بيان الكتب: يبدأ كتاب «كيف اصنع فيلما» من غرفة في المستشفى، بعد ان نقل الطبيب فيلليني بسيارته اليها من هنا يبدأ التفكير بالفيلم الذي يجب ان يخرجه. بيضة فوق قطعة قماش، انهيار واجهة قبة ميلانو، الممرضات، الراهبات، الاصدقاء، الزهور، كل هذه يمكن ان تكون افكارا رائعة لاخراج فيلم، ثم تنثال الذكريات الى الايام الاولى التي تعرف فيها فيلليني الى السينما والدخول في هذا العالم الغرائبي اللذيذ، ومع القرية وحياتها وعودة فلاش باك، يمكن رسم صورة بانورامية رائعة لعالم فدريكو فيلليني ولكن الدخول الحقيقي لن يكون الا بعد اللقاء والعمل مع المخرج روسلليني: «ان روسيلليني كان نوعا من ابن عاصمة ساعدني على اجتياز الشارع، ولا اعتقد انه اثر بي تأثيرا عميقا لكنني اعترف له من جهتي بأبوية كأبوية آدم.. لقد شجع روسلليني انتقالي من مرحلة ضبابية، معدومة الارادة، دائرية، الى ميدان السينما». يصنع فيلليني الافلام لانه لا يعرف صناعة اي شيء آخر وهو لم يتوقع ان يصبح مخرجا ومنذ اليوم الاول الذي صرخ فيه: «تشغيل! تصوير! قف! «خيل اليه انه يقوم بهذا العمل منذ زمن بعيد، انه يروي قصصا عبر السينما وسط خليط من الصدق والابداع ورغبة الادهاش والاعتراف ونيل الغفران والرغبة الوقحة في اثارة الاعجاب والقاء المواعظ، وفي ان يصبح النبي والشاهد والمهرج يثير الضحك ويحرك المشاعر. تظل العلاقات بين المخرج والمنتج مأساوية في اغلب الاحيان، وينتهي التعاون بينهما دائما بأن يأخذ شكل مبارزة منهكة من الخداع والضربات اسفل الحزام ومحاولات الاقناع بالتأثير على العواطف او بمظاهرات التأييد العلاقة فاسدة من الجذور بسبب غياب الانسجام، المخرج بأفكاره وقصصه والمنتج الذي يعد نفسه الوسيط بين الكاتب والجمهور مستعينا بالغضب المستوحى من بعض كهنة المعابد الاغريقية الذين لايقبلونه اية رقابة على حوارهم المستمر مع الآلهة، وهذا ما حصل عندما اخرج فيلم «الحياة الحلوة» و«الطريق»... ان السينما تسمم الدم تماما كالعمل في المناجم فهي تنهك الاعصاب وباختصار يكون المنتج في اخراج الفيلم طرفا تكميليا وله ضرورته الخطأ وعلى الرغم من انه يصعب تحليلها فان له فائدته التي لايمكن استبدالها «ان الفيلم حينما ينتهي فانه يغادرني الى الابد، حاملا معه كل شيء بما فيه الذكريات». يرسم فيلليني بالقلم شخصيات افلامه ويدون بخط الرسم ملاحظاته عن الوجوه، الانوف، الشوارب ربطات العنق، حقائب اليد والطريقة التي يصالب بها الناس سيقانهم وهذا يعد طريقة للبدء بالنظر الى الفيلم.. وليس هناك نظام خاص في مختلف الطقوس التي ترافق طريقة للبدء بالنظر الى الفيلم.. وليس هناك نظام خاص في مختلف الطقوس التي ترافق عمله من جهة اخرى فان كل فيلم يختلف عن الآخر ولكل منها سماته ومزاجه. يعتبر فيلليني فيلم «جوليا والاشباح» هو فيلمه الحقيقي الاول بالالوان، وطرح اللون للمرة الاولى على انه مسألة تعبيرية خالصة فالقصة وبنيتها وعاطفتها تتحدد وتعيش حصرا عبر اللون الذي بمقدوره ان يرويها ويترجمها ويعبر عنها ان اللون يغني الفيلم ببعد جديد، ان وسيلة تعبيرية عالية القيمة فيما لو استخدمت على طريقة الرسم. ان السينما تروي عوالمها وقصصها واشخاصها باستخدام الصور وتعبيرها تصويري كتعبير الاحلام: ان الفيلم الصامت يمتلك في الواقع جماله الغامض والاغراء الشديد ينبثق صورا وخيالات يجعله اكثر صدما من الفيلم الناطق، لانه اشد قربا من صور الحلم والتي هي دائما اشد حيوية واكثر واقعية