مؤلفة هذا الكتاب السيدة مولي غرين هي استاذة علم التاريخ في جامعة برنستون بالولايات المتحدة الاميركية كما انها متخصصة في التاريخ اليوناني، وتشارك في انجاز برنامج الدراسات الاغريقية وفي هذا الكتاب تقدم المؤلفة صورة اخرى عن العالم المتوسطي في القرن السابع عشر ومن المعلوم ان الدول المسيحية الاوروبية هي التي تهمين على الضفة الشمالية والغربية للبحر الابيض المتوسط اما الضفة الجنوبية والشرقية فتهيمن عليها الدول العربية والاسلامية من المغرب الاقصى الى تركيا مرورا بالجزائر وتونس وليبيا ومصر وبلاد الشام: اي فلسطين ولبنان وسوريا.. كلها دول متوسطية او لها شواطيء على المتوسط وطالما تحدث المؤرخون في الماضي عن انقسام المتوسط الى ضفتين متحاربتين ومتعاديتين: ضفة المسيحيين وضفة المسلمين ولكن المؤلفة تقدم صورة أخرى عن الموضوع وتقول بانه لايمكن اختزال العلاقة بينهما الى مجرد صراع وعداء فقد حصلت بينهما علاقات تجارية وثقافية وحضارية على مر القرون وتركز المؤلفة بحثها على جزيرة «كريت» اليونانية او ما كان يدعوه العرب القدماء «اقريطش» وهي جزيرة كبيرة تقع في المتوسط وكان عدد سكانها في اواسط السبعينيات يبلغ (482.000) نسمة وقد اشتهرت سابقا بمدنيتها وحضارتها التي انتشرت على شواطيء المتوسط الشرقية ومن اهم مدنها كانيا وكاندي او هيراكليون كما يدعوها اليونانيون وهي العاصمة وهذه الجزيرة كانت تحت سيطرة الايطاليين من اهالي فينيسيا قبل ان يستولي عليها العثمانيون بعد معارك طاحنة عام (1669) اي في النصف الثاني من القرن السابع عشر وكان المؤرخون الاوروبيون قد رأوا في هذا الانتصار آخر مرحلة من مراحل سيطرة الاسلام على منطقة المتوسط الشرقي كما رأوا فيه قضاء على الثقافة اللاتينية المسيحية المزدهرة بحسب رأيهم ولكن المؤلفة ليست متفقة مع وجهة النظر هذه فهي تطرح السؤال التالي: الى اي مدى غير الفتح الاسلامي فعلا في حياة الناس في الجزيرة المذكورة؟ وهل صحيح ان الثقافة ماتت فيها بعد هذا الفتح المبين؟ ان المؤلفة مولي غرين تفتح لنا منظورا آخر عن هذه المرحلة من التاريخ بل وتقدم صورة جديدة عن منطقة المتوسط الشرقي بشكل عام واطروحتها الاساسية تقول مايلي: لاتوجد قطيعة كاملة تفصل بين مرحلة الحكم الايطالي للجزيرة ومرحلة الحكم العثماني التي تلتها لان سكان جزيرة «كريت» كانوا جزءا لايتجزأ من عالم مشترك ومختلط انه عالم امتزجت فيه ثلاث ثقافات اساسية هي: الثقافة المسيحية اللاتينية على الطريقة الاوروبية والثقافة الاسلامية والثقافة المسيحية على الطريقة الارثوذكسية الشرقية فهذه الثقافات كانت موجودة في المنطقة منذ قرون عديدة ومتمازجة مع بعضها البعض عن طريق الجوار والاحتكاك بل وحتى عن طريق الخصومة والعداء ثم انها كانت متفاعلة مع بعضها البعض عن طريق التجارة والتبادلات العديدة التي تفرض نفسها بقوة الاشياء، وبالتالي فمن الخطأ ان نتصور انهما كانا عالمين منفصلين تماما عن بعضهما البعض: من جهة عالم الاسلام ومن جهة اخرى عالم المسيحية من الخطأ ان نختزل العلاقة بينهما الى مجرد العداء اللاهوتي او الديني فالصورة كانت اكثر تعقيدا مما نظن والعوامل الايجابية كانت لاتقل اهمية عن العوامل السلبية هذا ان لم تزد ثم تقول لنا المؤلفة بان المنعطف الحقيقي للتغيير في المنطقة جاء لاحقا من جهة الشمال اي من جهة اوروبا وهذا ما حصل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عندما ادخلت اوروبا الحداثة الى المنطقة بعد حملة نابليون بونابرت على مصر او حتى قبلها فالامبراطورية العثمانية تبنت خطة الاصلاحات المدعوة «بالتنظيمات» قبل ذلك بفترة من