ولد نايجل وليامز سنة 1948، ومن أهم مؤلفاته في المسرح والرواية «حياتي انتهت مرتين» ـ رواية و«قاتل ويمبلدون» ـ رواية. فيما أنت تتناول طعام الغداء معه في منتصف هذا الطقس البهيج الذي يمارسه نايجل وليامز يرفع هو بصره ليقول لك: ـ هذا أول حوار أجريه منذ مغادرتي الـ «بي.بي.سي»، الآن أصبحت الى حد ما أعرف من أكون، أعني انني كاتب. لسنوات ظلت هذه المسألة صعبة بالنسبة لي ولم أر فيها خداعا، كنت أسعى الى القيام بواجبي على نحو أفضل، والواقع انه ضايقني فعلاً ان يقال لي غادر لا يوجد لدينا عمل هنا. لكنني لم أكن أفكر بنفسي ككاتب في ذلك الوقت، كنت أعتبر نفسي واحداً من رجال الـ «بي.بي.سي» أولاً، ولم يكن ذلك يتعلق في الحقيقة بمؤلفاتي. هذه الجزئية الأخيرة من كلامه ربما كانت مضللة، فقد التحق وليامز بهيئة الاذاعة البريطانية فور تخرجه من جامعة اكسفورد وكان في البداية متدرباً وقدم برامج على مدى 32 عاماً، وفي أوقات فراغه كان يكتب أعمالاً روائية واخرى مسرحية وكان يضيف الى ذلك أصنافاً أخرى. رواية وليامز الأخيرة «هاتشت وليست» الصادرة عن دار فايكنغ هي أول عمل ابداعي يتفرغ لكتابته، مما يعني انه كان يكتب يوميا ما بين ثماني أو عشر ساعات متواصلة على مدى أكثر من عامين. وهكذا إذا كانت أعماله السابقة ومنها روايتي «قاتل ويمبلدون» و«ما بعد الأربعين» يمكن اعتبارها انجازا فإن «هاتشت وليست» التي كتبها بتفرغ مرشحة لأن تحمل متعة استثنائية. أول ما تجدر الاشارة اليه هو هذه الرواية التي يصل عدد صفحاتها الى 422 هي أطول عمل يكتبه الى الآن، وهي كذلك الأكثر تجسيدا للطموح بظهورها في هذه المرحلة في شكل قصصي يجمع ما بين قصص الجريمة والغموض والرومانسية والمغامرة والكوميديا الاجتماعية، وعلى الرغم من ذلك فهي في النهاية تبدو بعيدة تماماً عن تلك الاجناس لتتحدث عن شيء له علاقة بالرواية البريطانية. «هاتشت وليست» التي يحملهما العنوان هما اسما صديقي طفولة، حملا على الدخول في صراع مع بعضهما في المرحلة التي تتزامن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939) وتستدعي ان يقوم كل منهما بالتعريف عن نفسه لدى نورما المرأة التي يحبها كلاهما. أما هاتشت فهو كما تصفه نورما يجسد العديد من الجوانب التي تتميز بها الشخصية ذات الملامح البريطانية، ذكاؤه، وقاحته، جفافه، كياسته، احترامه للسلطة وميله الفطري الى التمرد على الأشياء. وفي غضون ذلك يعرف القاريء ان جريمة قتل تقع في احدى المدارس الثانوية التي يعمل فيها الثلاثة يروح ضحيتها العاملين في المكان وهو ما يشبه تماماً أجواء روايات أجاثا كريستي وان كنا نعلم في الأساس ان وليامز أحد أكبر المعجبين بروايات كريستي البوليسية. في اشارة الى ما كان يطمح له على نطاق أكبر يقول وليامز بأن احدى نقاط البداية التي جعلته يكتب هذا الموضوع هي الملاحظة التي كان سلمان رشدي قد أبداها حول رواية الاسنان البيضاء لزادي سميث يقول فيها ان هذه الرواية تقول لنا كيف استطعنا ان نصل من هناك الى هنا، لكن على الرغم من أهمية ما قاله إلا ان رشدي لم يقل لي في الواقع كيف وصلت. إنني في الحقيقة رجل انجليزي أبيض أنتمي الى الطبقة المتوسطة، أما كيف وصلت فهي قصة مختلفة.. قصة تستحق ان يعرفها الآخرون. إن المجتمع الانجليزي ونحن الانجليز شيء يستحوذ كلية على تفكيري، لقد تربى جيلي في الخمسينيات وهو متكيف تماماً مع أحداث الحرب التي لم نكن نعرف عنها شيئا، وصرنا نسعى الى التأقلم معها طوال حياتنا. تقع أحداث رواية «هاتشت وليست» في قرية كروتشت جرين الخيالية على مشارف ضاحية كرويدن، وكما هو الحال مع ضاحية ويمبلدون فإن هذه المنطقة هي احد الأماكن التي تبدأ فيها المدينة بالزحف باتجاه