جورج فيغاريللو، مؤلف هذا الكتاب، هو استاذ في جامعة باريس الخاصة وفي مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية. سبق له وقدّم العديد من المؤلفات منها «تربية الجسد» و«تاريخ اجتماعي للرياضة». «تقنيات الامس واليوم»، «السليم والعليل»، «الصحة منذ القرون الوسطى»، «تاريخ الاغتصاب»، «من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين»، «هوى الرياضة ـ تاريخ ثقافة». موضوع هذا الكتاب الجديد «من الالعاب القديمة الى الاستعراض الرياضي» يمكن التدليل عليه من خلال ثلاثة محاور اساسية يحلل المؤلف في الاول منها مفهوم الالعاب،كما كان سائداً لدى الشعوب القديمة وخاصة لدى اليونانيين القدامى الذين كانوا وراء انطلاق العاب الاولمب، والمحور الثاني يتعلق بما يسميه المؤلف بـ «انبثاق الرياضة» كمنظومة لها قواعدها الصارمة، وذلك في القرن التاسع عشر. اما المحور الثالث فيخص نقطتين مهمتين يتم تحليلهما بحوالي نصف صفحات هذا الكتاب وتتعلقان بـ «ولادة الاستعراضات الكبيرة» و«الاستعراض الرياضي الاسطورة». ان مفهم «اللعب» القديم، ارتبط الى حد كبير بمفهوم المراهنة، وذلك باعتبار انها الوسيلة الوحيدة لضمان التزام اللاعب، ثم ان المبالغ التي تتم المراهنة بها تزيد من الانفعال والترقب، ثم ان محاولة حصر العنف كانت تمثل احدى الديناميات ـ الآليات التاريخية الكامنة وراء مفهوم اللعب الجسدي قديماً وذلك بغية السيطرة على التوثبات الداخلية والغرائز. ان مثل هذا البحث يعكس ايضاً رغبة في السيطرة على مختلف اشكال السلوك في مجتمعات كانت تتطور فيها التقنيات بهدوء كما كانت العلاقات فيها اخذت بالتداخل اكثر فأكثر وبنفس الوقت تمايزت ادوار ابناء المجتمع.. وحصيلة هذا كله تمثلت في البحث عن سلطة تمارس الرقابة او ما يسميه المؤلف بـ «العنف الشرعي» الذي اخذت الدولة تمارسه في اوروبا منذ القرن السادس عشر الذي يمكن اعتباره بمثابة بداية العصور الحديثة وبداية «حصر سلطة العقاب في الدولة». في هذا السياق الثقافي بدأ مفهوم اللعب بمثابة مصدر للقلق، لأنه مصدر للانسياق وراء اللاجدوى ونسيان الذات، ومجرد تسلية، وتمضية وقت، بعيداً عن اية جدّية، من هنا يأتي واقع عدم وجود نصوص كثيرة حول وصف الالعاب ورهاناتها وما رافقها من عواطف وانفعالات وفرح بالانتصار وخيبة امل بالهزائم في المجتمعات القديمة الاوروبية.. هكذا مثلاً يكتفي الكاتب والضابط الفرنسي، اندريه دولور بذكر مواعيد الرمي على الببغاوات، الذي كانت تعرفه مدينة مونبلييه الفرنسية في اواسط القرن السابع عشر ـ يعود النص المكتوب لعام 1685 ـ واحياناً مكان المباريات وربما نتائجها، ولكن دون التعرض ابداً لوصف ما كان يرافقها من لحظات درامية. فـ «الالعاب لا تستحق الوصف». لكن بالمقابل، وبالاضافة الى ممارسة بل وتعظيم الالعاب اثناء فترات الاعياد والاحتفالات، شهد القرنان السادس عشر والسابع عشر في الغرب الاوروبي عامة اعتبار القوة البدنية لدى الاشخاص بمثابة دليل على القوة والسلطة. وكان من شبه المستحيل تقريباً وصف رجل عظيم، دون التطرق لذكر عنفوانه البدني، ومقاومته للتعب، ومن خلال امثلة تاريخية كفرانسوا