الزمن. تقول المؤلفة في المقدمة العامة لهذا الكتاب القيم: في القرن العشرين كان هناك مؤرخان كبيران هما البلجيكي هنري بيرين والفرنسي فيرنان بروديل وكلاهما قدم صورة عامة عن العالم المتوسطي: اي الدول التي تحيط بالبحر الابيض المتوسط من كل الجهات الاول قدم صورة عن هذا العالم مركزا على الفترة الانتقالية من العصور اليونانية ـ الرومانية القديمة الى العصور الوسطى والثاني أي بروديل قدم عنه صورة من خلال الفترة الواقعة في عصر النهضة وهي تشكل بداية العصور الحديثة في اوروبا ولكنهما لايختلفان فقط في اختيار الفترة التي درساها وانما يختلفان ايضا في المنظور العام فالاول ركز على انقسام المتوسط الى ضفتين متناحرتين هما الضفة العربية ـ الاسلامية من جهة، والضفة الاوروبية ـ المسيحية من جهة اخرى، واما الثاني فركز على وحدة المتوسط بمناخه وسمائه وحشائشه ونباتاته، ومزروعاته، وحيواناته، وعادات اهله وتقاليدهم فهناك نمط مشترك للحياة المتوسطية سواء أكنت في جنوب ايطاليا ام في شمال سوريا وفلسطين هناك حياة متوسطية يقول لنا بروديل وهي متشابهة في كل الضفاف على الرغم من الاختلافات الدينية او العقائدية التي قد نجدها هنا او هناك وبالتالي فان بروديل يركز على الوحدة الطبيعية والجغرافية والمناخية والانسانية للعالم المتوسطي ويقلل من اهمية الصراع المسيحي ـ والاسلامي على حوض البحر الابيض المتوسط. اما المؤرخ البلجيكي فيرى ان عالم المتوسط كان موحدا قبل ظهور الإسلام وكان يدعى بالبحيرة الرومانية، ثم انقسم بعدئذ الى قسمين متناحرين بشكل لا مرجوع عنه. نلاحظ ان نظرة هذا المؤرخ معادية للاسلام والعرب وربما كانت تمثل امتدادا للعقلية الصليبية ولكن بشكل جديد. ثم جاء المؤرخون المختصون بدراسة الامبراطورية العثمانية في جامعات اميركا واوروبا وانحازوا في معظمهم الى نظرة المؤرخ البلجيكي دون ان يواجهوا اطروحة بروديل في العمق. كان المؤرخ الاميركي المعاصر اندريو هيس قد حاول الرد على بروديل ونقض اطروحته من خلال كتابه الصادر عام 1978 عن مطبوعات جامعة شيكاغو عنوان الكتاب هو: الحدود المنسية: تاريخ القرن السادس عشر من خلال التركيز على دراسة الحدود الاسبانية ـ الافريقية والمقصود بالافريقية هنا افريقيا الشمالية اي المغرب العربي الذي له حدود مع اسبانيا وصراعات تاريخية معروفة. يقول هذا المؤرخ بما معناه ان بروديل استمد معلوماته اساسا من تاريخ المسيحية اللاتينية اي الاوروبية الكاثوليكية وبالتالي فقد اهمل الضفة الاخرى من المتوسط اي الجنوبية الشرقية حيث يوجد الاسلام والمسيحية الارثوذكسية او الشرقية. وهذا امر طبيعي ضمن مقياس ان بروديل فرنسي او اوروبي يضاف الى ذلك ان المراجع العلمية متطورة ومتوافرة فيما يخص دراسة المتوسط من جهته الاوروبية الشمالية ولكنها ضعيفة او معدومة فيما يخص الضفة الاخرى، ينتج عن ذلك ان الوحدة التي يتحدث عنها بروديل ليست وحدة كل العالم المحيط بالبحر الابيض المتوسط وانما جزء واحد منه فقط هو: الجزء الاوروبي المتقدم ولهذا السبب فان المؤرخ الاميركي يركز دراسته على الطرف الآخر من المتوسط اي الحدود الاسبانية ـ الافريقية وهي في رأيه الحدود التي تفصل عالم المسيحية عن عالم الاسلام، او العالم الاوروبي عن العالم العربي انها الحدود التي تفصل بين اسبانيا والامبراطورية العثمانية التي كانت مسيطرة على افريقيا الشمالية في فترة ما. ثم يختم المؤرخ الاميركي كلامه بالقول: ان العالم المتوسطي كان مقسوما الى دائرتين ثقافيتين مختلفتين ليس فقط في القرن السادس عشر وانما ايضا في العصور التي تلت عندما تزايدت الهوة السحيقة بين مناطق