اثار التحقيق الذي قام به الجامعي «الاسرائيلي» ثيودور كاتس حول مجزرة قرية الطنطورة الفلسطينية في ليلة 22 ـ 23/5/1948 اهتماما واسعا في اوساط الباحثين والمؤرخين كما في اوساط السياسيين داخل الاراضي العربية المحتلة وخارجها. كذلك في الشارع العربي والفلسطيني خاصة. فقد جاء تحقيق كاتس «ليرفع الستار عن حقيقة مغيبة وليحفر الذاكرة عند ابناء الطنطورة تحديدا الذين عاشوا احداث المعركة وشاهدوا المجزرة وفقدوا اعزاء لهم حيث لم يرحم الموت الغادر صغيرا او كبيرا رجلاً كان أو امرأة.. شيخا أو فتى». ويرى الباحث مصطفى الولي في كتابه الجديد «شرك الدم ـ الطنطورة معركة ومجزرة» ان الضجة التي حصلت اثر الاعلان عن بحث «كاتس» هي نتيجة لغياب اية مادة بحثية موثقة في المكتبتين العربية والعبرية تشير الى تفاصيل ما حدث حيث ان بعض المراجع العربية التي مرت على ذكر سقوط الطنطورة قد اقتصرت على عبارات عامة اتت على تدمير القرية وتهجير سكانها اسوة بمئات القرى الاخرى. وحدهم ابناء الطنطورة الذين الان بين 60 ـ 80 عاما والذين تواجدوا تلك الليلة في القرية يحملون في ذاكرتهم صورة تلك الاحداث الرهيبة، لذلك عمد الباحث الى التوجه اليهم والاستماع الى رواياتهم بهدف استكمال ما لم يتوفر في بحث الكاتب الاسرائيلي والى اضافة جوانب جديدة عن حقيقة ما جرى فبعد الاطلاع على الشهادات التي نشرت في بحث تيدي كاتس «الطنطورة: تحقيق حول مذبحة منسية» تبين وجود عدد من الثغرات فيه سواء ما يتعلق منها بنقص الشهادات العربية التي يتوفر احاطة اوسع بالحدث او تلك التي تتصل بالاستخلاصات حول الخلفية الحقيقية للمجزرة والمسئولية عنها. فقد ذهب «كاتس» الى التعتيم على البعد الاستراتيجي الذي يجثم في جذر العوامل التي أدت الى ارتكاب الكتيبة 34 من لواء الكسندروني المجزرة البشعة والتي ساعدتها فيها الكتيبة البحرية من لواء «كرميلي» وهذا ما اكد الحاجة الى تناول المعركة ومن بعدها المجزرة اعتمادا على شهادات جديدة من ابناء الطنطورة الى جانب التحقيق من خلال مقارنة الروايات ومن ثم تحليل ما تضمنته الوثائق الواردة في بحث «كاتس» وذلك بغرض الكشف عن الخلل في استنتاجاته حول المسئولية عن المجزرة اولا واستجلاء ما اذا كان التكتم الرسمي عنها في الوثائق الاسرائيلية كان مقررا وموجها ام انه صدفة متجردة عن الاغراض التي كانت تسعى اليها القيادة الصهيونية. ويرى الباحث في مقدمة كتابه الجديد ان تناول الخلفية الاستراتيجية للاحداث بما فيها المجزرة التي هي حلقة من سلسلة مترابطة من التطورات الميدانية مسألة تعد العامل الاساسي الموجه للبحث عن الحقيقة لذلك جاء تقديم الكتاب مقالا للمفكر والمؤرخ الفلسطيني د. الياس شوفاني كان قد أسهم به في تحليل السياق التاريخي للمجزرة وفي اعادة تشكيل الوعي لحقائق الصراع من خلال منهجية علمية جديدة في قراءة الاحداث السياسية الكبرى فمن نافلة القول ان قيام «دولة» اسرائيل بداية والادوار التي قامت بها او تلك التي تتهيأ لمتابعتها في صيغ جديدة ربما تقتضيها التطورات العالمية التي في غضونها اندرجت ترتيبات الشرق الاوسط في المسار الذي يطلق عليه «عملية السلام» حيث شكل ولا يزال العامل الحاسم في تطور الاحداث المتعلقة في المنطقة ماضيا وحاضرا وسيبقى كذلك في المستقبل القريب وهو الامر الذي من المقولات التي صاغها د. الياس شوفاني في تصديه لمعالجة خلفيات المجزرة في سياقها التاريخي التي تقوم على رؤية لجوهر المشروع الصهيوني افكارا لابد ان تكون حاضرة في كل بحث يتعقب السلوك العملي «للدولة الاسرائيلية». هذا وقد اعاد الكتاب الجديد في الفصل الاول منه التحقيقات التي اجراها «كاتس» والتي حملت في طياتها عددا كبيرا من الوقائع التي تدحض تماما الرواية الرسمية الاسرائيلية عن معركة الطنطورة وما تبعها من قتل وحشي بشع للعزل من المدنيين. وهو في تحليله لما ورد في البيانات الرسمية الاسرائيلية التي صدرت في حينه او تلك التي حصل عليها مما اتيح له الاطلاع عليه من وثائق رسمية عن تاريخ الهاغاناه وكذلك ما يسمى حرب الاستقلال 1948 اضافة الى تسجيل عدد من التحقيقات مع شهود عيان من الجانبين ابناء الطنطورة ورجال الهاغاناه... يتوصل الى استنتاجات غاية في الاهمية تبين بجلاء التلفيق الاعلامي الاسرائيلي عن المجزرة بما يؤكد ان الاقوال التي