يستعد المخرج السوري ممدوح الاطرش حاليا لتصوير احداث المسلسل التلفزيوني الجديد الذي سيتناول حياة الفنانة الراحلة «اسمهان»، حيث بدأ منذ اربع سنوات في تجميع المادة العلمية والوثيقة التاريخية عن حياة هذه الفنانة الرائعة، حيث ان هناك بعض الاشكاليات تناولت حياتها بجانب بعض الغموض على المستوى السياسي والاجتماعي والفني ايضا، هذه الفنانة التي عاشت ضمن هذه المرحلة الزمنية القصيرة كانت عنصراً فاعلا في الساحة الفنية منذ ان كانت في الرابعة عشرة حتى السادسة والعشرين من عمرها، حيث قدمت اكثر من 40 أغنية جميلة في مجال الشعر العربي، ويرددها الجمهور العربي حتى الان بالرغم من مرور أكثر من 58 عاما على رحيلها، وقد واكبت حياة الفنانة اسمهان مرحلة حرجة من تاريخ الوطن العربي، حيث ارتبطت بالثورة العربية حتى الحرب العالمية الثانية، وقد استطاعت هذه المرأة ان تغير مجرى الاحداث، ابان الحرب العالمية الثانية، هذه الشخصية الفذة والعبقرية جذبتي كي اقدم عنها مسلسلاً، فقمت بجمع الكثير من الوثائق، بالاضافة الى كثير من المعلومات، حتى استطعت ان اتابع حياة هذه المرأة. المسلسل مؤلف من ثلاثين حلقة تلفزيونية. وخلال زيارته الامارات التقيناه لمعرفة المزيد عن هذا العمل الكبير وعن اعماله الفنية الاخرى، فسألناه عن سبب زيارته للامارات فقال: جئت الى الامارات للاتفاق مع بعض الجهات الانتاجية والتي تتبع بعض الجهات الاعلامية بالدولة لتمويل وتنفيذ هذا العمل، ومن خلال مقابلتي لعدد من الشخصيات المهمة في الدولة، ابدوا تحمسهم واستعدادهم للمشاركة حتى يرى هذا المسلسل النور، واعلنوا عن تبنيهم لهذا العمل الضخم، وسوف يبدأ التصوير خلال الاشهر الثلاثة المقبلة من هذا العام. واتمنى ان يلحق بركب مسلسلات رمضان هذا العام، فان لم يكن فسيتم عرضه خلال رمضان العام بعد المقبل، لان التصوير سيأخذ وقتاً طويلاً، حيث سيتم التنقل بين مصر وسوريا ولبنان وفلسطين وتركيا. ـماذا عن أهم الجوانب التي سيتناولها المسلسل؟ ـ يتناول المسلسل المرحلة الحرجة منذ ولادتها وحتى الحرب العالمية الثانية، وسيصور الشرائح الانسانية المعاصرة لحياة الفنانة الكبيرة اسمهان، فقد ولدت اسمهان في العام 1918 مع بداية الثورة العربية، حيث تدور احداث المسلسل حول سلطان الاطرش ومعه الفا فارس استطاعوا ان يسبقوا الجيش الفيصلي دمشق وينزل العلم التركي ويرفع العلم العربي لأول مرة، وانتقاما لذلك يتم الامر في تركيا بالقاء القبض على فهد الاطرش «والد اسمهان»، ولكن فهد الاطرش وزوجته الحامل في شهرها الاخير وطفليه فؤاد وفريد، توجهوا الى ميناء ازمير لركوب إحدى البواخر وقبل ان يتم القبض عليه تبحر الباخرة متجهة الى ميناء بيروت، وكادت احدى العواصف ان تدمر السفينة، وفي هذه اللحظة توضع علياء حملها اذ بها طفلة جميلة فيقرر الوالد فهد الاطرش ان يطلق عليها اسم «أملي»، وتصل العائلة لتستقر ببيروت لفترة من