سيرج كوردولييه المشرف على انجاز هذا الكتاب هو باحث في الشئون الاستراتيجية ومدير سلسلة «حالة العالم» في دار نشر لاديكو فيرت الباريسية وكان قد اشرف مؤخر على انجاز «القاموس التاريخي والجيوسياسي للقرن العشرين». ويساهم في هذا الكتاب اكثر من 60 باحثاً يعملون في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وغيرها، وقد قدم كل منهم مساهمة في هذا الكتاب المرجع. نقطة الانطلاق التي يتفق عليها الجميع هي ان السباق الدولي الراهن يتسم بقدر كبير من التعقيد وبالتالي هناك حاجة لفهم الرهانات المطروحة في العالم وعلى العالم بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 التي استهدفت مركز التجارة الدولي في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، ان العديد من المحللين والمعلقين يرون بأن هذه الاحداث قد فتحت الباب امام مرحلة جديدة في المسيرة الانسانية كلها، لكن هل يمكن التأكيد القاطع بأن قطيعة حقيقية قد شهدتها هذه المسيرة الانسانية مع احداث 11 سبتمبر 2001؟ ان المساهمين في هذا الكتاب يحاولون تحديداً الاجابة عن مثل هذا السؤال وذلك على ضوء رسم لوحة عيانية للواقع القائم في العالم اليوم بأهم معالمها ثم محاولة اظهار مختلف اشكال الاستمرارية على صعيد المجتمعات والجيو سياسات والاقتصاد والسياسة.. الخ. ان الملاحظة الاولى التي يمكن تقديمها على مساهمات هذا الكتاب تتمثل في محاولة مؤلفيها الواضحة تجاوز مقولات «الفكر الجاهز» السائدة حول العولمة واللبرالية واقتصاد السوق. وتتوزع مواد البحث بين اقسام رئيسية يبحث الاول منها في مسألة مسيرة التطور التي شهدتها الانسانية خلال السنوات الاخيرة على صعيد «الديناميات الديموغرافية» وعدم المساوة بين الرجل والمرأة، كما يبحث في الاحتياجات الاساسية للمجتمعات وخاصة تلك المتعلقة بالتغذية والصحة والسكن والتربية وغيرها، والقسم الثاني مكرس لـ «الجيوسياسية والعلاقات الدولية» ويعالج المساهمون فيه المسائل المتعلقة بالنظام الدولي الجديد وبقضايا الحرب والسلام.. اما القسم الثالث فموضوعه المركزي هو الاقتصاد وآليات السوق هذا بينما القسم الرابع والاخير فهو ذو طابع سياسي بالدرجة الاولى. ويبقى الرهان الكبير بالنسبة لمستقبل الانسانية مرتبطاً بامكانية تحقيق تنمية مستمرة، على اساس مشروع سياسي شامل ومتكامل يشترك فيه الجميع، لكن ما يثير التشوش هو ملاحظة ان مفهوم التنمية المستمر، قد وجد القبول والترحيب الجماعيين، بما في ذلك من قبل اولئك الذين يعملون ضده باستمرار ويوميا كأشخاص او كمؤسسات دولية هذا في الوقت الذي تجتمع فيه آراء الاخصائيين بأن اية «تنمية مستمرة» عليها ان تؤمن المصالحة بين احتياجات الاجيال الحاضرة دون ان يكون ذلك على حساب الاجيال القادمة، لاسيما وانه ليس هناك اي نشاط يتعلق بالسياسات الزراعية والصناعية او بالريف والمدينة او حتى باختلال التوازن بين الشمال والجنوب يكون بعيداً عن النزاعات التي قامت على اساس مطلب «التنمية المستمرة» وضمن هذا الاطار تبدو «قمة الارض» التي شهدتها مدينة ريو عام 1992 وشارك فيها رؤساء 174 دولة بمثابة منعطف تاريخي ورمزي باتجاه تحقيق تنمية مستمرة هذا لو كانت اطروحات