الاسلام ومناطق المسيحية ولكن المؤلفة ترد عليه وتقول مايلي: عندما نضع كتاب بروديل وكتاب هيس جنبا إلى جنب نجد صورتين مختلفتين عن العالم المتوسطي الحديث واما انا شخصيا فإني احب ان اضيف صورة ثالثة عن منطقة المتوسط الشرقي او شرق المتوسط واطروحتي تتلخص فيما يلي: ان هذا العالم المتوسطي له ديناميكيته الخاصة به ولا يمكن فهم هذه الديناميكية بشكل صحيح اذا ما ركزنا النظر على وجود صراع بين الاسلام والمسيحية او عدم وجوده ينبغي العلم ان المنطقة الشرقية من المتوسط كانت منذ حصول الحملة الصليبية الرابعة عام 1204 مسرحا للتفاعل بين ثلاث حضارات لا حضارتين واقصد بذلك حضارة المسيحية اللاتينية الاوروبية وحضارة المسيحية الشرقية الارثوذكسية وحضارة الاسلام الزاهرة. بالطبع فان انظار المؤرخين تركزت على قصة الصراع الذي جرى بين هذه الحضارات الثلاث اثناء المراحل التاريخية الاولى ونقصد بذلك قصة الفتوح العربية التي استولت في القرن السابع الميلادي على الاراضي الواسعة التي كانت تحت هيمنة بيزنطية ثم قصة الحروب الصليبية التي شنها الغرب المسيحي على العالم الإسلامي واستطاع البطل صلاح الدين الايوبي ان يصدها وينتصر عليها في نهاية المطاف ثم قصة التوسع العثماني وفتحه مدينة القسطنطينية التي كانت عاصمة بيزنطية والتي اصبحت عاصمة الخلافة العثمانية واصبح اسمها اسطنبول وكل هذه الاحداث التاريخية الكبرى حظيت بعشرات ان لم يكن مئات الكتب التاريخية وبالتالي فقصتها اصبحت معروفة بالنسبة للباحثين العلميين في الجامعات الغربية على وجه الخصوص. اما مؤلفة الكتاب السيدة مولي غرين فقد ركزت اهتمامها على الحلقة الاخيرة من هذا الصراع: اي على القرن السابع عشر بشكل اساسي، وهي فترة لم تحظ حتى الآن بالدراسة الكافية. من هنا اهمية هذا الكتاب الذي بين ايدينا اليوم فهي تتحدث عن الصراع الذي دار بين الامبراطورية العثمانية وامارة فينيسيا الايطالية على جزيرة «كريت» اليونانية ومعلوم ان هذه الجزيرة كانت تحت هيمنة الايطاليين، ولكن العثمانيين ارادوا اخذها منهم وقد نجحوا في ذلك بعد خوض معارك عديدة وطويلة استمرت من عام 1645 ـ اي عام 1669 وكان انتصار العثمانيين يعني نهاية وجود المسيحية الاوروبية الكاثوليكية اللاتينية في منطقة شرق المتوسط. وعلى الرغم من ان الايطاليين استماتوا في الدفاع عن الجزيرة وتشبثوا بها حتى عام 1715 الا انهم اضطروا اخيرا للتخلي عنها ولم يقوموا من تلك الضربة ابدا فقد كانت جزيرة كريت اجمل تاج يوضع على اعظم الممالك ولم تكن الجزيرة فقط آخر حلقة من حلقات الصراع بين العثمانيين والايطاليين وانما كانت الموقع الذي حصل فيه اعمق تفاعل بين اللاتينيين والمسيحيين الشرقيين والمسلمين. ينبغي العلم انه عندما وصل الاسطول العثماني الى شواطئ الجزيرة عام 1645 فان الكاثوليكيين والارثوذكسيين كانوا يعيشون عليها منذ خمسمئة سنة من خلال علاقات معقدة لا مثيل لها في الشرق اليوناني وهكذا اضاف الفتح العثماني عنصرا جديدا الى هذا الوضع المعقد عن طريق جعل الناس يعتنقون الدين الاسلامي الحنيف وعن هذا الاعتناق نتجت اكبر جماعة اسلامية في كل العالم اليوناني ولكن الامور لم تتم بسهولة او بساطة فالواقع ان الانتقال من الحكم الايطالي الى الحكم العثماني تطلب خوض حربين طويلتين: 1645 ـ 1669 ثم 1684 ـ 1699، وعندئذ حصل صدام رهيب يمكن ان ندعوه بصراع الحضارات ولكن نتج عن ذلك ايضا ظاهرة جديدة وغريبة: هي الهوية القلقة او المزدوجة فالكثيرون من الافراد ظلوا ينتمون الى كلتا الطائفتين الاسلامية والمسيحية يضاف الى ذلك خاصية اخرى تثير الانتباه وهي: ان النظام الذي