الزمن ويعين فهد الاطرش مبعوثا لدولة جبل الدروز الى السلطات الفرنسية، وتقوم الثورة السورية ويلتحق فهد الاطرش بابناء عمومته في الثورة وتفصل الثورة بين الاسرة وعائلها الذي التحق مع الثوار، ويقوم الثوار باسقاط طائرة فرنسية ويتم اسر قائدي الطائرة الفرنسيين، ويأمر غورو باعتقال عائلة فهد الاطرش كرهينة حتى يتم فك اسر الطيارين، في هذا الوقت تهرب علياء باولادها فريد وفؤاد و«املي» الى حيفا ومن ثم الى فلسطين ثم الى القاهرة، وعلى الحدود المصرية الفلسطينية أمر ضابط الجوازات المصري بانزالها لانها لا تحمل اي تأشيرة دخول الى مصر، فتستنجد علياء بسعد زغلول باشا، حيث كان يناصر ثورة الاطارشة ضد الفرنسيين ، فيجيرها ويدخلها الى مصر، ويتم تخصيص منزل خاص بها ولاولادها في حي الفجالة احد احياء القاهرة الذي اشتهر ببيع الكتب، بالاضافة الى راتب شهري، وبعد فترة يتم نفي سعد زغلول باشا وتتشرد العائلة من جديد. فتضطر الاميرة علياء الام ان تعمل في حياكة الصوف والمناديل والغناء في الحفلات الخاصة والافراح احيانا حتى تدبر ما تصرفه على اولادها، وتبرز مواهب فريد الموسيقية آنذاك ويصبح صيته مسموعا في جميع محافظات مصر، وفي احد الايام يزور العائلة الموسيقار الكبير داوود حسني فيسمع صوتاً جميلاً يأتي من المطبخ حيث كانت «أملي» تصنع القهوة وكانت تغني اغنية لام كلثوم فيعجبه هذا الصوت فيستدعي«املي» ويطلب منها الغناء ثانية، وقال لها سيكون لك شأن عظيم في عالم الغناء، ويبدأ الموسيقار داوود حسني باحتضان الصوت الجديد وتدريبه ويطلق عليها لقب «أسمهان»، تيمنا باسم مطربة فارسية ذائعة الصيت والجمال آنذاك اسمها «اسمهان» من مدينة اصفهان الايرانية وبدأت شهرة اسمهان الفنية في الانطلاق منذ تلك اللحظة. مصادر الاحداث ـ لن يكون هناك امينا مثلك بصفتك من العائلة ليوثق المشاهد في سرد الاحداث، ما هي مصادرك التوثيقية لهذا المسلسل؟ ـ لقد كتب عن اسمهان الكثير والكثير، وهناك من قام بتشويه صورتها امام الرأي العام، وكتبوا مغالطات جسيمة في حق هذه الفنانة، والبعض كتب مذكرات عن اسمهان وكانت مجحفة في حقها. ولان شخصية اسمهان في ذاتها شخصية اشكالية فكانت شخصية معشوقة لدى الجميع بمن فيهم الملك فاروق شخصيا، والبعض كتبوا انتقاما من ردة الفعل من اسمهان، لقد لجأت لمحاور جلسات وزارة الخارجية البريطانية ووزارة الخارجية الفرنسية، ووزارة الخارجية المصرية، ولأنه بعد مرور اكثر من 50 عاما لم تعد هناك أسرار، فقد حصلت على محاضر بعض الجلسات، لقد كتبوا عنها انها كانت جاسوسة، فهذا في الحقيقة لا يمت للواقع بصلة، سأقول لك شيئا وهو موثق في محاور هذه الجلسات، في 3 مارس سنة 1941 اجتمعت قيادة الحلفاء في مقر السفارة البريطانية في القاهرة وحيث كان طيران دول المحور والالمان ينشر الرعب في سماء القاهرة، ورومل على الأبواب، وكان لابد للحلفاء من تخفيف الضغط على الجبهة المصرية