تلك القمة قد وجدت ترجمتها في الواقع ويمكن قول نفس الشيء عن مؤتمر «جوهانسبرغ» حول «البيئة العالمية» الذي سيتم عقده في خريف 2002م. وهناك رهان آخر يتعلق به الى حد كبير مستقبل الانسانية ويخص الواقع السكاني «الديموغرافي» ويؤكد المختصون في هذا الميدان بأن عدد سكان العالم يستمر في التزايد ولكن بايقاع اقل بكثير مما كان عليه سابقا، ويشير جاك فيرون الاخصائي الدولي بالشئون الديموغرافية الى انه ليس هناك ما يسمح بالتفكير بأنه سيتم ذات يوم وعلى المدى الطويل أي نوع من التوازن في عدد سكان العالم، لكن لا شيء يسمح ايضا بأنه ينبغي على السواد الاعظم من العالم ان يتبنى بالضرورة نفس نموذج البلدان الاكثر تقدما في الحقبة الراهنة، مع ذلك تدل الابحاث التي اجرتها مؤسسات الامم المتحدة المختصة على اساس المعطيات الديموغرافية لعام 1996 بأنه في المنظور البعيد يمكن لعدد سكان العالم ان يصل الى حالة من التوازن والاستقرار في عدد سكان يقارب الـ 11 مليار نسمة ـ هناك اليوم اكثر من 6 مليارات بقليل ـ في افق عام 2002 مع هذا لاتزال هناك اشكال من المنظورات الجديدة التي تبرز وتشير الاكثر تشاؤما منها الى ان عدد سكان العالم سوف يتناقص بحوالي ملياري نسمة خلال المئة والخمسين عاما المقبلة. بالمقابل اذا كان هامش «اللامساواة» بين الرجل والمرأة يميل نحو الانحسار اكثر فأكثر فإن هذا الهامش ـ الشرخ بين الاغنياء والفقراء يتعمق ويتجذر خاصة بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب وهنا تحديداً يتواجد المعذبون في الارض حسب تعبير الصحفية «صوفي بيسيس» والتي تضيف: لكن ربما انهم سوف لن يقبلوا ان يظلوا كذلك باستمرار، ثم وفيما هو ابعد من اللامساواة في المداخيل كمقياس في الغنى والفقر هناك مقياس آخر يتعلق بما تمتلكه البلدان من «بنى تحتية» وبما تعرفه من مستوى على صعيد الصحة والتربية وغيرها، كما ان اللامساوة ليست بين البلدان فقط وانما داخل كل بلد ايضا حيث تتوسع شرائح المتهمشين اكثر فأكثر حتى في البلدان الاكثر ازدهارا. وتشكل المياه التحدي الجيوسياسي الاكبر في عصرنا كما يقول جان بول دولياج مؤرخ العلوم والذي يؤكد على تعاظم دور المياه كسلعة خلال القرن العشرين وحيث ان السوق العالمي لخدمات المياه الصالحة للشرب وللشبكات المدينية موزع بين بعض المجموعات الكبرى الفرنسية والانجليزية والاميركية، هذا وكانت الاحتياجات الصناعية للمياه قد ازدادت بنسبة 30 ضعفاً خلال القرن الماضي وفي الوقت الذي يشكل فيه الوصول الى امكانية التزود بالمياه شرطاً اساسيا لتحقيق تنمية مستمرة على الصعيد العالمي يبدو ان هناك مناطق تتجه نحو حالة من العجز في رصيدها المائي بما قد يؤدي الى انفجار نزاعات كبيرة خلال هذا القرن 21. وتحدي المياه ليس سوى واحد بين سلسلة من التحديات الاخرى التي تواجهها الانسانية في ميادين البحث والتكنولوجيا وعلوم الحياة والمورثات والصحة العامة.. الخ. لكن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن طرحت تحديا جوهريا جديداً يتعلق بمفهوم «القوة الفاعلة» الذي لم تستطع اميركا الدولة الاعظم في السياسة الدولية الراهنة ان تحققه، ويؤكد برتران بادي استاذ العلوم السياسية