كيف يتصرف مريض خضع لعملية جراحية لبتر اصبع بقدم رجله اليسرى حين يفيق من تأثير المخدر ليكتشف ان الجراح الماهر قد بتر الاصبع، ولكن من قدم الرجل اليمنى؟ وكيف يكون احساس مريض يكتشف انه قد خضع لعملية جراحية في موضع ما من جسده، وهو الذي لم يكن بحاجة الى جراحة اصلاً؟ وكيف يكون شعور مريض يكتشف ان جزءاً عزيزاً من جسده قد خرج ولن يعود لأن اسمه تطابق مع اسم مريض آخر كان من المفترض ان يخضع لتلك العملية الجراحية؟ قد يعتقد البعض ان تلك مجرد افتراضات تنطلق من عقلية سوداوية، إلا ان الأمر ليس كذلك، اذ انها وقائع حقيقية رصدتها الاجهزة الطبية في اكثر بلدان الدنيا تطوراً وتقدماً وتحولت الى قضية ساخنة وأدت لتدخل السلطات العليا. فقد حذر معهد الطب التابع للأكاديمية القومية للعلوم بالولايات المتحدة من ان اعداد ضحايا الاخطاء الطبية في البلاد قد تجاوزت اعداد اولئك الذين تحصد الحوادث المرورية وسرطان الثدي ومرض نقصان المناعة المكتسبة ارواحهم كل عام. وقدر التقرير عدد هؤلاء الضحايا بنحو تسعين ألف ضحية كل عام. إلا ان دكتور دونالد بيرويك، مدير المركز يبدو اكثر تشاؤماً حين يقول: ان هذه الارقام لا ترقى الى مستوى الحقيقة، وقد تمت اساءة تقديرها. انها اكثر من هذا بكثير، الا انها تبدو كذلك لسببين، الاول هو ان هناك حالات لم نسمع عنها لأنه لم يتم رصدها وتسجيلها، والثاني هو ان هذه الارقام لا تشمل ضحايا مجالات الرعاية الصحية الاخرى، مثل الرعاية الصحية المنزلية ودور المسنين ومراكز رعاية الطفولة. وفي ذات السياق حذرت اللجنة المشتركة لترخيص مؤسسات الرعاية الصحية في تقرير خاص من ارتفاع خطير في الحالات التي يقوم فيها الجراحون بإجراء عمليات في المواضع الخطأ من اجساد المرضى. ويقول التقرير: كان يمكن منع تلك الاخطاء بقليل من الاهتمام والتركيز والحرص. ورصد التقرير الذي صدر في وقت سابق من هذا العام مئات الحالات. ويقول دكتور دينس اوليوي، رئيس اللجنة انه أمر يبعث على الاحباط ويعرض أي مؤسسة يحدث فيها لحرج بالغ. انه امر يتكرر دائماً. ان اجراء عملية جراحية واحدة في الموضع الخطأ من جسم المريض يعد اكثر مما ينبغي. يمكن تفادي مثل هذه الاخطاء الشنيعة بالعديد من الوسائل، مثل وضع علامة بارزة على الموضع الذي يتعين اجراء العملية عليه. وتنحصر معظم الاخطاء الناتجة عن عمليات جراحية في الاطراف السفلية والطرفية من الجسد. واوضحت احصائيات اللجنة المشتركة ان بتر الجزء الخطأ يشكل 76% من تلك الحالات، كما ان حالات اجراء عمليات جراحية على المرضى الخطأ تشكل نسبة 13% و11% منها تتصل باجراءات خاطئة، سواء قبل اجراء العمليات او اثناءها. ويقول دكتور أوليوي، وكأنه يحاول الاختباء خلف بعض الاعذار الواهية: اننا نعاين مرضى بأسماء متطابقة احياناً، وأشعة مقلوبة داخل اطر ضوئية، ومرضى