ونقلها الى الجهة الاخرى من المتوسط الى سوريا ولبنان حيث كانت ترابط قوات الحلفاء في جنوب شرق العالم وفي فلسطين، سوريا ولبنان كانتا تحت ضغط القوات «الفاشية»، وكانت هناك قوة قوامها 35 الف مقاتل من العشائر والدروز المتمركزين، وخلال الاجتماع الذي تم في السفارة البريطانية في القاهرة وضم كبار قادة الضباط تقرر ان الشخصية الوحيدة التي لها الفعل في التأثير على زوجها السابق الامير حسن الاطرش أمير جبل الدروز وعلى رأس هذه القوات وزعماء العشائر المتمركزين في المنطقة، هي «اسمهان»التي امضت ست سنوات كأميرة لجبل الدروز وكزوجة للامير حسن الاطرش، فشكلت علاقات كبيرة ونمى ونضج فكرها السياسي آنذاك في تلك المراحل، فتمت دعوتها من قبل قوات الحلفاء وتكليفها بمهمة ان تقنع زوجها الامير حسن الاطرش والزعماء بالوقوف على الحياد عندما تدق طبول المعركة لدخول قوات الحلفاء للقضاء على قوات، «فيشي». اجتمع الاطارشة بقيادة الامير حسن الاطرش مع الزعماء الوطنيين في سوريا ولبنان وقرروا مساعدة الحلفاء وعدم الوقوف على الحياد فقط، شريطة ان يتعهد الحلفاء بمنح سوريا ولبنان الاستقلال، وفعلا تم تحرير سوريا ولبنان وتم القضاء على القوات واعلن ديجول في خطابه الشهير في جامعة دمشق استقلال سوريا ولبنان، وعلا نجم اسمهان في تلك اللحظة، وتهافتت القيادتان المتحالفتان الفرنسية والانجليزية على كسب ود ورضاء اسمهان. ولكن فيما بعد تكشفت نوايا الحلفاء حيث كان مقررا تقسيم البلاد وفرض الانتداب، وكان اول من اتهمها بالخيانة هم اهلها على اعتبار انها ورطتهم وغيرت مجرى الاحداث، فنقم عليها اهلها وفي الوقت ذاته بدأت القوات الفرنسية والانجليزية سحب البساط من تحت أقدامها، فقامت اسمهان بالاتصال بالقوات الالمانية لكي تنتقم من الحلفاء لكرامتها وتم الاتفاق على انزال القوات الالمانية على الساحل السوري للقضاء على قوات الحلفاء، فتم ترتيب لقاء بينها وبين فوم مابيل سفير المانيا بانقرة عن طريق صحافي أميركي يعمل لصالح الالمان يدعى «فورد» ولكن المخابرات البريطانية تعقبته حتى الحدود التركية وقامت بفصل عربة القطار التي كانت تقله وارجعتها وتم اعتقال فورد، وقد أصاب اليأس اسمهان من كل ما يحدث وقررت الاستقرار في القدس فاقامت في فندق الملك داوود، منتظرة الفرصة المناسبة لتعود الى القاهرة من جديد، لانها كانت دائما تمنع من الدخول الى مصر والاقامة فيها بسبب خلافاتها مع الملكة نازلي، وخلال وجودها بالقدس تزوجت من المصري أحمد سالم وحصلت على عقد من استوديو مصر السينمائي لفيلم «غرام وانتقام»، واستطاعت ان تدخل مصر كزوجة مصري وكصاحبة عقد للعمل في مصر. ـ من هم ابطال المسلسل المرشحون للعمل فيه؟ ـ ابطال المسلسل من مصر وسوريا ولبنان، ولكن الاشكالية عندي هي من ستقوم بدور اسمهان، ومن الصعب الاختيار لان العمر الدرامي لاسمهان في المسلسل من سن 14 الى 26 عاما فانا احتاج الى ممثلة في العشرينيات من العمر تستطيع ان تجسد العمرين معا بسهولة، فهناك ندرة في الساحة العربية لهذا السن بالذات. ـ معنى ذلك أنك سوف تتجه الى الاستعانة بوجه جديد للقيام بدور اسمهان؟ ـ لا اخفي عليك سرا، انني الان اقوم بتدريب وتأهيل احدى الفتيات من عائلة الاطرش للقيام بدور اسمهان من خلال فريق عمل كامل يقوم بهذه المهمة. ـ لقد عملت في مجالي السينما والمسرح، فالى ايهما تميل؟ ـ عشقي كله للمسرح، فانا تخصصي المسرح ودراستي المسرح والدراما ايضا والمسرح بالنسبة لي هو الحياة، وهو أبو الفنون التي تحتضن الفنان، ولكن سؤالي: لماذا سرق التلفزيون المسرحيين، ولماذا يتجه الفنان العربي الى التلفزيون تاركا المسرح، هل هي مسئولية الفنان ذاته ام مسئولية مسيسي العمل الفني في الوطن العربي، فانا ضد ان يطغى فن على الاخر، فانا في الاساس مسرحي واعتبر أن تجاهي الى التلفزيون اضطرار لا اختيار لان هذا العمل ضخم جدا، ووجدت ان التلفزيون وسيلة انتشار اكبر، ويصل الى المتلقي بسرعة، والمساحة العامة للمسلسل تستدعي وجودي في التلفزيون لتنفيذه، فتم تكثيفه في 30 حلقة، وعليه سيرى المشاهد لغة جديدة للعمل وايقاعاً متميزاً فيه التشويق لانه مكتوب بلغة سينمائية بحته. والمفاجأة هي انني اكتب سينما لدراما تلفزيونية بمشاركة احد الشباب يدعى رفعت الهادي من السويداء. ـ هل شعرت بانك خسرت الكثير لاتجاهك من المسرح الى السينما؟ ـ أكيد، فالانسان يمكن ان يخسر كل شيء في حياته ولكنه لا يخسر ذاته، فعندما يهجر الفنان المسرح وهو عشقه سيشعر بخلل، فلولا هذا العمل لما اتجهت الى التلفزيون حيث اعتبر ذلك سقوطاً فنياً، ولكني متفائل جدا بما سيكون عليه العمل الجديد، وسيكون خطوة نحو دراما عربية متميزة وخطوة ايضا نحو العالمية، خاصة ان «المسلسل يضم نجوماً من جميع الاقطار العربية، بالاضافة الى وجود بعض الفنانين العالميين من فرنسا وانجلترا والمانيا وتركيا. ولذلك سيكون مسلسل «اسمهان» اول عمل عربي يوزع في الخارج. ـ ماذا عن الاعمال الجديدة التي تقوم بتنفيذها الان؟ ـ حقيقية كان هناك مسلسل «الميساء» وكنت سأبدأ فيه، ولكن مسلسل اسمهان جذبني اليه فأجلت «الميساء» لما بعد الانتهاء من اسمهان، كما ان هناك تحضيراً لعمل تلفزيوني من عشرين حلقة بعنوان «الممثل» من اعدادي واخراجي. ـ اين هي الدراما الخليجية والعربية الآن؟ ـ انا في الاساس ضد تسمية الدراما باسم بلدها مثل الخليجية، أنا اتحدث بشكل عام عن الدراما العربية، فانا دوما اطالب بوحدة الفن العربي، وكسر الحدود بين الفنانين العرب، لنقدم دراما عربية تخطو نحو العالمية. فلدينا كل الامكانيات ليشاهدنا العالم، من خلال اعمال متوحدة. ـ كيف يتم تقييم العمل الفني الجيد؟ ـ من خلال وجود خبرات متميزة تستطيع ان تقيم الاعمال التي سوف يتم عرضها، ومن خلال تشكيل لجنة لتقييم العمل، والابطال، والامكانيات وتقييم الطاقات الموجودة في العمل