الاول وهنري الثاني وشارلكان، يصل المؤلف الى النتيجة الثالثة: كان للسلطة شروطها البدنية مثل الصلابة البدنية الظاهرة. هكذا جرى نوع من الجمع بين القوة والوقار، واصبح السعي من اجل السيطرة الجسدية، بمثابة الاعلان عن فن حقيقي تتم ممارسته في اطار القصور، ولكن ايضاً بين طبقة النبلاء. ثم تم الانتقال شيئاً فشيئاً باتجاه النخب الاخرى والى شرائح شعبية واسعة. ولقد عرفت الالعاب في بداياتها قدراً كبيراً من العنف الذي يثير الان الدهشة، وذلك لانها كانت، بصيغة ما، تعبيراً عن المعارك، وعن وجود منتصر ومهزوم. لكن هذا عبّر بنفس الوقت عن اعطاء اهمية اكبر للناحية الاستعراضية في الممارسات التي تمجد القوة البدنية اي ان «روحية الالعاب نفسها قد تبدّت.. ان عالماً قد تبدل بحق، يقول المؤلف. وكان من اهم مظاهر التبدل الحاصل في ثقافة الجسد اعطاء دور اكبر لـ «المهارة» وللانحسار التدريجي لـ «العاب المواجهة البدنية». وقد ادّى تغيّر مفهوم اللعب نفسه الى تنوع كبير في الالعاب نفسها. وبرزت العاب المراهنة، من مثل اللاعبين انفسهم، والعاب الجوائز، للفائزين، والتي ارتبطت بشكل عام بالاعياد والمناسبات العامة.. وهذا نتج عنه تزايد كبير في الاماكن التي تتم ممارسة الالعاب بها، لكن الى جانب الفصل التام بين العاب الرجال والنساء، وبين جمهور الرجال وجمهور النساء. وبكل الحالات كان تنظيم الالعاب يختلف تبعاً لطبيعتها كألعاب رهان او ألعاب جوائز وحيث كانت تجري احياناً بين العازبين والمتزوجين او بين الشباب والاكبر سناً. ضمن هذا السياق ظهرت بعض الممارسات الرياضية اعتباراً من القرن التاسع عشر والتي يتحدث الكاتب أندريه لوري، نشره في نهاية هذا القرن، عن وجود رياضات السباقات الريفية، والتزحلق والتجديف وغيرها في انجلترا آنذاك. وحيث كان البريطانيون هم في طليعة الذين اتخذوا اجراءات عميقة حيال سير اللقاءات الرياضية، وخاصة في اطار المعاهد التربوية اولاً من اجل زيادة تعبئة الطلبة وقنونة سلوكياتهم. اما في فرنسا فإن الموسوعة الحديثة لم تشر في طبعتها لعام 1841 لوجود كلمة «رياضة» بل ويؤكد المؤلف بأن مبادرات النوادي الرياضية الاولى في فرنسا انما كانت من قبل طلبة سابقين في اكسفورد او كمبردج اقاموا في فرنسا وانشأوا اعتباراً من سنوات السبعينيات في القرن التاسع عشر بعض النوادي مثل «اتلانتيك هافر» في مدينة الهافر على بحر المانش ونادي كرة قدم باريس. وكان الراسنغ كلوب، هو اول نادي فرنسي تم انشاؤه في سنوات الثمانينيات من القرن التاسع عشر ايضاً لممارسة عدة رياضات. ترمي الى ممارسة جميع التمارين في الهواء الطلق من اجل تنمية البدن مثل كرة القدم والمبارزة والتزلج.. الخ، كما جاء في بيان تأسيس النادي. ثم تم تنظيم المباريات ومختلف اشكال الدوري وذلك بالاستقلال عن الاعياد التقليدية، ولا شك بأن بدايات بروز المجتمع الرأسمالي ومعه مفهوم اوقات الفراغ، شجع في تعميم ظاهرة النوادي الرياضية، ويحدد المؤلف فترة النصف الثاني من القرن التاسع عشر وسنوات ما قبل الحرب العالمية الاولى عام 1914 بمثابة المرحلة الجنينية في شيوع التربية الرياضية، والممارسات الرياضية المنظمة. وبنفس