هو جزء من استراتيجية المستشفى لعلاج المرضى بالفنون والموسيقى فجدران المستشفى مرصعة باللوحات والرسومات علاوة على التماثيل. بعض الاعمال الفنية نفذها طلاب الكليات الفنية والبعض الآخر قام به فنانون معروفون من امثال باتريك هيرون وماجي هامبلينج. وفي المستشفى كذلك هناك لوحة للرسام الايطالي الكبير باولو فيرونيسي الذي عاش في القرن السادس عشر وفي معظم الايام تسمع مقطوعات موسيقية متنوعة حية تعزف في المستشفى. تعتبر المشاركة في دروس الفن والموسيقى شكلا معترفا به رسميا من اشكال العلاج ويمكن ان يفيد المرضى اجتماعيا وعاطفيا وجسديا لكن الباحثين في مستشفى تشلسي اللندني يستكشفون الان افقا جديدا في هذا السياق وهو ان مجرد امتاع ابصار ومسامع المرضى يساعد على شفائهم. انها ليست فكرة جديدة في جوهرها وعلى مدار السنين الماضية خلصت عدة دراسات الى نتائج تشير الى وجود صلة محتملة بين الفن والصحة لكن لم يكن هناك سوى بضع دراسات صارمة بحثت في اختبار فعالية العقار الفني الجديد. قبل حوالي عشرين عاما اظهرت دراسة اميركية شملت 46 مريضا خضعوا لعملية استئصال المرارة ان المرضى الذين وضعوا بعد العملية الجراحية في غرف باطلالة طبيعية لطيفة على بعض الاشجار احتاجوا الى جرع اقل من المسكنات وغادروا المستشفى ابكر بيوم من اولئك الذين كانت غرفهم تطل على جدار من القرميد لكن ليس من الواضح ما اذا كان النظر الى لوحات فنية يمتلك مثل هذا التأثير العلاجي. اجريت ابحاث اخرى على تأثير الموسيقى وهذه السنة قام ديفيد ايفانز من مستشفى اديلايد الملكي باعادة تحليل بيانات 19 دراسة سابقة وخلص الى ان الموسيقا تمثل طريقة رخيصة وفعالة لتسكين اضطرابات المرضى وقلقهم النفسي واشارت بعض الدراسات ان الموسيقى يمكن ايضا ان تخفض ضغط الدم وتقلص الحاجة للمسكنات لكن هذه الدراسات كانت صغيرة لدرجة لايمكن الخروج منها بنتائج جازمة. وفي مستشفى تشلسي تجمع كل الاموال اللازمة للاعمال الفنية في الجمعيات الخيرية التي غالبا ما تطلب دليلا على ان المال ينفق في محله الصحيح، وهكذا بدأت سوزان لوبيرت مديرة برنامج الفنون في المستشفى باعداد الابحاث لتقديم نتائج ملموسة للجمعيات الخيرية، وتقول روزاليا ستاريكوف التي تتولى رئاسة البحث الذي يجريه المستشفى حول التأثير السريري للفن: «قمنا بتحليل نتائج دراسات شملت 300 مريض الى الآن وبدأت تظهر لنا نتائج مثيرة للاهتمام ولأول مرة نملك الآن دلائل بيولوجية وعلمية راسخة على تأثير الفن على الصحة». بدأ برنامج الابحاث الذي يستمر ثلاثة اعوام في سنة 1999 واظهرت المرحلة الاولى في البرنامج ان 80 بالمئة من المرضى في المستشفى وجدوا في الفن والموسيقى عونا لهم في صرف انتباههم عن مشاكلهم الطبية ورفع معنوياتهم ولم يعلن بعد عن نتائج المرحلة النهائية لكن ستاريكوف تقول ان جميع النتائج الاولية تقريبا ايجابية حتى الآن. وفي الابحاث الاولى التي قامت بها المستشفى دراسة على مرضى السرطان الذين تلقوا العلاج الكيماوي في المستشفى والعديد من هؤلاء يشعرون بالقلق والاكتئاب حول علاجهم ونتائجه المحتملة وتقول ديبي فينلون في جمعية ابحاث السرطان البريطانية: «اذا استطعت تلطيف القلق النفسي يمكنك مساعدة المرضى للاستفادة الى ابعد الحدود الممكنة مما تبقى في اعمارهم». لكن فينلون تعتقد ايضا ان تخفيف الحصر النفسي والاكتئاب له اثار مادية ملموسة على الجسم ايضا مثل تسكين الالم وتخفيف حدة الغثيان الناتج عن العلاج الكيماوي حتى انها ذهبت الى ابعد من ذلك بالقول بان تخفيف القلق والاكتئاب قد يستثير الجهاز المناعي لمقاومة السرطان ايضا. وتم تقسيم الـ 83 مريضا الذين شملتهم الدراسة الى ثلاث مجموعات واحدة استمعت الى مقطوعات موسيقية يؤديها العازفون بشكل حي ومباشر خلال جلسات العلاج، والمجموعة الثانية تلقت العلاج في غرفة تضم تشكيلة من اللوحات الفنية معلقة على جدرانها اما المجموعة الثالثة فقد عولجت في غرفة مستشفى قياسية بدون فن او موسيقى. واستخدمت ستاريكوف وزميلتها جين دونكان استبانة نفسية قياسية لتقويم حدة القلق والاكتئاب عند المرضى ووجدتا ان اللوحات الفنية والموسيقى كلتاهما خفضتا درجة الاكتئاب بنسبة 30 بالمئة تقريبا لكن الموسيقى درجة كانت اكثر فعالية في الفن في تخفيف القلق النفسي. كانت هذه واحدة من اربع دراسات اجراها المستشفى وخلصة منها الى نتائج تشير الى تأثير الموسيقى والفنون البصرية على الحالة الصحية للمريض بشكل او بآخر. وتعتقد ستاريكوف ان سر هذا التأثير الفني يكمن في ان اللوحات او الموسيقى تساعد في صرف انتباه المرضى عن محنهم وقلقهم ويوافق ايفانز على ذلك ويقول ان الموسيقا باعتقاده تساعد المرضى على الهروب من محنهم الى خيالاتهم. لكن في ضوء المصاعب التي تواجهها ادارة الرعاية الصحية في بريطانيا هل من المنطقي تسليط الاهتمام على تعليق اللوحات على الجدران وعزف المقطوعات الموسيقية في الوقت الذي تعاني فيه المستشفيات من عجز في الكوادر والاسرة وتواجه قوائم انتظار متنامية في المرضى؟ تأمل ستاريكوف ان ابحاثها ستقنع الجهات الممولة. ان الامر منطقي فعلى الرغم من كل شيء اذا استطاعت الموسيقى أو اللوحات الفنية ان تحل مكان مضادات الاكتئاب فانها بلاشك خيار افضل للجميع. علي محمد