رسخه العثمانيون في الجزيرة بعد انتصارهم لايبدو انه يختلف كثيرا عن النظام الايطالي السابق وهذا يدعم اطروحة بروديل في ان الدين والثقافة ليسا هما اللذان قسما البشر وشكلا الحدود الفاصلة بينهم في حوض المتوسط فهناك خط تقسيمي آخر لم ينتبه اليه المؤرخون كثيرا وهو ان الاستمرارية الكائنة بين حكم الايطاليين وحكم العثمانيين يعود الى ان كليهما ينتمي الى العهد القديم فالرؤيا العامة لهذين الخصمين اللدودين كانت محصورة جغرافيا بايطاليا من جهة ثم باسطنبول وحلب والاسكندرية من جهة اخرى وبالتالي فان التركيز على الانقسام الاسلامي ـ المسيحي فقط ينسينا الحقيقة التالية: وهي ان المعركة الحقيقية في شرق المتوسط كانت بين العهد القديم والمتطفلين الداخلين عنوة من الشمال: اي فرنسا، وانكلترا، وهولندا، وبعدئذ روسيا وقد اقلق هؤلاء ميزان القوى في المتوسط ليس لانهم مسيحيون وانما لانهم كانوا جددا على المنطقة وجدتهم او حداثتهم تعود الى ان عالمهم كان اوسع بكثير من عالم العثمانيين والايطاليين من جماعة فينيسيا. هناك مسألة اخرى جديرة بالانتباه لم يكن الانتصار العثماني يشكل فقط امتدادا او توسعا للاسلام على حساب المسيحية، وانما كان يشكل ايضا انتصارا للمذهب الارثوذكسي على المذهب الكاثوليكي داخل المسيحية ذاتها فالانتصار العثماني قضى على آخر دولة كاثوليكية اقامها الصليبيون في المنطقة وبهذا الصدد ينبغي ان نعلم مايلي صحيح ان الحروب الصليبية ابتدأت كهجوم للمسيحية على العالم الاسلامي ولكن سيطرة الكاثوليكيين على القسطنطينية عاصمة المسيحية الشرقية او الارثوذكسية خلف جروحا دامية بين الطائفتين ولم تندمل هذه الجراح بسهولة وهذا شيء نجهله بسبب تركيزنا على الصراع الاسلامي ـ المسيحي ويقول بعض المؤرخين بان كره المسيحيين الارثوذكسيين للمسيحيين الكاثوليكيين الاوروبيين كان اكبر من كره المسيحيين بمجملهم للمسلمين وبالتالي فان العثمانيين قدموا خدمة غير مباشرة للمسيحيين الشرقيين من ابناء المنطقة عن طريق طردهم للايطاليين منها نقول ذلك وبخاصة انهم ـ اي الايطاليين ـ كانوا يشكلون آخر بقايا الصليبيين في منطقتنا ولكن الحرب لم تنته نهائيا الا في بداية القرن الثامن عشر وبالتحديد عام 1715. وهكذا ختمت ثلاثة قرون من التنافس والصراع بين العثمانيين من جهة والايطاليين من جهة اخرى على شرق المتوسط ينبغي العلم ان الامبراطورية العثمانية عندما فتحت جزيرة «كريت» كانت قد تطورت واصبحت افضل في المعاملة مع اهالي المناطق المفتوحة فالقادة الذين استولوا على الجزيرة لم ينهبوا ثرواتها كي يرسلوها الى عاصمة الامبراطورية اسطنبول كما كانوا يفعلون سابقا وانما حرصوا على ان تظل ثرواتها فيها. لا ريب في ان الحرب الطويلة ادت الى فرض ضرائب باهظة على السكان وبخاصة سكان العاصمة ولكن هذه الضرائب لم تذهب كلها الى الحامية العثمانية في الجزيرة يضاف الى ذلك ان العثمانيين لم يحاولوا تغيير التركيبة السكانية فيها فلم ينقلوا اليها العائلات التركية كما كانوا يفعلون احيانا مع بعض المناطق المفتوحة، لا ريب في ان التركيبة السكانية للعاصمة تغيرت بعد الفتح العثماني فالكثير من سكانها اصبحوا مسلمين بعد اعتناقهم للدين الحنيف والكثيرون وفدوا عليها من الارياف المحيطة. كتاب حول العلاقة بين ضفتي البحر الابيض المتوسط العربية ـ الاسلامية والاوروبية ـ المسيحية ان المؤلفة تقدم رؤية جديدة لاتتفق كثيرا مع الرؤية الغربية السائدة انها تؤكد على وجود نمط مشترك للحياة المتوسطية في مختلف مناطق حوض هذا البحر الذي كان منذ القديم مسرحا لتفاعل الثقافات والحضارات وليس مجرد بحر يعبره المسافرون