جاءت على لسان اكثر من شاهد من ابناء الطنطورة الذين عاشوا احداث المعركة ورأوا المجزرة بأم اعينهم هي الادق من بيانات المؤسسة الاعلامية الاسرائيلية ومن البلاغات العسكرية الاسرائيلية التي اعتمدتها قيادة الهاغاناه استنادا الى تقرير قيادة لواء «الكسندروني» وكتيبة السبت «الكتيبة 33» التابعة له. ويشير الباحث مصطفى الولي في كتابه «شرك الدم ـ الطنطورة معركة ومجزرة» الى ان كاتس اورد في تحقيقه ما نشرته الصحف العبرية من صياغة لخبر معركة الطنطورة والمجزرة التي وقعت ضد المدنيين العزل فيها وهي صياغات متشابهة في «دافار» لسان حال «الهستدروت» وصوت الشعب لسان الحزب الشيوعي و«هتسوفيه» صحيفة المعسكر الديني القومي و«همثكيف» صحيفة الاصلاحيين و«عل همشمار» صحيفة حزب العمال الموحد. فتحت عنوان «اسر المئات من افراد العصابات مع احتلال الطنطورة» بتاريخ 24/5/1948 اي بعد يوم من المجزرة جاء ما يلي: «في الاونة الاخيرة تحولت قرية الطنطورة في محيط زخرون يعكوف الى قاعدة بحرية للعدو الذي كان يهرب عبرها السلاح والرجال الى ارض اسرائيل هكذا افادت اذاعة «صوت الهاغاناه» هذه الليلة هاجمت قواتنا القرية وبعد معركة مريرة احتلتها وقد وقع المئات من افراد العصابات في الاسر وغنمت قواتنا اسلحة كثيرة حيث تقع قرية الطنطورة على بعد سبعة كيلومترات من عتليت». هذا ولتسويغ الخبر الرسمي وتبرير القسوة والبطش اوغلت الصحافة العبرية في تضخيم قوة الدفاع عن الطنطورة وصورت واقع المدافعين عن القرية بأنه مدعم بقدرات تكتيكية وخبرات عسكرية عالية ولعلها ارادت ايضا من ذلك تغطية حجم الخسائر التي الحقها المدافعون عن القرية بالقوات الصهيونية التي بادرت الى الهجوم. من جهة اخرى يؤكد الباحث الفلسطيني مصطفى الولي مرة ثانية ان التحقيق الذي قام به كاتس للتأكد من مسألة الغرباء بعيدا عن المادة المحررة في الصحافة العبرية والتي تستند الى بلاغات القيادة العسكرية الاسرائيلية «الهاغاناه» عثر على شاهد من اصل عربي كانت مهمته التجسس على اوضاع القرية والقرى الاخرى اسمه صلاح ابو مشايخ «ابو محمد» حيث يكشف كاتس ان الرقم الذي اوردته الوثائق العبرية عن الغرباء في القرية هو 60 غريبا ويطابق هذا العدد ما ورد في افادة صلاح ابو مشايخ الى كاتس والتي ذكر فيها عدد 50 جنديا سوريا حيث لا يستبعد كاتس ان يكون تقرير العميل الذي قدمه في حينه الى المخابرات الاسرائيلية هو مصدر المعلومات الموثقة لدى قيادة الهاغاناه. كذلك التلفيق في اطار مخادع ومضلل حيث اوردت الوثائق الرسمية الاسرائيلية معلومات عن اعداد في الاسلحة وكميات من الذخائر تفوق كثيرا ما بحوزة المدافعين عن القرية من امكانيات حقيقية حيث يبقى الهدف دائما تبرير الاعمال العدوانية والارتكابات الوحشية واقامة توازن نفسي داخل صفوف المنظمات العسكرية التي قامت بعمليات الهجوم على القرى العربية ومن بينها قرية الطنطورة التي يدور حولها الكتاب الجديد. اما الشهادات التي أدلى بها من قابلهم الباحث من ابناء الطنطورة المقيمين في سوريا فكانت في مواد الفصل الثاني من الكتاب ففي جولة على اماكن توزعهم الثلاثة الاساسية في سوريا في مخيم اليرموك في دمشق وحي القابون في دمشق ايضا ومخيم القدس «الرمل» في اللاذقية حيث اعتمد في اختيار الاشخاص الذين قابلهم معايير اساسية اولها العمر بين 60 ـ 63 عاما و80 عاما كذلك عنصر الدقة وتوزع وجودهم في تلك الليلة وفي صبيحة اليوم التالي كذلك تجربة النساء في تلك الليلة وما بعدها وما تحمله من مغزى خاص ودلالات معينة اما تجربة الاسر فقد كانت تتمة لفصل المجزرة والتي تكشف عن بعض خلفيات الحدث. بعد ذلك قام الباحث بنقد رواية كاتس في محض مقولة ان المجزرة هي نتاج ارباك في قرار القيادة الامر الذي ادى الى ترك طريقة «اخضاع» القرية الى القادة الميدانيين معتمدا في نقده لهذه المقولة على بعض المفارقات في الوثائق الاسرائيلية ذاتها التي نشرها كاتس في بحثه. هذا وقد زود كتاب «شرك الدم ـ الطنطورة معركة ومجزرة» بأربع ملاحق الاول عن قيد بأسماء العائلات وخارطة للقرية ثبت عليها مواقع الدفاع عن القرية ومحاور الهجوم الاسرائيلي عليها مع تقديم محطات من تجربة المجاهد الشيخ نعيم المصري ابن الطنطورة احد القادة الميدانيين في ثورة 1936 التي تعرف بثورة القسام. أحمد أبو الحسن