ملحاحون ومتعجلون للشفاء، ووسط هذه الفوضى المنظمة لابد وان يحدث شيء ما. وهذا الشيء هو ما أسميه: الخطأ الطبي. وكثيرون من هؤلاء ـ كما أوردت الاحصائيات الرسمية ـ هم اشخاص معافون جسدياً وفي كامل صحتهم رحلوا عن الدنيا او فقدوا قطعة عزيزة من اجسادهم، لا لسبب الا لأن الجراح اعمل مباضعه في المواضع الخطأ وهو في عجلة من امره، أو لأنه اطلع على التقرير الطبي الخطأ او لأن الاسماء تشابهت عليه. بيتر تراينور، شاب في مقتبل الحياة مفعم بالحيوية والنشاط، اشتكى من الم بالامعاء الغليظة، شخّص الطبيب المرض بسرطان وتقرر ازالة الجزء المصاب، وكان الجزء الأيمن، وحين افاق تراينور من تأثير المخدر بدأ يصرخ من الألم. تم استدعاء الطبيب الذي جاء على عجل ليقف أمام مفاجأة مدوية. اكتشف الطبيب ان الجراح ازال الجزء الأيسر من الامعاء الغليظة. وهكذا كان يجب ازالة الجزء الأيمن المعتل أصلاً. يقول تراينور: هكذا أعيش بلا امعاء غليظة. انه لأمر مزعج. خطأ شنيع سأدفع انا ثمنه. أية فظاعة هذه. رفع دعوى قضائية ضد المستشفى والاطباء. ونفى الجميع ارتكاب أي خطأ. قال محاميه: «ان هؤلاء الاطباء يرتكبون اخطاء قد لا نسمع عنها أبداً». السيدة كاثرين مالكوم انتابتها ازمة قلبية حادة. استدعى ابنها الاسعاف الذي حملها على عجل الى المستشفى حيث خضعت لعلاج مكثف اعاد القلب لحالته الطبيعية. وجدت مالكوم نفسها داخل غرفة العمليات صباح اليوم التالي. اعمل فيها الجراحون مباضعهم واستأصلوا ما قالوا عنه لاحقا ورماً حميداً. وعندما افاقت احست بجسدها يتمزق ألماً. اخذوها الى غرفة الاشعة، عاين الاخصائي الاشعة فشاهد مبضعاً صغيراً. عادت مرة اخرى لغرفة العمليات حيث فاضت روحها. بعدها اكتشف الاطباء انهم اخطأوا في اسم المريضة وقاموا بإجراء عملية للمريضة الخطأ. لم تمض على اصابة باترسون بويك بجرح غائر في ركبة الساق اليسرى سوى اربعة ايام. احس بعدها بأن السم يسري في جسده وانه قاتله لا محالة. استعان بجاره الذي نقله الى المستشفى حيث اجمع الاطباء على بتر الساق اليسرى. وبعد يومين افاق باترسون من تأثير المخدر وركبة الساق الأيسر كما هي تضج من الألم. فقد بتر الجراحون ركبة الساق اليمنى. أحست ويلي جيمسون بآلام المخاض وهرع بها زوجها الى المستشفى. استفز صراخ ويلي ممرضة مبتدئة. مدت يدها وتناولت حقنة دواء وحقنتها. سكتت ويلي. وعندما استقر جسدها على طاولة الولادة كانت جثة هامدة. فقد حقنتها الممرضة بجرعة انسولين. هذه الأخطاء وغيرها حدثت في الولايات المتحدة الأميركية، الدولة الأكثر تقدماً وتطوراً تكنولوجياً ومهنياً، فكيف هي الحال في عاملنا العربي؟ هل ينسى الجراحون مباضعهم داخل بطون المرضى، هل يبترون الأطراف الخطأ، هل يحقنون مرضاهم بعقاقير تذهب بأرواحهم؟ يحدث كل هذا، إلا أننا نادراً ما نسمع عنه. مأمون الباقر