نايجل وليامز روائي وكاتب مسرحي وكاتب سيناريو بريطاني معروف من اهم اعماله «قاتل ويمبلدون» رواية و«ما بعد الاربعين» رواية، وروايته الاخيرة «هاتشت وليست» التي يرى النقاد انها تخرج في الشكل والمضمون على النطاق المألوف الذي تعود عليه قارئ نايجل وليامز في البداية كما يرى آخرون انها تمثل عودة الى الرواية البريطانية ذات الصلة بالمجتمع الريغمديني الذي تشكل الطبقة المتوسطة جوهره وتحريضا واضحا على التحرر من قيود المؤسسة. في بداياته عرض نايجل وليامز كروائي متميز في التسعينيات في اعقاب نشره ثلاثية «قاتل ويمبلدون» في بدايات تلك المرحلة وهي عمل لقي ترحيباً حاراً في الأوساط الثقافية والنقدية، ويدور مضمونه حول البحث عن جوهر الانسان البريطاني ممثلاً في بطله الذي يعاني من أزمة نفسية عبر قالب كوميدي خفيف يبدأ وليامز رحلة في أعماق رجل اكثر ما يمكن ان يوصف به هو انه انسان عادي حسبما يوحي مظهره الخارجي وشيئاً فشيئاً يجر القارئ الى مأساته المتمثلة في ضياعه بين القيم التي اورثها اياه مجتمع مرحلة الحرب العالمية الثانية البريطاني ومجتمع بريطانيا القرن الحادي والعشرين. بطل ثلاثية نايجل وليامز «قاتل ويمبلدون» هنري فار شخصية مملة مثيرة للشفقة لا شيء يبدو واضحا من ملامحها الخارجية لكنه في أعماقه يملك رغبة ملحة في قتل زوجته لا لأنه رجل سادي أو غيور كبقية الازواج ولا لأي سبب ربما كان منطقياً وانما لأنه لم يجد وسيلة لتفسير ما تقوم به ولا وسيلة اخرى للتخلص منها. الرواية الى جانب انها قصة ترصد اعماق انسان يبدو عادياً الا ان وليامز يضيف اليها بعدا آخر يجعل لها مغزى وتلعب شخصياته فيها دوراً مهماً على الرغم من تفاهتها حيث كل واحدة من هذه الشخصيات محاطة بخصوصية عجيبة محبوكة بذكاء تحمل على الدهشة وتفضي متابعة تفاصيل حياتها المملة الى الشعور بالمتعة في النهاية. الى جانب تلك الكوميديا السوداء الجافة فإن هذا العمل الروائي مكتوب بأسلوب ممتع ولغة رصينة مليئة بالتعليقات والاضاءات المتصلة بالأخلاق والحياة والعلاقات الاجتماعية الشخصية والعائلية. أعمال نايجل وليامز تلقي الضوء على تلك الجزئية المنسية من تاريخ بريطانيا ما بعد الحرب في الاساس بحياة الطبقة الوسطى وتقديمه ايجابياتها وسلبياتها على نحو بالغ الدقة لا يمكن للكثيرين ان يقوموا به. ولعل روايته «ما بعد الاربعين» هي احدى اكثر اعماله تجسيداً لهذه المقولة. في هذا العمل الروائى الكوميدي الساخر الذي تشبه الكثير من عناصره عناصر رواية ثلاثية ويمبلدون وتقع احداثه في المكان نفسه ويقدم لنا فيه البطل نفسه الرجل المنتمي الى الطبقة المتوسطة الذي يمر بأزمة منتصف العمر ولا يعرف ماذا يفعل فيبدو تافهاً لكن وليامز يؤكد من خلاله سعيه الى البحث عن جوهر الانسان البريطاني المفقود الذي سحقته المؤسسة. رواية «ما بعد الأربعين» أولاً وأخيراً عمل ساخر يبحث في التاريخ على نحو استثنائي ومنذ البداية يقدم لنا وليامز بطله بول سلبيري (49 عاماً) ونصف ممثل الاذاعي الذي سيصادف يوم الاستغناء عن خدماته يوم الاحتفال بعيد ميلاده الخمسين ورب العائلة الذي لا يعني وجوده فيها شيئاً لا في حياة زوجته المرأة العاملة ولا أولاده الذين لا يملك وسيلة للتفاهم معهم يقدمه في قالب كوميدي ساخر ومثير للشفقة لدى اهتزاز ثقته في نفسه وفي الآخرين. إن بطل وليامز كما هو مجسد في رواية «ما بعد الأربعين» ينظر في كل الاتجاهات فلا يرى الا زوجته التي كان يحبها في السابق! وقد تحولت الى شخصية اخرى تتحكم فيها «الطبيعة البهيمية» للمؤسسة وأبنائه الذين يعيشون بعيداً عنه منذ نشأتهم وينعمون بحرية لا يحلم بها على الاطلاق وحياته العائلية الآخذة في الانهيار وحياته العملية المهددة بالتوقف بسبب الموجة الجديدة من الفكر الاعلامي المقلوب. والواقع انه كما هو وليامز فإن سلبيري يبدو كذلك ضائعاً مشتتاً بين عالمين، عالمه القديم في الخمسينيات وما قبلها وعالمه الجديد الذي لا يمكنه استيعاب ما يجري بداخله من تغيرات سريعة تقصيه حتى عن اداء دوره الحقيقي في الحياة الذي ظل يؤديه طوال العشرين عاماً الماضية (دور الممثل) في الـ «ب.ب.س». من جهته لا يصعب عليك كقارئ ان تلمح تلك السخرية في المؤسسة أو ما يمكن ان نطلق عليه الانتقاد الذي يوجهه وليامز للمؤسسة لبيروقراطيتها، والمؤسسة الاعلامية تحديداً ممثلة في الـ «ب.ب.س» فيأخذنا ذلك في رحلة معه عبر دهاليز السلطة ونعرف شيئاً عن الجهاز الضخم المنظم الذي يعمل افراده وفق توجهات معينة ولا يشعر الانسان لدى انتمائه اليه بالأمان أو الأمن الوظيفي كحد أدنى. مريم جمعة فرج