بأنه قد اصبح مطروحا على الولايات المتحدة اليوم ان تعيد النظر باطروحة انها القوة العظمى الوحيدة التي تشكل عنصر ضبط النظام الدولي الجديد. ويرى بان الانتصار الذي تم تحقيقه في افغانستان على طالبان كان ذا اثر رمزي لكنه لا يتضمن جهداً حقيقيا في ميدان التجديد الاستراتيجي. بالمقابل يؤكد بيير هاسنر المحلل السياسي بان اطروحة تصادم الحضارات التي قال بها صموئيل هنتنغتون انما تمثل رؤية خاطئة بالنسبة لمستقبل الانسانية. وبدلا من هذه المقولة يرى بأن الظاهرة الاكثر كونية اليوم انما تكمن في ديالكتيك العولمة والتجزئة والمرتبط عضويا مع مسألة التحديث، هذا لاسيما ان التقدم التكنولوجي الهائل دفع الفرد نحو فقدان الكثير من نقاط ارتكازه، مرجعياته، العائلية او القومية او الثقافية او العقائدية وليجد نفسه دون حماية بين براثن المنافسة، وفي عالم معقد وفي حالة تبدل مستمرة وبالتوازي مع هذا جرى انزلاق آخر فبدلا من الحرب التكنولوجية بين المجتمعات البورجوازية بدا شبح البربرية مهدداً من جديد.. وحيث يعيد «هاسنر» مثل هذا النكوص الى تفسخ الاطر التقليدية والى محاولات بناء دولة حديثة بالوقت نفسه. ويرفض المساهمون في هذا الكتاب مقولة اعتماد «الأمن الجماعي للعالم، على الولايات المتحدة الاميركية وحدها بدلا من اعتماده على منظمة الامم المتحدة التي تبدو وانها قد اصبحت رديفا للادارة الاميركية لكن يشير البعض الى ان احداث 11 سبتمبر 2001 سوف تدفع اميركا بالضرورة الى اعادة نظر جدية في سياساتها الخارجية فهي ليست فوق اي خطر ويؤكد المفكر الاستراتيجي آلان جوكس في هذا السياق على الاختلاف الكبير في المفهومين الاميركي والاوروبي، للنظام الدولي الجديد.. ويصل في نتيجة تحليلاته الى القول بأن «النموذج ـ الرديف ـ الاوروبي» يمكن ان ينتشر ويتوسع خلال القرن الحادي والعشرين خارج حدود مهده ويقدم فكراً عاما عن النظام العالمي باعتبارها نظاما دوليا وليس ذا طبيعة مافيوزية ـ من مافيا ـ ان المفهوم الاوروبي الذي يتحدث عنه بخصوص النظام العالمي سيكون قادراً من وجهة نظره على تأمين استمرارية السلام دون ان يظهر باستمرار قوته القائمة على السلاح. هذا لاسيما وان الاتحاد الاوروبي قد استطاع عبر توفير نوع من المواطنة المشتركة والعملة الموحدة التأكيد بأنه قادر على النمو والازدهار بشكل سلمي. ويؤكد اكثر من باحث آخر على تفرد تجربة مسيرة التوحيد الاوروبي التي بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بخطوات صغيرة وحيث كانت الدول الاوروبية نفسها هي التي قادت تلك المسيرة. وفي المحصلة يتفق الجميع ايضا على ان نهاية الحرب الباردة وسقوط الاستقطاب الثنائي الدولي قد اسس لحقبة جديدة من حياة الانسانية تتسم بهيمنة قوة وحيدة تتمثل بالولايات المتحدة وبرأسمالية جديدة عالمية وواقعة تحت السيطرة الكاملة للمال في ظل ما يسمى بـ «الاقتصاد الجديد» وبواسطة ادوات تحكم تتمثل في المنظمة العالمية للتجارة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها من المؤسسات من نفس الطبيعة. وما بين العولمة.. وتعزز السلطات المحلية تبرز الافكار الضرورية لفهم التحديات الدولية الجديدة.. في عالم معقد ومتغير