الريف. وكعادته فإن وليامز يسعى الى نقل البعد الكوميدي للمكان الى هناك، لكن دون ان تصدر عنه ملاحظة ساخرة لدى كتابته عن سكان الضاحية. أذكر أثناء رحلتي من السويد الى بريطانيا منذ حوالي عام أو أكثر عندما كانت الطائرة تمر بالشريط الساحلي وكنت أرى كل هذه البيوت الممتدة من ساوث اند الى هيثرو، وحينها أدركت كم هي صغيرة هذه الجزيرة بل كم هي متناهية الصغر. وكيف ان الغزو الذي تتعرض له هويتنا الريفية أو الصدام بين هويتنا الريفية وهويتنا المدينية قد تمخض عن ولادة الروح البريطانية. وبالنسبة لي فإن الضواحي هي التي تجسد ما يمكن ان نسميه انجلترا. أنا مأخوذ بفكرة الأرض الأدبية.. قبل عام من الآن كنا نقوم بزخرفة غرفة المسافرين، في البيت في ذلك الوقت تذكرت شيئا مما قاله روائي عن أرضه وكيف انها تشمل العالم بأكمله، حينها كتبت على الجدار «ان أرضي مساحة صغيرة للغاية وحدودها هي طريق التبت الدائري ومحطة ساوث ويمبلدون والجزء الأخير من ويست هيل وإيست شين. إن كل ما فعلته في هذه الرواية هو انني توسعت قليلاً في وجهة النظر هذه». ما يفهمه المرء من رواية وليامز هاتشت وليست هو انها الجزء الأول من ثلاثية على الرغم من نصيحة زوجته له بالتريث الى حين معرفة المزيد من الآراء حول هذا العمل (نايجل وليامز متزوج من سوزان هاريسون وقد مضى على زواجهما 32 عاماً، وهاريسون التي يقول بأنها أبدت عدة ملاحظات مهمة حول الكتاب محررة قصص أطفال في التلفزيون). «أعمالي الروائية رهان في مجملها، والناس مازالوا يرون انني ذلك الرجل الذي يكتب عن ويمبلدون وانني عنيد بطبعي وأنا كذلك اعتقدت بأنني فقط لا أريد ان أفسد هذه الصورة». وهكذا فقد اتبع ثلاثية ويمبلدون الصادرة في التسعينيات برواية رعب واثارة أطلق عليها اسم «فيونا الشامخة» لم تلق أي ترحيب، لكن روايته «قاتل ويمبلدون» فهي تحتوي على فقرات أطول وعلى النكت الذكية المشغولة على نحو يبعث البهجة في النفس على الرغم من ان أفقها يبدو أكثر رحابة. المشهد الذي يجعله يشعر بالفخر يتضمن وقائع موت شاب صغير بالقرب من أحدالشواطيء البريطانية بعد دنكيرك، وهو مشهد مكتوب على نحو لا يثير العاطفة وعلى الرغم من ان حركته تبدو صادمة، إلا انها تبدو أيضاً مقيدة مترنحة على نحو هزلي ساخر. وهذه التقنية كما يقول، استغرقت ستة أشهر لكي يتم تحويل المشهد من مشهد مثير للشفقة الى مشهد كوميدي. ويتحدث وليامز باسهاب عن قراءاته التاريخية المختلفة للحرب التي خاضتها بريطانيا وتاريخ القنبلة الذرية ويحرص على الاشارة الى ان تواريخ المشاهد التي تتعلق بالحرب في الرواية مكتوبة بدقة. ولهذا فإن كرويدن على الرغم من انها تبدو نوعاً من التجوال في العمل، إلا انها تحظى بأهمية خاصة لأنها أول مكان في بريطانيا يتم قصفه، هذه هي أهميتها وتلك العملية في مجملها هي ما تتحدث عنه الرواية. يستشهد وليامز بحكمة تنسب الى الهنود الحمر، حكمة بسيطة ودقيقة وصادقة تقول «إذا كنت تريد ان ترمي هدفاً على بعد بوصة واحدة فقط، فاعلم انه كلما انطلق السهم بعيداً عن القوس كلما كان التناقض أكبر بين السهم وبين الهدف» وهذا شيء مهم جداً يمكن قوله عن التاريخ، حيث يمكن لقرار تافه بسيط ان يدمرك تماماً، والواقع انني مفتون بهذه اللحظة التي يقرر فيها الناس ان يربطوا حياة بعضهم بالبعض الآخر، وبأولئك الذين يتخذون قرارات غير صائبة. أنا شخصياً أتمنى الحظ السعيد لروايته الأخيرة.. ومنذ مدة ليست بالبعيدة كتب وليامز سيناريو فيلم عن الملك جورج الخامس والملكة الأم وتحدث في هذا الفيلم عن حجم الدمار الذي أصاب شعورنا بالمصلحة العامة وعن شعوره بالأسى لفقدنا اياه.. «ربما كان هذا هو الموضوع الرئيسي للرواية الذي يتحدث عن ضياع وحدة بريطانيا»