الوقت فترة تثبيت مفهوم الدورات الزمنية، ومن اول الرياضات التي مورست بدرجة كبيرة في نهايات القرن التاسع عشر رياضة السباحة. وحيث تحوّلت حمامات الاستجمام الى مسابح تتم فيها المسابقات الرياضية، لكن ظلت هذه الممارسة الرياضية في بداياتها محصورة تقريباً بالنخب الاجتماعية، ثم اصبحت فيما بعد درجة الفخامة، التي تتمتع بها المسابح مؤشراً واضحاً على الشرائح الاجتماعية التي ترتادها. وذلك بعد ان انتقلت هذه الممارسة الرياضية من النخبوية الى الشعبية، وحيث لم تكن افكار الثورة الفرنسية المتركزة حول شعار الحرية والمساواة والاخاء، بعيدة عن مثل هذا الانتقال. ولم يكن الجمهور يحضر المنافسات الرياضية في بداياتها. ولم يتم التفكير بأية عملية فصل بين جمهور المشاهدين واللاعبين حتى نهايات القرن التاسع عشر تقريباً، بل كان المشاهدون يختلطون عملياً مع اللاعبين في اللقاءات الرياضية الاولى بين المعاهد الانجليزية او بين الاندية الرياضية. وهذا ما حصل مثلاً اثناء المنافسة بين فرق انجليزية وفرنسية، في غابة بولونيا، بجانب باريس عام 1890 وحيث اختلط عشرات المشاهدين من بينهم ثلاث نساء بالمشاركين في سباقات الجري والقفز وغيرها. لكن بنفس الوقت لم تكن المواقع المكرّسة للممارسات الرياضية تسمح اصلاً بوجود جمهور عريض. ولم يكن حضور المباريات امراً محبذاً في اطار الخطاب الاخلاقي السائد. ولذلك كان لابد من انتظار فترة ما بعد الحرب العالمية الاولى كي تحتاج الجماهير المدرجات الرياضية. الامر الذي اثار ثورات حقيقية على صعيد هندسة البناء.. وكذلك الى اعادة نظر حقيقية في الخطاب الاخلاقي السائد. وكان عام 1930 قد شهد تنظيم اول بطولة لكأس العالم لكرة القدم في الاورجواي، الامرالذي كان بمثابة منعطف في تطور مفهوم الرياضة الحديثة، الذي اصبح ينحو نحو العالمية ونحو امتلاك بعد سياسي. وقد كان تنظيم كأس العالم لكرة القدم بمثابة التعبير عن تحرر مزدوج، اولاً حيال النزعة الاولمبية المسيطرة وثانياً حيال اعتبار ان بريطانيا هي ارض كرة القدم المختارة، عملية التحرر هذه خلقت ديناميكية جديدة على صعيدي الاستعراض والانتشار. وكانت مباريات كأس العالم لكرة القدم في روما عام 1934 المناسبة الفعلية لتعميم ممارسة جديدة تمثلت في انتقال افواج من المشجعين إلى البلد الذي تقام فيه المباريات، وحيث اختلط الواقع الرياضي بالنزعات القومية. في الوجه الاخر لمثل هذا الانتشار والتعميم برز البعد الاقتصادي الذي يمكن ان تمثله المنافسات الرياضية وبالتالي اهتمت اوساط عالم رأس المال بهؤلاء المستهلكين، الجدد، ثم جاءت التلفزة لتجعل من الصعب تصور الرياضة بمعزل عن عالم الصورة، وما يرافقها من تعليقات، ان الشاشة فرضت نفسها الى درجة انها تماهت مع اللعب نفسه، يقول المؤلف ثم يؤكد بأن التقنيات الجديدة قد غيرت كل شيء، في عالم الرياضة، اذ اصبحت الرهانات الرياضية هي بنفس الوقت رهانات مالية تخضع الى حد كبير لقوانين السوق. كتاب عن الرياضة وعلاقاتها مع الحياة العامة في اطار مسيرتها التاريخية انطلاقاً من جبل الاولمب، وحتى ملاعب كوريا واليابان التي تستقبل بطولة كأس العالم لكرة القدم لعام