من كل ما نراه ونلمسه. يعبر فيلليني عن نفسه دائما بالصور والتلفزيون يراهن على الكلمة اكثر مما يراهن على الصورة، باختصار «التلفزيون هو طريق اجدني فيه مرتاحا اكثر فالطاقم اكثر اختصارا والمشروع يمكن انجازه بسهولة اكبر انه لم يكن بالنسبة لي الا طريقة اخرى لممارسة السينما، مثلما فعل بيكاسو عندما توقف عن رسم اللوحات وراح يعمل في السراميك هكذا هو الامر التلفزيون يمكن ان يكون نوعا من ندى البكارة الذي يرش على شخص يهده التصلب الذي يبدأ بالروتين وبالميل للتماثل مع الهوية التي كونها الآخرون عنه... هو كأن يخرج المرء من بيته ويسلك طرقا مختصرة. ان ممارسة السينما والعيش مع طاقم اثناء التصوير، الفنانون الغريبو الاطوار، العمال المفتولو العضلات، الفنيون، المختصون المبدعون، النساء الجميلات لحد الاغماء، الخياطون، مزينو الشعر، الناس القادمون من كل اصقاع الدنيا، النداءات، الصراخ، الغضب، الخصومات، الصمت المطبق فجأة جراء صرخة عظيمة، وخلف هذه الفوضى الظاهرية مخطط تصوير يحترم بصورة عجائبية متعة العيش معا والعمل معا، والتحرك والسفر مثل عائلة كبيرة، كل ذلك وكل ما يحصل بصورة خارقة اثناء تحقيق الفيلم، اليست هذه هي حياة السيرك؟ عند نهاية عمل ما ربما نطرح سؤالا اكثر حصافة، هل هذا الفيلم هو حقا الفيلم الذي اردنا عمله؟ يقول فيلليني: «عندما يتحقق الفيلم، لا يعود لدي اي فضول لمعرفة ان كنت رويت حقا كل ما كان في ذهني، حتى السيناريو او الخربشات، ستبدو لي، ان وقعت تحت بصري، متعلقة دائما بفيلم آخر، الفيلم الذي كان يجب ان اخرجه، وليس الفيلم الذي اخرجته، يبقى عندي شك بخصوص هذا الفيلم هل نجحت في ان اروي اللحظات كما عشتها جميعا: الذهول، مشاعر الفزع، الاطمئنان والتهديد والحماية والارض المجهولة والمألوفة التي احسست بها في اول مرة رأيت فيها المهرج بيرنو؟ وهل رائحة النشارة ورائحة الحيوانات البرية والغبش الغامض، تحت القبة، والموسيقا المؤلمة، وهذا الجو من المرح والاعدام، من العيد والمجزرة، من الرقة والجنون، الذي يمثله السيرك، هل هذه جميعها في فيلمي؟ في السينما توجد مسائل تعبيرية محددة لان السينما هي فعلا صورة، والضوء فيها هو العامل الاساسي انه ايديولوجيا، شعر، ألوان، نسق نغمي، عمق، جو، حكاية، الضوء يصنع المعجزات، انه يضيف، يمحو، يختصر، يغني، يضفي، يبرز، يشير، يجعل الخيالي والحلم قابلين للتصديق ومقبولين، وبالعكس يمكن ان يوحي بالشفافية وبالارتعاش، ويجعل الواقع الاشد اكفهرارا ورتابة يتألق بواسطة كشاف ضوئي واقمشة، يصبح الوجه الكامد الذي لا تعبير فيه ذكيا، غامضا فاتنا، الفيلم يكتب ذاته بالضوء. ماهي روما؟ حين يسمع فيلليني بهذه الكلمة يتخيل وجها مدورا محمرا وارضا داكنة ثقيلة، موحلة، وسماء رحبة مفككة، مثل خلفية ديكور الاوبرا مع ألوان بنفسجية واضواء خفيفة مصفرة، سوداء، فضية، وألوان مأتمية، وحيث ان «روما» أم، فهي الأم المثالية لانها لا مبالية، انها ام لديها الكثير من الاطفال، لا تستطيع ان تكرس نفسها لك ولا تطلب شيئا منك تستقبلك عندما تصل وتتركك ترحل عندما تريد، تشتم روما كما لا تشتم اية مدينة اخرى لكنها لاتبدي اي رد فعل، يقول الروماني: «روما... لا، انها ليست ملكي» وهذا ينتج من واقع انه يخشى شيئا من البابا من البوليس، من النبلاء فينغلق داخل دائرة غذائية، خيبته، اهتماماته محدودة لاقصى حد، مما يجعله كفيفا لا يعود يبصر. على العموم ثمة انطباع يختصر روح هذه المدينة انه الجهل. روما يسكنها جاهل لايريد ان يزعج يحب اسرته ويعتقد ان المرء يجب الا يعيش ولا يستطيع العيش الا هكذا انه طفل كبير مثير للسخرية يرضيه ان يضربه البابا على قفاه. يتساءل فيلليني لماذا عملت فيلما عن روما؟ والجواب عنده، لانه يعيش في روما ولانه يحب هذه المدينة: «بعد تقديم فيلم الحياة الحلوة، صرت مقتنعا بأنه ليس من الضروري السفر لالتقاط الشاذ والغريب غير المتوقع حتى ما هو قريب منا يمكن ان يبدي المنقبة لشخص غريب، مدينة قريبة جدا وبعيدة مثل كوكب آخر، انطلاقا من ذلك ودون ان الحظ نما مع الزمن مشروع فيلم «ماما روما». في افلامي السابقة، بعد ان اكون قد انتهيت اشعر بان فكرة الفيلم قد استنفدت بدا لي بعد تصوير فيلم «ليالي كابيريا» انه لا معنى لان تبقى طريق النزهة الاركيولوجية في مكانها وان احدا لم يزلها كما ازيلت ديكورات استديوهات التصوير في هذا الفيلم، بالعكس، يتولاني الشعور الغريب بأني لم اقم حتى بملامسة الموضوع ليس فقط لان المادة لم تستنفد بل انها لم تمس لقد حضرت للفيلم بالحماس المعتاد وتقصيت وسبرت المدينة، ودسست انفي في الجهات الاكثر بعدا لكن في نهاية المطاف فان هذه الامكنة وهذه الانسانية وهذه القصور وهذه الديكورات العظيمة التي ظننت انني امتلكها تكشفت عذراء تماما وسليمة. ان روما باختصار ظاهرة غريبة تماما عن فيلمي عنها ارغب بتصوير فيلم آخر وبسرد قصص اخرى عن روما». اخرجت فيلم (ماما روما) في المحاولة العصابية لاستنفاذ علاقاتي مع المدينة ولابطال ابتزاز المشاعر الاولى والذكريات الاولى، وكذلك بالنسبة لفيلم المهرجون، ففي لحظة معينة قلت: يكفي مع السيرك ومع كل القصص التي اختلقتها عنه فيلم Amarcord كان عليه ان يكون بخاصة وداعا لمدينة رميني ومع اصدقاء لمدرسة والمدرسين، والغران، الاوتيل الصيفي والشتائي وزيارة الملك والثلج فوق البحر وكلارك غيبيل هو هذه المراهقة التي لا براء منها والتي تهدد بامتلاكنا الى الابد وهكذا اخرج من ذلك صورة لريف ايطالي، ريف ما، خلال سنوات الفاشية. تستمر الفاشية والمراهقة بأن تكونا فصولا تاريخية دائمة في حياتنا وهذا يعني البقاء اطفالا باستمرار يعني تحميل الآخر المسئوليات. ان ثمة شخصا يفكر عنك مرة يكون البابا ومرة يكون الماما ومرة يكون المختار، او الدوتشي ثم بعد ذلك الاسقف والسيدة العذراء والتلفزيون ثم انتهى اخراج الفيلم الفكاهي Amarcord. قرر فيلليني ان يعمل فيلما عن كازانوفا لان هذا النوع من الافلام يغري المنتجين، وتستطيع ان تمثل عملية تبادلية هامة «انا اخرج فيلم كازانوفا» لكن عليك ايها المنتج ان تسمح لي باخراج فيلم «قاطرة» الجزرة بالنسبة للحمار. بعد ان انتهى فيلم كازانوفا كتب احد المعجبين بكازانوفا «اراد فيلليني تدمير كازانوفا، لكنه لم ينجح الا في تدمير ذاته».. لقد ترك الفيلم عند الجمهور الصدمة الاشد صعوبة، ذلك لان المشاهدين ذهبوا الى السينما وهم يحملون في رؤوسهم فيلمهم الخاص بهم ويريدون ان يروه مؤكدا. اما فيلليني فله رأي آخر: «يبدو لي انه فيلمي الاكثر جمالا والاكثر وضوحا والاكثر صرامة والاكثر كمالا من حيث الاسلوب». جمع كتاب «كيف اصنع فيلما من مقالات وحوارات مسجلة ومقابلات ومراسلات وقد اجبر الناشر على استرجاع بعض الصحف والكتب والمجلات من كافة اطراف العالم والسبب ان فيلليني لم يكن يحتفظ بشيء يتعلق به مما كان ينشر وقد عمل بجهد لتدمير كل شهادة عنه بنوع من الممارسة المرحة والمعاركة لنفي الذات. فيصل خرتش