وحتى للدموع تاريخيتها.. بل ان مؤلفة هذا الكتاب تحاول ان تقدم البراهين على ان هذه الممارسة الصامتة للتعبير عن العواطف والانفعالات انما تحتوي ورغم ما تبدو عليه من «براءة»، على «رهان ايديولوجي» يلخص وحده «قانون الحساسية الحديثة». وقد كان الاهتمام العام كبيرا بظاهرة ذرف الدموع خلال القرن الثامن عشرة اي قرن التنوير الذي تدل الكثير من ادبياته على مدى اهمية موضوع الدموع في العلاقات العاطفية؟ ولكن ايضا في العلاقات السياسية حيث يتم الحديث مثلا عن «حساسية النظام الملكي» في ظل لويس السادس عشر والذي خلفه النظام «الغاشم» للويس الكبير «لوثمراند» والذي تبعه بدوره «اعياد الدموع» التي رافقت الثورة الفرنسية الكبرى. وكان للدموع ايضا دلالاتها على مستوى القيمة الادبية لهذا العمل او ذاك اذ كانت كمية الدموع التي يتم ذرفها عند قراءة هذا العمل الابداعي او عند مشاهدة هذا العمل المسرحي مقياسا لـ «النجاح» الذي يستحقه.. وفد كان مألوفا في نهاية القرن الثامن عشر ان يحمل جمهور الذين كانوا يحضرون عروضا مسرحية «محارم» من اجل تجفيف دموعهم امام المشاهد «التراجيدية» هذا الى درجة ان الامر قد اصبح بمثابة «موضة» اكثر مما هو تعبير عن الأحاسيس العميقة. ومن الملفت للانتباه ان مؤلف هذا الكتاب يربط بين التحولات الاجتماعية وبين اشكال التعبير عن العواطف والانفعالات واحيانا على اساس التمييز الاجتماعي (أبناء الشعب هم الذين يبكون) والجنسي (النساء) هكذا تقوم المؤرخة «آن فانسان ـ بوفو» بتحليل الممارسات الاجتماعية انطلاقا من الموضوع «الصغير» الذي تمثله الدموع.. اذ انها بكتابتها عن تاريخ الدموع انما قد كتبت ايضا عن تاريخ المجتمعات نفسها الى جانب تقديم «تاريخية» التعامل مع الجسد. واذا كانت المؤلفة تستخدم وسائل عديدة في بحثها مثل اللجوء الى البحث في «تاريخ العقليات» و«المظاهر الانثروبولوجية» لظاهرة الدموع فانها تركز بشكل خاص على الادب وذلك على اساس ان التأكيد على «مرجعيات» الدموع «ليست ممكنة الا بفضل قوانين اجتماعية لها تصوراتها حول علاقات البشر فيما بينهم» كما تقول وهذا ما يبدو من خلال كتاب «ديدرو» و«ستندال» ومختلف الروايات العاطفية و«الميلو دراما». لكن المؤلفة تؤكد بنفس الوقت بان الجمهور العريض في جميع الحقب لم يتأقلم تماما مع النموذج الذي يرسمه له الادب ذلك ان الادباء والمبدعين يكونون في اغلب الحالات سابقين وحدهم وهكذا لم يعرف نموذج «الفتاة التي تذرف الدموع بسهولة» الذي رسمه روائيو القرن التاسع عشر، امتداده في الواقع وانما قد عرفه فقط في «دفاتر المذكرات الخاصة» وبقي ذرف الدموع في العلن امرا مستهجنا الى هذه الدرجة أو تلك اذ ظلت الفتيات «يفضلن البكاء في السر». الدموع كرهان اجتماعي وايديولوجي وسياسي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر